الحوار مطلب إنساني جمعي قبل أن يكون مطلباً فردياً.. فالحوار هو السبيل الوحيد إلى الاستقرار الكوني، والأمن البشري، الذي يفترض أن يسود فوق كوكبنا، كي يخلو ولو في بعض أوقاته من القتل، والإبادة والجور.
إذاً الحوار ضرورة حتمية يمليها جوهر العقل كما تمليها ضرورة الحياة نفسها، وليس لوناً من ألوان الاستعراض اللفظي. وكماليات ادعاء العيش بسلام، بيد أن الحوار له شروطه وله قواعده، وله أصوله وأنظمته، والتي يجب أن تكون قاعدة يقوم عليها، أي أن يكون حواراً مؤسساً.. أما إذا افتقدت هذه الشروط، فإن الحوار يصبح لغواً ونوعاً من أنواع العبث، أو نوعاً من أنواع المداهنة والرياء الإعلامي والاستهلاك الزمني.
فكثيرون يدعون إلى الحوار عبر وسائل الإعلام، وهم لا يحترمون قواعده، ولا يريدون أن يطبقوا أبسط نظمه، وطرحهم للحوار إنما هو نوع من أنواع الحيلة والمداهنة من أجل إقامة الحجة عليك، ليقولوا إننا ندعوك ونفتح قلوبنا لك، ولكنهم في الواقع عندما يأتي الجد لا يمتثلون لتلك الضوابط، والحقوق المشروعة، فتصبح الدعوى باطلة، ومضللة، وفيها الكثير من الكيد، والخبث، والنفاق السياسي أو الفكري أكثر مما فيها من الجد، والفلسفة الحوارية الإنسانية الصادقة..
وسوف أحاول أن ألقي الضوء على بعض النقاط المهمة حول إمكانية الحوار مع الغرب مثلاً، وهو مطلب مطروح بقوة ويظهر فيها الغرب وكأنه يتهمنا نحن بالرفض، وعدم الاستعداد للدخول معه في حوار خلاق، وبناء، يجعل التعايش معه ممكناً، ووفقاً لهذا الادعاء اتجه كثير من وسائل الإعلام، بل والمؤسسات، وبعض الحكومات، إلى التشديد على مبدأ الحوار من جانبنا، وأنه أصبح ضرورة تمليها علينا شروط التعايش، وهذا الملمح، أو المؤشر، يوحي إن لم أقل يجهر باتهامنا نحن بعدم الاستجابة لمبدأ الحوار، وقصورنا وتقصيرنا في هذه الناحية. ولكي لا نقع في مأزق تفنيد هذا الزعم، أو قبول صحته، دعوني أسأل سؤالاً علمياً محايداً: هل يقبل الغرب الحوار معنا بكل شروط الحوار ومبادئه ومن ثم نتائجه...؟ بمعنى أوضح لو دخلنا في حوار مع الغرب، واتضح قصورنا في جانب، وإقامة الحجة علينا، ثم قبلناها واعترفنا بخطئنا تجاهه.. هل سيقبل لو افترضنا أن الحجة قامت عليه بخطئه..؟ هل سيقبل ومن ثم يعترف بنتائج هذا الحوار ويتخلى عن خطئه إذا اتضح ذلك من خلال الحوار..؟
انه سؤال منهجي وأخلاقي، وملح وضروري، وإجابته هي التي تحدد جدوى الحوار من عدمه، وهذا السؤال تتوالد عنه أسئلة تاريخية من خلالها تتكشف الإجابة عن صدق النوايا والجدية في جدوى الحوار.
ولو سألنا سؤالاً تاريخياً اضطرارياً بالنسبة لنا عن سبب هذا الواقع الذي نعيشه، في التعامل مع الغرب، وسألنا هل الغرب منذ نظرته الأولى بعد أن صارت له اليوم شخصيته المهيمنة هل كان ينظر إلينا باحترام وتقدير..؟ أي هل كان يعتبرنا أصحاب حق في ما نملك، وفوق أرضنا التي عليها تكوّنا، وتكوّن تاريخنا، ومنها وفيها مصير عيشنا وبقائنا؟ أم أن الغرب نظر إلينا نظرة نقص، وعداء، واتجه بكل قوته إلى ضرب مناطقنا والاستيلاء على خيراتها، ومواقعها الجغرافية، التي تعتبر حساسة لمشاريعه التنافسية، والاستعمارية.. وبقول أوضح: ألم يستعمر الغرب أراضينا بالقوة، ويقتل المقاومين، ويشن الحروب العنيفة علينا، وعلى مناطقنا، ابتداء من القرن الثامن عشر وإلى هذه اللحظة..؟ هل ترك الغرب منطقة واحدة في بلادنا لم يجرب فوقها عتاده الحربي..؟ ألم يقتل خلال هذه الفترة قرابة عشرة ملايين عربي.. غير المشردين، والمنكوبين، والمشوهين، وغير وسائل تدمير الأراضي، والمزارع والنفوس.. وغير إشعال الفتن على الحدود وتمزيق الدولة الواحدة..؟ مع انه عندما أخرج من بعض بلداننا بالقوة كالجزائر مثلاً لم تشكل لمواطنيه محاكم تفتيش.
ألم يخطط الغرب ولا يزال يخطط لتقطيع أوصال الوطن العربي وتحويله إلى دويلات، قد لا تتعدى حدود المدن، كسايكس - بيكو مثلاً، وهو يعلن اليوم وفي مناسبات كثيرة عن تغيير خارطة المنطقة العربية..؟.