بحث



الخميس 1 المحرم 1429هـ( أم القرى )- 10 يناير 2008م - العدد 14444

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


عندما يستيقظ سهيل إدريس من غيبوبته ويسأل: هل مازالت "الآداب" تصدر؟

بيروت - جهاد فاضل:
    يستيقظ الدكتور سهيل إدريس، صاحب مجلة الآداب، بين وقت وآخر، من غيبوبة يغرق فيها أياماً يسأل زوجته عائدة، سكرتيرة تحرير "الآداب" منذ عام 1951إلى اليوم، عما إذا كانت الآداب لا تزال تصدر، أم أنها توقفت.

فإذا أجابته بالإيجاب، طلب منها أن تُقسم بأن إجابتها صحيحة. فإذا أقسمت طلب منها أن تبلغ ابنهما سماح، رئيس تحرير المجلة حالياً، رغبته القاطعة باستمرار "الآداب" في الصدور، ولو كانت لا ترد خسارتها، ولو كانت الأسرة تُنفق عليها من مالها الخاص بدون تحقيق أي عائد. فإذا اطمأن إلى ذلك عاد وغرق من جديد في غيبوبة ثانية قد يعود منها يسأل السؤال نفسه، وقد لا يعود يسأل أي سؤال على الاطلاق، نظراً لوضعه الصحي الحرج..

مضى على صاحب الآداب، وهو في حالته الصحية هذه، سنتان أو أكثر قليلاً. في البداية أمضى في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت عدة أشهر وهو يُعالج من عدة مشاكل صحية، منها غسيل الكلى الذي يخضع له في مواعيد أسبوعية محددة، طرقتُ باب غرفته في المستشفى، أو حاولت الدخول مرة على مهل، وبدون ضجة، ولكن لأسمع صوتاً، أو أنيناً، يقطع نياط القلوب. استدرتُ على الفور أو الخارج كي لا يراني، وكي لا أسمع الصوت أو الأنين الموجع الحزين الباكي. ولحقت بي زوجته لتروي لي جوانب من محنته الصحية التي تتدهور على الدوام، ولا علاج شافياً لها. بعد ذلك نُقل الدكتور سهيل إدريس إلى منزله، نظراً لانقطاع الأمل في أي تحسن يمكن أن يطرأ، وكي يمضي أيامه الأخيرة على فراشه.

وتقول زوجته عائدة إن صحته تشهد في بعض الأحيان تحسناً طفيفاً بحيث يمكن نقله من فراشه إلى كرسي في غرفة نومه، أو إلى الصالون، ولكن بصعوبة شديدة. وقالت إنه يتفوه أحياناً بكلمات يسيرة تدل على أن عقله ما يزال يعمل. ولكنه منقطع تماماً عن القراءة والكتابة، ولا يستقبل أحداً على الاطلاق سوى الأطباء والممرضات وأفراد الأسرة. وعندما أبلغتها رغبتي بأن أراه ولو لدقائق وبيني وبينه مودة متينة، فهمت بأن هذه الرغبة غير قابلة للتحقيق، لأنها قد تسبب له آلاماً نفسية تزيد من تفاقم وضعه. وقد مرت أوقات صعبة كثيرة عليه وصلت أخبارها إلى الصحف اللبنانية، فاستعدت هذه الصحف لاعلان الخبر المؤسف، إذا وقع، في مثل الطلب إلى الأدباء والشعراء أن يكتبوا كلمات عاجلة عن سيرة صاحب الآداب ودوره في الحركة الأدبية الجديدة..

يرمز سهيل إدريس صاحب مجلة الآداب إلى حقبة تاريخية خلالها عرف العرب نهضة وطنية، كما عرف الأدب والشعر والنقد وسائر فنون الثقافة نهضة عارمة أيضاً. وحتى عندما كان طالباً في السوربون، يتابع دراساته العليا في الأدب وينال شهادة الدكتوراه، صدرت له أكثر من مجموعة قصصية أو قصيدة، شارك في كتابة المقالات الأدبية في بعض الصحف والمجلات الأدبية وغير الأدبية. كان ذلك في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات في القرن الماضي، أي في الفترة التي اتسع فيها المد القومي العربي في المشرق العربي، وفي مصر وسائر أنحاء الوطن العربي. وعندما صدرت "الآداب كانت لسان حال هذا النهوض القومي والأدبي، وقد احتضنت صفحات "الآداب" كل الأسماء المعروفة التي تكرست فيما بعد مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبدالوهاب البياتي وصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي وأمل دنقل ومحمد الفيتوري وخليل حاوي ورجاء النقاش وانور المعداوي ومحمد النويهي واحسان عباس ورئيف خوري وعمر أبوريشة ونزار قباني. وكان في المجلة باب دائم اسمه "قرأت العدد الماضي من الآداب" يكتب فيه نخبة من النقاد الكبار، مخصصا لمراجعة مواد العدد السابق. وكان لهذا الباب أثره في إضفاء الحيوية على المجلة، وفي اشتعال الكثير من معارك النقد.

ولعل من أهم ما حملته "الآداب" مبدأها في "الالتزام" وقد شاع هذا المبدأ أيما شيوع في تلك الفترة وانقسم الأدباء بصدده، منهم من يؤيده ومنهم من يعارضه. وقد كان التزام "الآداب" واضحاً في كل ما يتعلق بقيم وثوابت الأمة العربية. فهي مجلة ادبية وعروبية لها أهداف تعمل لها وتحمل على كل من يخالفها.

وقد خاضت معارك بل حروباً كثيرة بوجه الانعزاليين اللبنانيين وغير اللبنانيين، ومن هؤلاء جماعة مجلة "شعر" ومجلة "حوار" التي تبين لاحقاً أن المخابرات الأميركية كانت تمولها كما تموّل شقيقات لها في سائر أنحاء العالم، مثل مجلة انكاونتر الأدبية الانجليزية.

وبإيجاز يمكن القول إن "الآداب" لم تكن مجرد مجلة أدبية عربية ناجحة، بل كانت المجلة الأدبية العربية المركزية لفترة لا تقل عن ربع أو ثلث قرن، قبل أن تدخل عليها الحرب اللبنانية وتسيء أيما إساءة إليها وإلى دورها وشيوعها وانتشارها في العالم العربي. وقد أصر سهيل إدريس على الدوام على صدورها رغم تراجعها في سنوات الحرب اللبنانية، وما تلاها اصراراً منه على خطها العروبي النهضوي، رغم انقطاع السبل بينها وبين كتّابها في العواصم العربية. وكثيراً ما طلب مني، عندما كان يعرف بأنني مسافر إلى هذه العاصمة العربية أو تلك، لحضور ندوة أدبية، أن أحضر له معي أوراق الندوة لنشرها، نظرا لقلة المواد التي ترده من الخارج. إلى هذه الدرجة وصل الأمر بهذه المجلة الادبية الأولى في العالم العربي.

ولكن "الآداب" عادت إلى النهوض من جديد على يد الدكتور سماح إدريس، نجل الدكتور سهيل، الذي حوّلها إلى مجلة أدبية وفكرية مختلفة بعض الشيء عن "الآداب" السابقة. في هذه المجلة الجديدة اهتمام أكثر بالملفات والمحاورة، وبالقضايا الشبابية أو غير الشبابية المستجدة. ولكن فيها نفس الجرأة والشجاعة التي صحبت "الآداب" في ماضي أيامها الزاهرات.

وعلى الرغم من أن سهيل إدريس كتب روايات ناجحة "كالحي اللاتيني"، و"الخندق الغميق"، وعمل على إصدار معاجم وقواميس، فقد كان أكثر ألقابه الأدبية شيوعاً هو "صاحب الآداب"، أو "رئيس تحرير الآداب". فهو اللقب الذي التصق بذهن القارئ العربي أكثر من أي لقب آخر. ولعله بنظرنا أكثر ألقابه بقاء وافراً. فالآداب هي الكتاب الحي، أو المنهل العذب، الذي نهلت منه أجيال عربية بلاحصر، ولا يبالغ المرء إذا اعتبر أنها كانت كتاب "الأغاني" الجديد، أو "ديوان" العرب الجديد، لأنها ضمت نتاج مرحلة أدبية كاملة، إن لم تكن قد ضمت في صفحاتها أفخر إنتاج تلك المرحلة.

على مدار القرن العشرين عرف العرب مجلتين أدبيتين مركزيتين: أولاهما "الرسالة" لمحمد حسن الزيات، التي غطت الربع الثاني من القرن العشرين، ومجلة "الآداب" التي غطت الربع الثالث من القرن ذاته. وهذا فخر أو مجد لا يعادله بنظرنا فخر أو مجد آخر. ان تحمل مجلة عربية هموم أمة وطموحاتها وقيمها وثقافتها، وأن تعبِّر تعبيراً فذاً ونزيهاً عن مرحلة تاريخية وأدبية كاملة. وهذا ما حققته "الرسالة"، و"الآداب" على أفضل وجه. وبعد ذلك، لكل شيء إذا ما تم نقصان، كما يقول الشاعر الأندلسي.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية