بحث



الجمعه 2 المحرم 1429هـ( أم القرى )- 11 يناير 2008م - العدد 14445

عودة الى أدب الجمعة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


ورقة النقل الأخيرة

فوزية فواز
    وضعت يدها بسرعة على المُنبه كيلا يُوقظ الصغار، وبخفة تسللت من غرفتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء بعد أن حملت ملابسها وحقيبتها. تنفّست الصُعداء (حمداً لله لم يستيقظ أحد) كانت الساعة تُشيرُ إلى الرابعة صباحاً ولم يحن بعد وقت الصلاة. أحست بالبرودة الشديدة تسري في جسدها (ما هذا البرد! ) أمامها أقل من خمس عشرة دقيقة قبل أن تحضر السيارة التي ستُقلّها إلى مقر عملها كمعلمة في قرية تبعد عن الرياض أكثر من مائتي كيلو نصفها ترابي غير مُعبّد. يجب أن تنته بسرعة قبل أن يوقظ الصغار ببوقه المزعج! وحين تأهبت للخروج فوجئت بطفلها الصغير ذي الأعوام الأربعة يقف أمامها وقد ارتسمت على ملامحه أمارات الحزن وهو يقول:

- أمي.. لا تذهبي.. أشعرُ بالبرد. فتحت ذراعيها وأشارت له كي يرتمي بأحضانها، أخذت تُدفئه وتفرُك يديه الصغيرتين بيديها الدافئتين. قالت له بهدوء وبصوتٍ أقربُ إلى الهمس:

- لا توقظ أخوتك، اذهب الآن وحاول النوم ثانيةً وبعد قليل ستستيقظ الخادمة لتعد لكم الفطور حتى أعود! سألها وقد تهدّج صوته بالبكاء:

- وهل ستعودين بسرعة أم ببطءء ؟ ضحكت لطريقته في التعبير وقبّلتهُ وهي تقول:

- بل بسرعة يا حبيبي، الآن عُد إلى غرفتك قبل أن يزعجنا السائق ببوقهِ! استدار وهو يُحاول مقاومة دموعهِ ويتمتم بانفعال (أكره المدرسة، متى ستنتهي ؟) تنهدت وهي تُراقبهُ يعودُ أدراجه. خرجت إلى فناء المنزل الخارجي (لقد تأخر السائق!) وما هي إلاّ لحظات وتسمعُ صوت السيارة تقف أمام الباب، ولم تكد تضع قدمها للصعود حتى استوقفها صوت ابنها وهو يُناديها:

- أمي.. أمي. اعتذرت من السائق للحظات، وهرعت إليه كان حافي القدمين ويحملُ بيديه الصغيرتين ساعة الحائط الكبيرة وهو يُشيرُ إلى عقاربها قائلاً:

- ضعي إصبعكِ على الوقت الذي تعودين فيه! احتضنته طويلاً وهي تُشيرُ بيدها إلى الرقم اثنين.

- (هيّا بسرعة عُد الآن قبل أن يُصيبك البرد بالمرض) ابتسم بمكر وهو يقول:

- (إذا مرضت لن تذهبي أليس كذلك ؟!) أُسقط في يدها أجابته بعجالة:

- حسنٌ لن أذهب ولكنك الآن بخير و الحمد لله! قفل راجعاً وقد أطرق برأسهِ. طلبت من السائق أن يُمهلها حتى تطمئن على دخول صغيرها وتتأكد من إغلاق الباب جيداً. أحسّت بانقباضٍ شديد، فالحزن في عيني صغيرها آلمها كثيراً، تمنّت لو تعود إلى المنزل وليكُن ما يكُن! تذكّرت المُديرة وهي تضع الخط الأحمر وترفض التوقيع بعد الساعة السابعة وخمس عشرة دقيقة.

- (ولكنني بعيدة جداً وأخرُج قبل صلاة الفجر وكثيرات اللاتي يحملهن السائق معي).

- (لا يهمني.. حاولي التبكير في الحضور) كان البرد شديداً فخلدن للنوم عداها! كانت تُفكّر بصغيرها. حاولت أن تُشغل نفسها بأي شيء.. أخرجت دفتر تحضيرها. قرأت مُلاحظاتها التي تدوّنها في الأوراق الخلفيّة حتى لا تنساها.

@ موضوع إذاعي لفصل 3/2أدبي عن (أمل الغد).

@ الطالبة سارة ورعاية موهبتها في الخط.

@ إعانة الطالبات ذوات الدخل المحدود من مقصف المدرسة (سميرة هدى نورة).

@ تعديل درجة الطالبة ليلى.

@ تسليم أسئلة اختبار نهاية الفصل الأول.

@ الجلوس مع الطالبة ريم ومحاولة تعديل سلوكها مع معلماتها. كانت (أمل) تقوم بالتدريس بالإضافة إلى الإرشاد والتوجيه في المدرسة، فكثير من الطالبات يلجأن إليها من أجل مساعدتهن في حل مشكلاتهن، فكانت لا تجد الوقت الكافي مما يضطرها بعض الأحيان أن تقوم بالتحضير وهي في الطريق. هاتفت المنزل لتطمئن على أولادها الأربعة ردّت عليها الخادمة (أنهم نائمون) سألتها : (وطارق ؟) أجابت بلغةٍ عربيةٍ ركيكة : (لقد نام قبل قليل بعد أن بكى كثيراً) أغلقت هاتفها المحمول تمنت لو أنّها لم تسألها عنه. أحسّت بقلبها يتمزّق وهي تستعيد ملامح وجهه حين وقف أمام باب المنزل ليتأكد من وقت عودتها. كانت صورته تُلاحقها وتأبى مُفارقتها. (ليتني أستطيع ترك وظيفتي! ليتني أعود إلى منزلي وأطفالي!) وارتسمت أمامها وجوه طالباتها وهن يسألنها ويستشرنها في أمورهن الخاصة. كم من فتاةٍ كانت سبباً بعد الله سبحانه وتعالى في تعديل سلوكها! ماذا عساها تفعل ؟! هذه هي السنة الرابعة التي تتقدّم بها لطلب النقل إلى الرياض ولم تأتِ الموافقة بعد. عزمت في نفسها على الاستقالة فيما لو لم يظهر اسمها هذا العام.. وليكُن ما يكُن! لقد تعبت وملّت الطريق، لقد قلّ عطاؤها في الآونة الأخيرة بسبب هذا التشتت! ولا تعلم لماذا لا تزال صورة صغيرها عالقة في ذاكرتها وهو يحمل الساعة بيديه وفي عينيه تساؤل وتوسل لتبقى معه، وصور مُتلاحقة لطالباتها تبدو كظلالٍ باهتة تحجبها سُحب من الدخان الكثيف.

بدأت السيارة تهتز وتتمايل .. (يا إلهي.. ما الذي يحدث!) سمعت صوت السائق مذعوراً وهو يصيح : (بسم الله.. بسم الله..) أخذت السيارة تتقلب يُمنةً ويُسرة وكأنها لُعبة صغيرة بين يدي طفل يعبث بها! وزميلاتها يصرخن ويستنجدن .. للحظاتٍ خُيّل إليها أنّها في حلمٍ مزعج بل كابوس مؤلم! صورة ابنها.. طالباتها.. مديرتها.. ورقة النقل الأخيرة! صراخ.. وصياح ثم هدوء.. في غرفةٍ صغيرة منزوية في نهاية ممر المستشفى كانت تتمدّد على السرير الأبيض. شيء ما ينغرس في يدها، تُحس بنبضات قلبها بطيئة .. الدوار من جديد يلفها.. اقتربت منها أصوات تعرفها وتحبها.. حرّكت يدها هتفت بصوتٍ واهنٍ ضعيف (حمداً لله).. لا تزال تشعر بجسدها. فتحتء عيناها ببطء، وقع نظرها عليهم أولادها الأربعة وأبوهم يقفون بجانبها. ارتمى (طارق) على صدرها وهو يُغالب دموعه:

- لقد كذبتِ عليّ قلتِ أنكِ ستعودين عند الثانية ولكنكِ لم تعودي! نظرتء إلى زوجها وفي عينيها تلتمع أسئلة تخشى البوح بها. ربت زوجها على كتفها وهز رأسه بهدوء:

- اطمئني لم يمُت أحد إصابات بسيطة وكسر في فخذ السائق حمداً لله. تنهدت وأغمضت عينيها وهي تتمتم:

- (حمداً لله.. حمداً لله..) ثم أردفت بصوتٍ مُتحشرج:

(اسمعني جيداً ستكون هذه ورقة النقل الأخيرة إذا لم أُنقل نهاية هذه السنة فسوف استقيل!).


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى أدب الجمعة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية