بحث



الجمعه 2 المحرم 1429هـ( أم القرى )- 11 يناير 2008م - العدد 14445

عودة الى الأنظمة والمحاماة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


المتضرر من الجرائم له حق خاص بالمطالبة بالعقاب

محمد بن عبدالعزيز المحمود
    تطالعنا صحيفة "الرياض" بين الفينة والأخرى بنشر أخبار الأحكام الجزائية الصادرة بحق الجناة الذين اقترفوا جناياتٍ متفاوتة .. فهذا تم الحكم عليه بسجن عشر سنوات، وذاك بجلد خمسمائة جلدة، ومجموعة أخرى بالسجن مدداً متفاوتة .. إلى غير ذلك من تلك الأحكام التعزيرية التي يصدرها القضاة بعد تقديم الادعاء العام فيها ...

وبغض النظر عن مدى مناسبة هذا الحكم للجرم الصادر من المتهم، إلا أننا لا نعلم هل صدر هذا الحكم للحق الخاص أو للحق العام ؟.

إذ يغلُب في الأحكام الصادرة بمثل هذه الجرائم أن تكون مجملة لم يُبيّن فيها الحق الخاص من الحق العام .

ومعلومٌ أن مثل هذه الجرائم تُلحق ضرراً بالغاً على المجنى عليه، وعلى ذويه، وأوليائه ؛ إذ قد تتحطم حياته بمثل هذه الاعتداءات، ويتضرر نفسياً ومعنوياً أضعاف الضرر المادي .

ولقد صانت الشريعة الإسلامية السمحة حقوق الأفراد في الجرائم التي تقع اعتداءً أو عدواناً على حق خاص، وذلك بتوقيع العقاب على مرتكب تلك الجرائم الذي يظل حكمياً حتى صدور حكم بات ليصبح بعدها واجب الاقتضاء، ولهذا فليس لصاحب الحق الخاص استيفاء العقاب على مَنء اعتدى على حقه حتى ولو رضي المعتدي بتنفيذ تلك العقوبة بعد اعترافه بارتكاب ذلك الجرم، بل إن الواجب عليه أن يسعى لاستصدار حكم قضائي يكفل له هذا الحق ويؤكده، وبهذا يتحول حق الفرد في عقاب مرتكب الجريمة من حق مجرد إلى حق محسوس، مما يترتب عليه صيانة المصلحة العامة التي تتمثل في حماية مرتكب الجريمة من أن يعتدي عليه وعلى أمواله ومصالحه .

وبذلك يتميز حق الفرد في العقاب بأنه حق قضائي، لا يمكن أن يستوفى إلا بحكم قضائي، حيث يعد مبدأ "قضائية العقوبة" من المبادئ الأساسية المقررة في الشريعة الإسلامية، أي أنه لا عقوبة بدون حكم قضائي، وبما أن لكل جريمة عقوبة فإن الجريمة التي تقع على حق العبد لا سبيل إلى توقيع العقاب المقرر شرعاً أو نظاماً على مرتكبها إلا عن طريق رفع الدعوى الجنائية الخاصة أمام القضاء الذي لا يتحرك من تلقاء نفسه، وإنما تحركه إقامة تلك الدعوى وصولاً إلى حكم قضائي يثبت الحق أو ينفيه .

وفي المملكة لا تبرز مشكلة خيار المدعي بالحق الخاص، بأن يسلك أحد الطريقين الجنائي أو المدني في القضايا الجنائية التي يستتبعها تحقق الضرر ؛ لأن التنظيم القضائي في المملكة يقوم على أساس توحيد القضاء في يد القضاء الشرعي المخول سلطة الفصل في الدعاوي الجنائية ودعاوي الحق الخاص، سواء كانت تمثل دعوى بذاتها أو ما يستتبع جريمة معينة، وهذا مضمون تعميم وزارة الداخلية وكذلك تعميم رئيس مجلس القضاة الذي ينص على أن : "قاضي الحق الخاص يحكم في دعوى الحق العام " .

كما أن المادة السادسة والعشرين من نظام القضاء تنص على أن "المحاكم الشرعية هي صاحبة الولاية العامة بالفصل في كافة المنازعات والخصومات والجرائم عامة كانت أم خاصة، إلا ما استثني منها بنظام " . كاختصاصات ديوان المظالم، وغيره من اللجان الكثيرة ذات الاختصاص شبه القضائي .

ولقد عالج نظام الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم الملكي رقم م / 39وتاريخ 1422/7/28ه موضوع مَنء لحق به ضرر من جراء الجريمة في الدعوى الجزائية، حيث نص على أنه : (لمن لحقه ضرر من الجريمة ولوارثه من بعده، أن يطالب بحقه الخاص، مهما بلغ مقداره أمام المحكمة المنظور أمامها الدعوى الجزائية في أي حالٍ كانت عليها الدعوى، حتى لو لم يُقبل طلبه أثناء التحقيق ) .

مع ملاحظة أن المضرور في الدعوى الجزائية قد يكون هو نفس المجنى عليه أو غيره، كأن تحدث محاولة سرقة لمنزلٍ مستأجر ويرافق ذلك تكسير للأبواب أو الجدران، ففي هذه الحالة يكون المضرور هو مالك الدار، وقد يكون المجنى عليه غير مضرور .

ولرفع دعوى الحق الخاص أمام المحكمة الجزائية شروطٌ هي :

- 1أن يكون أمام محكمة مختصة .

- 2أن يكون لطلب تعويض ناشئ عن جريمة، والتعويض ناتج عن هذا الضرر .

وتتفق الدعوى الجزائية والإدعاء بالحق الخاص في أصل واحد هو الجريمة، وتختلفان في السبب، والأطراف، والموضوع ؛ إذ إن سبب الدعوى الجزائية هو الاضطراب الذي وقع في المجتمع نتيجة مخالفة الشرع أو النظام، أما السبب في الإدعاء بالحق الخاص فهو الضرر الناتج عن هذا الخروج .

أما أطراف الدعوى الجزائية فهما الإدعاء العام الذي يمثل المجتمع و المتهم، في حين أن أطراف الإدعاء بالحق الخاص فهم المضرور من الجريمة، والمتهم، والمسئول عن الحقوق المدنية .

أما موضوع الدعوى الجزائية فهي تطالب بإيقاع العقوبة كرد الفعل الاجتماعي على الاضطراب الذي سببته الجريمة، أما الإدعاء بالحق الخاص فموضوعه تعويض مَنء لحقه ضرر من الجريمة .

وأغلب المدعين بالحق الخاص - على حد علمي - يعتقدون أن مطالبتهم بالحق الخاص قاصرة على طلب التعويض فقط، وهذا غير صحيح ؛ بل لهم المطالبة بالعقاب كحق جزائي .

والنص على كون العقوبة للحق للخاص فيه فوائد لا تخفى ؛ إذ به يحصل التشفي، وتطمئن به نفس المجنى عليه، وأيضاً ليس لأحد التدخل في إسقاط العقاب على الجاني إذا كان حقاً خاصاً، بخلاف إذا لم ينص القاضي على كون تلك العقوبة للحق الخاص، أو للحق الخاص والعام معاً ؛ فقد يشمله العفو من ولي الأمر ؛ إذ معلومٌ أن لولي الأمر العفو على العقوبات التعزيرية التي تكون للحق العام، بخلاف العقوبات التي للحق الخاص فليس لأحد كائناً منء كان التنازل عنها أو إسقاطها إلا برضا المدعي بالحق الخاص، وتنازله عن حقه بطوعه واختياره .

ولذا فإني أتمنى من كل متضرر من الجرائم أن يعلم أنه له حقاً خاصاً مستقلاً عن الحق العام، وأن له المطالبة بالعقاب كحق جزائي أمام المحكمة المختصة، وأنه ليس لأحد التدخل في العفو عن الجاني إذا كانت العقوبة صادرة للحق الخاص .

نسأل الله عز وجل أن يحمي بلادنا ومجتمعنا من كل سوء، وأن يوفق قضاتنا لتطبيق شرع الله تعالى في المفسدين في الأرض، المحاربين لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، الساعين في الأرض فساداً ..

*باحث قانوني

moc.hdayirla@doomhamm

4 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


وفقك الله أيها القانوني/ محمد المحمود
مقالك هذا اليوم غاية في الروعة والفائدة..
كثير من أهل المجني عليهم في قضايا الاختطاف فقط يتقدمون للشرطة ببلاغ أولي ثم لا يتابعون مواضيعهم
يقولون أن الدولة هي التي تتكفل بعقاب الجاني
ولا يدرون أن الدولة فقط تطالب بحقها فقط
أما الحق الخاص فلا بد من مطالبة المعتدي عليه شخصيا او بوكالة
فعلا مقال اليوم هام جدا مع كثرة الجرائم
لكن سؤالي أستاذي القانوني الفاضل
من يقيم المتضرر دعوى الحق الخاص هل يضمها بالدعوى العامة ؟.


علي الحماد
ابلاغ
09:51 صباحاً 2008/01/11

 


أخي أبو عبدالعزيز لا اعلم بماذا اصف هذا المقال الرائع ولكن ما استطيع قوله لك انك فعلاً اوضحت اموراً لم اكن اعلمها مثل مطالبة المجني عليه بحقه الخاص وجزاك الله خيراً واسعدك بجنات النعيم..
ولكن لدي اخي محمد سوال وهو / عند تصديق الجاني على اعترفاته بجريمته هل يخرج حتى يصدر بحقه الحكم من قبل المحكمة او ما النظام المتبع ؟؟


أبو طلال _ رياض الخبراء
ابلاغ
01:34 مساءً 2008/01/11

 


والله الصراحة الموضوع مرة مهم واستفدت منه فائدة كبيرة أنا قبل اربع شهور انسرق بيتي بالرياض والحرامية مسكوهم والحمد لله لكن انا ما طالبت بحق الخاص مع انهم سرقوا من البيت ذهب واغراض فكرت ان الدولة هي اللي تأخذ حقي لكن بعد قراءتي اليوم للمقال الرائع من القانوني محمد بن عبد العزيز المحمود فكرت اتقدم بدعواي ضدهم لكن السؤال وين اقدمها فيه ؟ هل نفس الشرطة اللي بلغتهم عن سرقة البيت ام المحكمة التي انحكم فيها الحرامية ؟ نتمنى التفصيل أكثر في هذا الموضوع المهم


علي
ابلاغ
07:27 مساءً 2008/01/11

 


لو لم يكن في المقال إلا هذا المقطع لكفى..
(( والنص على كون العقوبة للحق للخاص فيه فوائد لا تخفى ؛ إذ به يحصل التشفي، وتطمئن به نفس المجنى عليه، وأيضاً ليس لأحد التدخل في إسقاط العقاب على الجاني إذا كان حقاً خاصاً، بخلاف إذا لم ينص القاضي على كون تلك العقوبة للحق الخاص، أو للحق الخاص والعام معاً ؛ فقد يشمله العفو من ولي الأمر ؛ ))
فلله در هذا الكاتب..


محمد العبد الله التويجري
ابلاغ
10:39 مساءً 2008/01/11


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الأنظمة والمحاماة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية