باكستان دولة ركن في العالم الإسلامي، وأول دولة تمتلك سلاحاً نووياً قام بجهودها العلمية الذاتية، وأول بلد اختار بنازير بوتو، رئيسة للدولة في بادرة هي الأولى من نوعها في العالم الإسلامي، لكن باكستان هي أم المتناقضات في بناء هيكل دولتها حيث انفصلت عن الهند، وقامت الأخيرة بفصل بنغلاديش لكسر وحدتها مع باكستان، وشهدت العديد من الانقلابات والتصفيات، وهي مجتمع خليط من أعراق وقبائل يوحدها الإسلام، وربما يمزقها متطرفو هذا الدين الحنيف الذي استطاع في أوج تمدده وقوته أن يوحد أكبر امبراطورية، وبأسرع تاريخ مرّ على شعوب العالم وحضاراتها..
باكستان تشهد الآن حالات خطيرة من التمزق لدرجة أن الجيش الذي يعتبر القابض على القوة، تهيمن عليه قوى الفساد التي احتكرت المناصب والأموال، حتى إن اختراق الاستخبارات وفقاً لما نشرته الصحافة العالمية من قِبل عناصر متشددة استطاعت أن تحوي ضباطاً كباراً، يؤكد أن الأوضاع تسير في الاتجاه الصعب، خاصة لو حدث فصل أجزاء من باكستان تستقطب متطرفين يتناغمون باتجاهاتهم وتوجههم نحو طالبان، مما سيتسبب في ضغط على حكومتيء باكستان وأفغانستان، وربما يخلق وضعاً من الصعب التعاطي معه بسهولة..
باكستان لم تفصّل لأن تكون ديمقراطية رغم بداياتها بعد تأسيس حكومتها المستقلة التي كانت ناجحة، والمستغرب في محاولتها استنساخ التجربة التركية عندما وضعها أتاتورك بالاتجاه العلماني، وجعل الجيش صاحب القبضة الحديدية والمتصرف في كل شيء، أنه من الصعب استيراد نفس التوجه، لأن الفوارق الزمنية، والظروف الدولية، وطبيعة المجتمع التركي المختلف تماماً عن الوضع الباكستاني، خلقت الصعوبات، ثم إن تركيا خرجت من إرث امبراطورية كبرى، وخاضت حروباً من أجل الحفاظ على تماسكها ووحدتها، بينما باكستان حاربت الاستعمار البريطاني في ظل الدولة الهندية التي جمعتهما قبل الانفصال..
قتءلُ بنازير بوتو، أياً كان الفاعل فجّر النيران الخامدة، فالأحزاب انجرّت ولاءاتها للزعامات ومنابت القبيلة أو العرق، المغلفة بطروحات دينية، أو مدنية، ومن هنا جاءت ولادة الانتخابات عسيرة، قبل أن تقطع المتر الأول في إتمامها، ولعل الرئيس مشرّف الذي اختلفت حوله الآراء، وانقسمت الطوائف والأحزاب إزاء قدرته على خلق تماسك بين القوى المتصارعة قد يستطيع أن يوازن بين التيارات ويتصالح معها بشكل لا يقبل التشكيك، وعندها، ربما يكون رجل باكستان القادم، لكن بشروط أن يقدم قوائم عمل صحيح يخرج من التجارب السابقة بإنجازات تنطلق من الوعود، والأوراق، إلى الفعل، وهي الحقيقة التي تؤسس لوحدة داخلية تلغي حالات التوتر والانقسام..
من الصعب رؤية بلد إسلامي كبير يسقط بفعل ظروفه الداخلية، لتهيمن عليه فئات متطرفة، بينما السنوات التي قطعتها الحكومات الباكستانية، كانت درساً لأي زعيم لأن يُخرج هذا البلد من حالات الارتباك والتصادم، إلى الوفاق الوطني وتغيير مساره إلى الديمقراطية والتنمية وتفكيك العلاقة بين قوى الفساء والتطرف، وكل اللاعبين من خلف الشعب وإلى فتح الآفاق لردم تلك الهوة وبناء بلد تؤهله إمكاناته لأن يكون علامة فارقة في العالم الإسلامي كله..