الرئيسية > الأخــيــرة

حول العالم

لغز الإسمنت القديم


فهد عامر الأحمدي

في عام 1999دخلتُ مبنى البانثيوم في روما فلم أستطع إعادة رقبتي لوضعها الطبيعي لعدة أيام .. أما السبب فهو جمال وضخامة "القبة" التي حتمت علي النظر للأعلى لفترة طويلة ( بحيث أصبت بتصلب عضلي أجبرني على المشي مرفوع الرأس حتى موعد السفر) ....

والبانثيوم أيها السادة معبد روماني قديم لا يقل عمره عن 2000عام . وهو عبارة عن مبنى دائري مهيب تعلوه قبة ضخمة تتوسطها "فتحة" يدخل منها ضوء الشمس . ومايثير الإعجاب في هذا المبني أنه :

(أولا) مصنوع من الخرسانة المسلحة (وثانيا) أن قبته تمتد على مساحة كبيرة فتبدو كأنها معلقة في الهواء (وثالثا) أنه مايزال على حاله رغم أنه بني قبل الهجرة النبوية ب 600عام (تصور!!؟)

وبقاء هذا المبنى الى اليوم - ليس فقط - دليلاً على أن الإسمنت اختراع قديم، بل وأن الأقدمين كانوا يجيدون صنعه بطريقة أفضل مما نفعله اليوم (حيث لا تدوم لدينا العمائر اليوم لأكثر من خمسين أو ستين عاما) ..

وما يثير الدهشة أكثر أن تركيبة الإسمنت عرفت قبل ذلك لدى الإغريق والفراعنة .. وليس أدل على هذا من أن كلمة "إسمنت" تعود بجذورها الى كلمة إغريقية قديمة تعني "الصخر المتجمد" وحقيقة أن معابد أبو سنبل المصرية - الموجودة حالياً - صبت من مادة إسمنتية غامضة!!

ورغم أن وصفة الإسمنت المصرية ضاعت (كما ضاعت قبلها الوصفة الإغريقية) إلا أن الرومان أعادوا اكتشافها مجددا وأبدعوا باستعمالها فعلا .. وبعد انهيار الإمبراطورية الرومانية ضاعت (للمرة الثالثة) حتى أعيد اكتشافها على يد المهندس البريطاني جون سمتون عام 1756!!

ورغم أن وصفة أو خلطة الإسمنت ليست صعبة بحد ذاتها (حيث توجد صخور إسمنتية تكونت بصورة طبيعية منذ آلاف السنين) إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في معرفة المقادير والنسب التي حافظت على صلابة المباني القديمة حتى الآن .. ورغم أن الفراعنة والرومان لم يستعملوا الوصلات الحديدية لتقوية المادة الخرسانية (كما نفعل نحن الآن) إلا أن الأعمدة والمباني التي صنعوها ماتزال قوية وباقية حتى اليوم.. وكان المهندس الأوكراني فيكتور جليكوفسكي قد أعلن عام 1957أن الإسمنت الروماني يضم نسباً مرتفعة من المواد القلوية والعضوية الحيوانية / ثم عاد وأعلن أن هذه المواد العضوية مجرد "دماء" أضيفت على خلطة الخرسانة في مراحلها الأخيرة . ورغم أن فكرة جليكوفسكي طبقت في أوكرانيا (حيث تشتري شركات المقاولات دماء الحيوانات من المسالخ) إلا أنها لم تلق قبولا كبيرا في بقية العالم ..

ورغم أننا اليوم نمتلك "خلطات" متعددة للإسمنت (تناسب طبيعة المبنى، وظروف الموقع، وطقس المنطقة) ولكن ما من أحد يجزم بطبيعة الوصفة القديمة .. وما يصعب من مهمة اكتشاف هذه "الوصفة" أن عامل الزمن ساهم في تحويل المباني الفرعونية والرومانية القديمة إلى ما يشبه بنية الصخر الطبيعي . وهذا التحول البطيء دعا المهندس الفرنسي جوزيف ديفيدوفتس للخروج بفرضية غريبة ما تزال محل جدل حتى اليوم .. فقد افترض أن أهرامات مصر لم تبن باستعمال مكعبات الصخور الضخمة (التي يتجاوز وزنها طنين) بل باستعمال قوالب إسمنتية صبت في موقع البناء نفسه .. وهذه الفرضية (التي طرحها عام 1971) قد تفسر ألغازاً معمارية قديمة مثل الزوايا الحادة والمتقنة لحجارة الأهرام، والانحناءات اللطيفة للقناطر الرومانية، وكيفية رفع العوارض الصخرية الثقيلة (والمكونة من قطعة واحدة) فوق معابد بعلبك والقسطنطينية وروما القديمة!!

... ما يهمني فعلا هو عدم الانتظار لألفي عام أخرى للتأكد من جودة "الخلطات" المستعملة في بيوتنا هذه الأيام!!

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 26

  • 1
    بناء الاهرامات فعلا يثير الاستغراب.فكيف تم نقل مليونين صخرة بوزن طنين لكل منها (أو حتى صبها)! بل انه يوجد سقف ضخم جدا في وسط هرم خوفو هو في حقيقته صخرة ضخمة جدا تم وضعها فوق مدفن الملك مباشرة...فكيف تم نقلها!!
    شيء ما غريب في تلك الحضارات القديمة
    شكرا يابو حسام..فأنت مصدر معلوماتنا المفضل وإلى الأمام.

    نايف - الكويت - زائر

    04:33 صباحاً 2008/01/10


  • 2
    صباح الخير يا استاذ فهد..
    لا ازيد على كلام اخوي نايف.. انا اكثر شي يبهرني هي الهندسة
    الفرعونية كيف تدخل الشمس من فتحة الاهرام في تاريخ مولدة
    وتاريخ اخر اعتقد انة وفاتة ,, حتى مهندسي اليوم لايستيطعون ان يفعلو
    ذات الشي..
    رغم تطور العلم لدينا اليوم.. الا ان قديمك هو نديمك كما قيل..

    مشعل - زائر

    05:05 صباحاً 2008/01/10


  • 3
    صباح الخير استاذي
    ولا تنسى سد ذي القرنين والقطر الذي أفرغه واستخدامه للطين المحروق.
    استمر مبدعاً

    أبو زايد - زائر

    05:58 صباحاً 2008/01/10


  • 4
    صباح الخير استاذ فهد
    رغم ماوصلت إليه البشرية من تطور حضاري في جميع المجالات إلا أنني مازلت اعتبر بأن القدماء مبدعون مبدعون مبدعون إلى أبعد الحدود, فبإمكانات تعتبر حالياً بدائية وبسيطة استطاعوا تشييد حضارات مازال إرثها التاريخي يحيجنا للوقوف أمامه بخشوع وصمت متأملين فيه, وحتى الآن لن نستطع بما نملك من وسائل من الوصول لربع ماأنجزوه

    الرامي - زائر

    06:15 صباحاً 2008/01/10


  • 5
    السلام عليكم
    لو قرأنا وتمعنا في تفسير القرآن الكريم لوجدنا ان الله سبحانه وتعالى قال ان فرعون طلب من هامان ان يوقد له على الطين اي ان الاهرامات مبنية من الطين وليس الصخر اي ان الفراعنة كان تعجن الطين ثم تحرقه حتى يصبح بقوة الصخر كذلك لايمكن ان يكون الصخر في النحت والتشكيل بدقة تشكيل ونحت الطين ولوذهبنا الى مدائن صالح بالعلا لوجدنا فيها من جمال ودقة النحت ما يحير النظر ونقول ان الله سبحانه وتعالى قد الان لهم الحجر حتى يستطيعو تشكيله ثم يجف مرة اخرى ويكون صخرا
    لكم مني جزيل الشكر

    محمد - زائر

    06:18 صباحاً 2008/01/10


  • 6
    ما يهمني فعلا هو عدم الانتظار لألفي عام أخرى للتأكد من جودة "الخلطات" المستعملة في بيوتنا هذه الأيام!!000000000000000
    ياخى فهد احنا بعصر السرعه الله يهديك يعنى حتى عمارتنا وبناء يشهد هذا العصر كلها اربعين او ثلاثين سنه وينهار بنائنا لانه قديم ونحن قوم متجددون نؤيد عصر السرعه ولايهمنا التاريخ والحضاره 00
    لذالك نسينا ماضينا واسلامنا السنا بعصر السرعه؟

    شموخ نجد - زائر

    06:48 صباحاً 2008/01/10


  • 7
    معلومات جميلة وشكرآ لك كاتبنا العزيز
    بالنسبة لوقوف المعبد 2000 عام في وجه الزمن وجودة الإنتاج أتوقع أن السبب الرئيسي هو انه تم بناؤه بأيد سكان المنطقة وليس العمالة الوافدة لإنه المثل يقول :"ماحك جلدك مثل ظفرك"

    نجلاء - الرياض - زائر

    06:56 صباحاً 2008/01/10


  • 8
    (في عام 1999دخلت." مبنى البانثيوم في روما".)
    اتمنى يا ابو حسام انك تدعم بعض مقالاتك بالصور حتى لو كانت صغيرة بس عشان نكون في الصورة الصحيحة.

    ابو كريم - زائر

    06:57 صباحاً 2008/01/10


  • 9
    معلومات مفيدة تشكر عليها..

    علاء - زائر

    07:51 صباحاً 2008/01/10


  • 10
    فعلا شيء عجيب
    وكاتب مبدع
    وشكرا

    امل من حائل - زائر

    08:01 صباحاً 2008/01/10


  • 11
    سبحان الله وفوق كل ذي علم عليم

    ساره بنت عبدالعزيز - زائر

    08:26 صباحاً 2008/01/10


  • 12
    إذاكان الفراعنةيستعينون بالسحروالسحرةيستعينون بالشياطين والشياطين كانت لهم قوةفلماذالايساعدون بالبناء!!

    ولد نعمةمهوب نعمات - زائر

    08:37 صباحاً 2008/01/10


  • 13
    بسم الله الرحمن الرحيم
    أخي الكريم الأستاذ / فهد عامر الأحمدي
    صبحك الله بالخير... فكرتني بأغنية لأم كلثوم تقول فيها:" شوف أثار أجيال. ملوا الدنيا حضارة وإبتكار. علموا قلب الحجر يوصف معارك الإنتصار. علموه يبقى سفير الدهر ليهم بالفخار. كان نهار الدنيا مطلعش. وهنا عز النهار "
    مقلك اليوم ممتاز كالعادة. كل عام وأنتم والشعب السعودي الكريم والأمتين العربية والإسلامية بخير. نرجو الله أن يكون عام رخاء. تحياتي لكم. وللعاملين بجريدتنا العزيزة الرياض.
    أخوكم / محمود فهمي / القاهرة
    ء

    محمود فهمي - زائر

    08:55 صباحاً 2008/01/10


  • 14
    صباح الخير
    (لو كان اللي كاتب الموضوع احد غيرك)
    صدقني ماقرأته
    لكن لأيماني الشديد بما تكتبه
    اصبحت انتظر مقالاتك بدون النظر الى موضوعها
    لاني اعرف ان ماتكتبه جميل يصعب علي نقده او التشكيك فيه
    الله يحفظك لأهلك و للجريدة ولنا بعد

    saud - زائر

    10:15 صباحاً 2008/01/10


  • 15
    ( بحيث أصبت بتصلب عضلي أجبرني على المشي مرفوع الرأس حتى موعد السفر).
    و نحن أيضا نطالبك بأن تمشي مرفوع الرأس دائما و إن استطعنا أجبرناك
    دمت بحب يا مفخرة الكتاب

    فيصل محمد - زائر

    10:20 صباحاً 2008/01/10


  • 16
    احب ان اشكر الاستاذ فهد.
    ولكن اعتقد بان القدمااء كان يهتمو بجودة الماده التي تصنع
    ولكن مصانع الايام هذي لا تريد لصناعتها الاستمرار وإلا سوفا تخسر
    لان نسبة الطلب سوف تقل والافضل لهاا بان صناعتها تتلف حتى
    تطلب من جديد وتستمر الشركه في الربح والعطاء
    اشكركم

    صياد القلوب - زائر

    10:22 صباحاً 2008/01/10


  • 17
    رائ يا أستاذ
    ولكني أعتقد أن الإبهار ليس بالمباني القديمه ولكن بالطرق المتبعه , ببالإمكان بناء أهرامات فالوقت الحالي كأهرامات الجيزه.
    أنا أعتقد إن من الأسباب التي أدت إلى طول عمر هذه المباني هو إنظمامها للبيئه وأصبحة جزء من المعالم البيئيه
    وشكرا

    mohamad shamery - زائر

    10:28 صباحاً 2008/01/10


  • 18
    زين خرجت مرفوع الرأس لأن الإهرامات وغيرها تضطر الداخل مع المداخل أن ينحني تقديرا لساكن المبنى والعياذ بلله

    صاد - زائر

    11:00 صباحاً 2008/01/10


  • 19
    حياك الله.أبو حسام
    جميل المقال اليوم وأ كتيشافات مروعة دراسة مفيدة جدآجدآ هايلة..
    الله يعطيك العافية
    ولك خالص.تحياتى وتقديرى/ صلاح السعدى.

    صلاح السعدى محمود - زائر

    11:28 صباحاً 2008/01/10


  • 20
    لو نظرت في جميع مباني ذلك الزمان لرأيت أن (الإسمنت) المستخدم في المعابد كان للخاصة وليس للجميع. مما يوحي أنه كان مرتفع التكلفة لهم. وذلك ينطبق تقريباً على ما نحن فيه (إسمنتنا تجاري) يوصلك إلى 50 سنه قادمة, مما يتناسب مع أحداث العصر من إزالة و إستبدال. ولكن شدي إلى مقالك البحث عن البديل, حيث بدأ (الإسمنت التجاري) مع الحديد يعود للخاصة ويحرم منه العامة. حتى أني أسأل نفسي إحيانا هل سأتي يوم نرى فها بيوت الطين من جديد؟

    عادل الصقر - زائر

    11:51 صباحاً 2008/01/10


  • عرض جميع التعليقات

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة