تجاوز تركي المضيان فيما كتب عن د. وليد قصاب أصول النقد وحق الأمانة العلمية
د. أحمد بن صالح السديس
عندما لا يفهم قوم النقد الأدبي والعلمي إلا انه تطاول على الآخرين وتشهير بهم دون تثبت أو تحقق فتلك مصيبة، وعندما تسوّق ذلك صحيفة مشهورة فتنشره عنوانات مكتوبة بخط كبير فتلك عندئذ مصيبة أكبر!!
أقول هذا الكلام بمناسبة المقال الذي كتبه "تركي المضيان" ونشرته صحيفة (الرياض) يوم الخميس 1428/11/19ه الموافق 2007/11/29م وموضوع المقال نقد للأستاذ الدكتور وليد قصاب، وقد ظهر المقال معنوناً بالعنوانات التالية:
1- يسخر من النقاد والشعراء والباحثين ويقلل من شأنهم ومن قيمة جهودهم.
2- أستاذ جامعي لا يعجبه أحد ويعترف بالضحك على القراء.
3- وليد قصاب تناقض علمي ركاكة في الأسلوب.
4- سطو على الجهود، خلل في المنهج، اعتداد في غير مكانه.
5- يعيد نشر مقالاته المتواضعة بعناوين مختلفة دون احترام للذائقة.
وسأتجاوز في هذا التعقيب ما في عبارات الكاتب من سخرية وتشف ظاهر، كمثل قوله في خطأ مطبعي بسيط حيث وردت كلمة "يجمع" في الكتاب فقال معترضاً كلامه: "وقد أخطأ في كتابتها، والصواب "يجمح"، كما سأتجاوز ما اتخذه الكاتب مطية للنقد وهو خاضع للاذواق، وأتوقف عند الملحوظات العلمية التي وردت في المقال.
كتاب "من صيد الخاطر":
انصب معظم نقد الكاتب على كتاب واحد من كتب الدكتور قصاب هو كتاب "من صيد الخاطر (في النقد الأدبي)"، وهذا الكتاب عبارة عن مقالات في قضايا الأدب والنقد المختلفة نشرت على مدى أسابيع متتالية في مجلة "الصدى" الاماراتية، ثم رأى د. قصاب جمعها في كتاب واحد. وهذا يعني ان هذا الكتاب في أصله ليس كتاباً اكاديمياً أو بحثاً علمياً حتى يطلب منه ما طلبه الكاتب من منهجية وتوثيق ووحدة موضوعية، أقول ذلك بالرغم من أني وجدت في الكتاب وحدة موضوعية وتوثيقاً لكثير من الاقوال والآراء. والغريب ان كاتب المقال يمضي في التشويه إلى حد يجعل فيه وصول هذا الكتاب إلى طلاب الدراسات العليا تسللا، وكأنه وباء يتسلل بخفية على طريقة السرّاق واللصوص! ويلمز الدكتور قصاب من خلال الاشارة إلى ان هذا الكتاب صار من مراجع طلاب الدراسات العليا الذين يدرسهم د. قصاب. وأود بهذه المناسبة أن أشير إلى انه ليس من العيب ان يدل الأستاذ طلابه إلى مؤلفاته؛ لانها هي التي تمثله، وتبرز رأيه، فليست وظيفة أستاذ الدراسات العليا حشر عقول طلابه بما قاله الآخرون، ولا حتى بما قاله هو نفسه، وانما وظيفته توسيع مداركهم، واثارة القضايا معهم، وفتح المجال لمناقشتها بروح علمية وموضوعية، وكثيراً ما يتمنى الطالب ان يطلع على رأي أستاذه مفصلاً ليتسنى له الفهم والمناقشة. وانما العيب الذي لا أرتضيه أن يجعل الأستاذ كتابه أو كتبه هي المرجع دون ما عداها في هذه المرحلة العلمية المهمة، وهو ما لا ينطبق على الدكتور قصاب.
كما اخذ الكاتب على د. قصاب عرضه آراء النقد الأدبي الحديث بأسلوب مبسط سهل، وأقول: إن دور الأستاذ أو المؤلف يظهر في قدرته على تبسيط المعلومة، وتسهيل ايصالها إلى ذهن المتلقي كائناً من كان، ولو لجأ كل مؤلف إلى "التصعيب" و"التعقيد" لتوقف العلم؛ لأن عدم قدرة السواد الأعظم من المتلقين على الفهم يؤدي إلى النفرة، وتوقف البناء، فما العلم إلا تراكمات معرفية تتابع الاجيال في بنائها وتشييدها. ولكن هذا التبسيط لا يعجب قوماً يعتمدون - كما أشار الدكتور عبدالعزيز حمودة - رحمه الله - على "لغة المراوغة والغموض". وهذا يقودني إلى الحديث عن قضية اخرى طرحها أخي تركي في مقاله، وهي قضية الغموض.
فقد نفى الكاتب غموض النقد الأدبي الحديث، وعدّه ادعاءً من قصاب، وهو أمر لا يخفى على أحد من دارسي الأدب، بل هو يتجاوز ذلك إلى كونه غموضاً متعمداً عند بعض ممارسيه، وليس "حفراً معرفياً أصيلاً" كما قال. وليعد إلى تجربة الدكتور عبدالعزيز حمودة الدارس في أمريكا، والمتخصص في الأدب الانجليزي وليسمع معاناته الطويلة، واحساسه بالعجز عن التعامل مع الدراسات البنيوية، وفهم أهدافها، بل فهم وظيفة النقد ذاته في ظل المصطلحات النقدية المترجمة والمنقولة والمنحوتة والمحرّفة التي اغرقونا فيها لسنوات. (المرايا المحدّبة ص 13).
ولينظر كلام الدكتور عبدالمحسن طه بدر في شكواه من أن مشكلة النقد الحالي انه لم يعد موصلا، وانه - وهو المتخصص - لا يفهم كثيراً من المقالات التي تنشر في مجلة "فصول" (مجلة فصول، المجلد الاول، العدد الثالث، ابريل 1984م، ندوة المجلة عن النقد الأدبي).
سخرية قصّاب من النقاد والشعراء:
اتهم كاتب المقال الدكتور قصاب بهذه التهمة الخطيرة، واعُتمدت هذه التهمة وجُعلت عنواناً رئيساً، وبعد تقليب النظر وانعامه في كلام قصاب، والرجوع إلى السياق الذي ورد الكلام فيه اتضح ان هذه التهم لا تخلو من تدليس، أو ضعف فهم. ولا أدري أيعد الكاتب نقد بعض الآراء ودحضها وعدم قبولها سخرية، وإذا كان كذلك فماذا يعدّ مقاله هذا وقد شحنه بأنواع من النقد؟ وهل يعتقد أن النقد ميدان لا يتسع إلا للمديح والاطراء والتعريف بمكانة الكتّاب أو المبدعين؟!
استشهد على هذه التهمة برفض قصاب لتأويل الدكتور مصطفى ناصف لعبارة امرئ القيس: "قفَا نَبءك"، ويحتج بأن الرجل "قامة علمية كبيرة وحائزة على جائزة الملك فيصل"، وكأن هذه المنزلة للدكتور ناصف تمنع من نقده، وتلزم بقبول آرائه، بل إن الدكتور ناصف نفسه لم يصل إلى هذا إلا من خلال ممارسة النقد الذي يتضمن - ولا ريب - قبولا لبعض الآراء ورفضاً لبعضها. وبالعودة إلى مقالة الدكتور قصاب التي أشار فيها إلى رفضه لرأي الدكتور ناصف نجد أن الدكتور قصاب قد أشار في مقاله إلى موجة تسعى إلى استبدال مصطلح "القراءة" بمصطلحات مشهورة معروفة كالدراسة والتحليل والنقد، وأن هذه القراءة أصبحت حقاً مباحاً لكل من هب ودبّ، ثم اشار إلى أن القارئ أصبح في رأي بعض النقاد شريكاً في عملية خلق النص، متعجباً من بعض القراءات التي صارت تفصل النصوص الأدبية عن عصرها ومؤلفها وملابسات ابداعها، على عادة أصحاب التفكيك، ويقف عند رأي الدكتور ناصف الذي يرى أن "قفا نبك" تتجاوز في دلالتها الأحبة والمنازل والأطلال، وأن هذا فهم "سطحي" - ولاحظ أن الدكتور ناصف يصف هذا الفهم الذي تعارف عليه الناس بأنه فهم سطحي - ويرى أن التوقف كان شعاراً مهملاً، وأن أمرأ القيس لم يكن رجلاً لاهياً مترفاً كما يقول التاريخ، بل كان رجلاً يشعر بمسؤولية كبرى نحو مجتمعه. ولعل القارئ الكريم يستغرب إذا علم أن الدكتور قصاب قد ابتدأ الحديث عن ناصف بقوله: "يقرأ أستاذ جامعي كبير"!.
ثم يجعل الكاتب من الإقصاء للآراء عند الدكتور قصاب أن يصف رأياً للدكتور جابر عصفور بأنه زعم وفيه غلو، ولم يطلع القارئ على هذا الرأي، ولم يناقشه، ولم يعرض السياق الذي جاء فيه. ولتوضيح ذلك أقول: إن الدكتور قصاب افتتح مقالته تلك بالإشارة إلى بعض الظواهر والدلائل التي تدل على حضور القصيدة العمودية، ثم نقل كلاماً للدكتور عصفور في تحقيق قامت به صحيفة الاتحاد يذهب فيه إلى "أن القصيدة العمودية لم يعد لها حضور مؤثر"، وعقّب على ذلك بقوله: "وفي هذا الكلام من الغلو والبعد عن الموضوعية ما فندتهما أغلب إجابات الأدباء والنقاد الذين أجري معهم التحقيق نفسه". فهل مثل هذا الطرح وهذا التناول يتضمن "أفكاراً إقصائية خطيرة" أو "سخرية" أو "عدم قبول للآراء" أو "القسوة"، كما ذكر الأستاذ تركي في الفقرة نفسها التي ناقش فيها هذا الأمر؟! وهل يريد من الدكتور قصاب وهو الذي شاب مفرق رأسه في ممارسة النقد والإبداع أن يسلم بكل ما يقرأ أو يسمع؟ أولا يعد هذا إقصاءً؟ وأرجو ألا يكون ممن يرمي بدائه وينسل!.
التناقض:
كانت هذه الفكرة الرئيسة التي أراد الكاتب إقناعنا بها في مقاله، وبدت هذه الكلمة أثيرة عنده حتى كررها في مقاله كثيراً وأورد من كتاب الدكتور قصاب عبارات اقتطعها من سياقها، وزعم انها من التناقض. والعجيب أن الأستاذ تركي قد مارس ما انتقد بسببه الدكتور قصاب، جين رأى انه "يفصل النص عن سياقه"، أو "يجتزئ النص".
من ذلك انه عد من التناقض الذي وقع فيه قصاب أن يحكم - وهو يتحدث عن الشعر المنشود - ان سهولته تعني وصوله، وأن يشير في موضوع آخر إلى أن القول الأدبي - بطبيعته - لا يصل بسهولة، دون أن يتم التفريق بين الموضعين. وبالعود إلى الموضعين يتضح أن هذا مجرد فرية، أو هي في أقل أحوالها سوء فهم للكلام في الموضعين. فالعبارة في الموضع الأول كانت شرحاً للوصف المشهور "السهل الممتنع"؛ حيث ذكر قصاب ان الشعر المنشود يشبه ما يطلق عليه "السهل الممتنع"، وان السهولة تعني الوصول، فيما يعني الامتناع الفني والألق الجمالي. وفي الموضع الثاني كان عنوان المقال مفصحاً عن مضمونه؛ إذ كان عنوان "من خصائص الفكر العربي: الوضوح"، وبعد مناقشة لهذه الفكرة ختم الدكتور قصاب مقاله بكلام، منه: "فالوضوح الذي وصف به الفكر العربي لا يعني السطحية والتعبير المباشر وأداء المعنى بشكل مبتذل رخيص، أو تقريره في الذهن تقريراً ساذجاً كما تقرر الأقوال العادية في لغة الخطاب اليومي... ولكن القول الأدبي - في طبيعته - لا يصل بسهولة، ولا يسلم قياده من أول سانحة...". وبهذا يتضح أن الحديث في هذا الموضع عن طبيعة اللغة الشعرية، وانها تحتاج إلى جهد حتى تصل، ولكنها ليست منغلقة على المتلقي؛ ومن ثم فإن الغموض المقبول في لغة الشعر هو الذي يسفر بالتأمل عن الوصول وإدراك المراد. وفي مثال آخر للتناقض المزعوم عند الدكتور قصاب يزعم الأستاذ تركي المضيان أن قصاب "يؤكد" على أن أدونيس قد هجر كتابة قصيدة النثر إلِى نثر آخر، وقد ذكر قصاب ذلك بالفعل في كتابه من خلال نقله لكلام أدونيس نفسه. ولكن ما علاقة هذا بما يرى الكاتب انه يولد التناقض، وهو ما زعمه من أن قصاب يصف أدونيس وآخرين معه بأنه لم تؤثر عنه الكتابة إطلاقاً على نمط القصيدة الحرة!! وللحق فإني حين قرأت هذا الزعم عرفت انه لابد أن يكون افتراء وافتئاتاً أو سوء فهم أو ضعف تركيز!! فهل يعقل أن يقول طالب عن أدونيس إنه لم يكتب الشعر الحر، فضلاً عن أن ينسب ذلك إلى أستاذ بحجم الدكتور قصاب؟! والأمر واضح صريح يسير لمن يرجع إلى مقال قصاب، فقد كان السياق في بيان أن القصيدة العمودية ما زال لها حضورها المميز، ثم قال: "إن النظر في انتاج عدد من كبار الشعراء العرب المعاصرين، أمثال: بدوي الجبل، وعمر أبو ريشة، والجواهري، ومحمد حسن فقي، وعبدالله البردوني، وحسن القرشي، ومحمد التهامي، ونزار قباني، ومحمود درويش، والسياب، ونازك الملائكة، وأمل دنقل، وسميح القاسم، وعمر بهاء الأميري، وأدونيس، وغيرهم كثيرون، يُري أن عدداً كبيراً من هؤلاء الشعراء لم تؤثر عنه الكتابة إطلاقاً على نمط القصيدة الحرة، وسائر "أي: باقي" هؤلاء بعد ذلك قد كتبوا اللونين معاً، ولم يهجر أحد منهم القصيدة العمودية هجراناً تاماً"، فهل تحتاج هذه العبارة إلى بيان؟ أيخفى على أحد مَن مِن هؤلاء الشعراء لم يكتب القصيدة الحرة، ومن منهم كتب اللونين معاً؟!.
ويرى من التناقض العلمي الذي وقع فيه قصاب انه يقول إن الصراع لا ينبغي أن يكون بين قديم وحديث، أو بين أجيال، بل بين قيم وأفكار، ويرى الكاتب انه لا فرق بين النوعين.
وأقول: بل هناك فرق؛ ذلك أن هنالك قوماً من النقاد كرهت الحديث، وكان معيار هذا الكره معياراً زمانياً لا معياراً قيمياً، أي: لأنه حديث فحسب، وتعصبت للقديم وصارعت الحديث بمعيار زماني كذلك، أي: لمجرد انه قديم، كابن الأعرابي مثلاً الذي كان يسمع الشعر فإذا قيل له انه لقديم استحسنه، وإذا قيل له انه لحديث قال: "خرق.. خرق". ولذلك رد ابن قتيبة على أمثال هؤلاء، وكان معياره ألا يكون التعامل مع الشعر على حسب القديم والحديث، بل على حسب القيم، قيم الحسن والقبح الذاتيين النابعين من الشعر نفسه لا من زمانه. ولو تأمل الكاتب بقية كلام الدكتور قصاب بعد الذي نقله مباشرة لاتضح له المراد، فقد قال ثم: "إن الصراع - في إيجاز من القول - بين الحق والباطل، وهذان لا يرتبطان بزمن دون زمن، أو شعب دون شعب، أو قديم دون حديث. إن في كل هذا الذي ذكر نصيباً - قل أو كثر - من كل منهما" (ص 115). وكان سياق الكلام دالاً على أن المراد توضيح أن ما هو مرفوض من بعض ضروب الحداثة مرفوض بسبب ما حمله من القيم الهجينة التي لا تتفق مع عقيدتنا وقيمنا وذائقتنا، لا لأنها حديثة طارئة.
كما عد من التناقض الذي وقع فيه قصاب انه يقول عن قصيدة النثر انها نبتة جيء بها من تربة الإبداع الغربي، ثم يقول: إن لهذا النمط من الكتابة نماذج في التراث!! والإجابة عن هذا الذي يسميه تناقضاً موجودة في المقال نفسه لو أنصف، فقد قال الدكتور قصاب: إن هنالك فرقاً بين "الشكل الكتابي" و "التسمية النقدية"، فللأول نماذج مشابهة في تراثنا الأدبي؛ قديمه وحديثه، والثاني - وهو تسمية النثر شعراً من غير اعتداد بالوزن - هو المأخوذ من "سوزان برنار"، بل إن بعض العربية (مجلة فصول، المجلد السادس عشر، العدد الأول، 1997م، ص 148)، فهو - أي: تسمية النثر شعراً - هو المجتلب من بيئة أخرى.
الموقف من الحداثة:
انتقد الأستاذ تركي الدكتور قصاب في استعماله لمصطلح "حمار الكتابة" في التعبير عن استسهال طائفة من الكتّاب كتابة الشعر في هذه الأيام، ولا سيما ما يسمى "قصيدة النثر". ويظهر ان الدكتور قصاب لم يبتدع شيئاً جديداً في اطلاقه لهذا المصطلح؛ إذ اطلق النقاد العرب القدماء مثله على الرجز، فسموه "حمار الشعر"؛ لسهولة كتابته، وكثرة تصرف الشعراء في وزنه، وما يجرونه فيه من التجاوزات العروضية التي لا تجري في غيره، وقد أشار إلى هذا في الفقرة نفسها.
وفيما يتعلق بما يسمى بقصيدة النثر فإن الحق الذي يجده قارئ كتاب الدكتور قصاب في عدة مواضع منه انه لا يرفض هذا اللون من الكتابة النثرية التي قد تكون - بمعيار الفن وحده
- حسنة أو قبيحة، ولكنه يرفض تسميتها شعرا، ونقل اقوالا حول هذا للجرجاني وابن سينا والفارابي الذي يطلق عليه "قولا شعريا" ولعلي أنقل فقرة مهمة وردت في احدى المقالات التي تحدث فيها الدكتور قصاب عن "قصيدة النثر" حيث قال: "إن تسمية هذا النمط من الكتابة نثرا لا تعني انتقاصا من قدره، فليس الشعر - على إطلاقه - أرقى من النثر، بل إن من النثر ما هو أجمل وأزهى من الشعر، وان الذين يصرون على تسمية هذه الكتابات النثرية شعرا انما يعبرون - كما تقول نازك الملائكة - عن احتقار للنثر، ولذلك يسمونه باسم يعتقدون انه أرقى وأرفع، أي: الشعر، إن تسمية هذا النص من الكتابة نثرا لا تعني اي حكم تقويمي له، فقد يكون فنيا متألقا أجمل من كثير من نماذج الشعر، وقد يكون سقيما رديئا مثل كثير من نماذج الشعر والنثر على حد سواء".
وقد هاجم الكاتب الدكتور قصاب أكثر من مرة بسبب آرائه في الحداثة، بل اتهمه بأنه لا يفهم الحداثة! ولم يحاول مناقشة آرائه تلك، أو يبدي احتراما لرأيه، تطبيقا لما يدعو اليه من قبول الآراء وعدم الاقصاء!
فقد أخذ عليه قوله إن طائفة من الحداثيين لا يكترثون بعقيدة الأمة وثوابتها الفكرية، ويحاكون النموذج الغربي، وعجبي لا ينقطع من هذا الاستدراك على قصاب، فهل هذه قضية تخفى على أحد؟ ألم يقرأ نماذج لهؤلاء سودت بها الصحف والمجلات؟ ولعلي أحيله إلى كتاب "خطاب الحداثة في الأدب" الذي كتبه الدكتور قصاب نفسه والدكتور جمال شحيد ممثلين لوجهتي نظر مختلفتين، ليطلع على شيء من تلك النماذج، وليرى ما اتسم به الحوار بينهما - على خلافهما في الرأي - من أدب وانضباط.
كما نقم عليه ما يصف به بعض شعر الحداثة، وهذا أمر أشار اليه العشرات من نقاد الحداثة ومن شعرائها أنفسهم، وأحيل الكاتب والقارئ الى كتاب الدكتور قصاب الآخر (الحداثة في الشعر العربي المعاصر) في فصل (شهادات الحداثيين على الحداثة) من ص 265إلى 307، ومن هذه الآراء رأي لنزار قباني يقول فيه: "الشعر الحديث هو مجرد كلام مصفوف على الكمبيوتر، لا يشعر به القراء، ولا مفاتيح الكمبيوتر، ولا شاشة الكمبيوتر.. شعرنا الجديد عبارة عن (ساندويشات) ليس في داخلها شيء سوى قشور لغوية واخلاط كيميائية مجهولة التركيب، وتمارين انشائية يمكن لأي تلميذ في المرحلة الابتدائية ان يكتب أحسن منها".. وانظر هنالك - إن شئت المزيد - آراء لكل من محمود درويش، وبلند الحيدري، وأحمد عبدالمعطي حجازي، وأمل دنقل، وغيرهم، وهي تشير الى ما آل اليه حال كثير من الشعر الحداثي في هذه الأيام من اسفاف وركاكة وقطيعة مع المتلقي.
السطو على الجهود:
وهذا اتهام خطير، وقد أعاد الكلام فيه الى الدكتور عبدالحكيم راضي الذي ادعى أن الدكتور قصاب ينقل من كتب الدكتور احسان عباس دون اشارة، وقصارى ما يمكن قوله ان الكاتب لم يثبت ذلك بأدلة بينة، وظاهر كلامه التسليم به، ومن عرف الدكتور قصاب وعرف مؤلفاته وجهوده لا يقبل هذه التهمة، وان مما يدعو الى الشك بهذه التهمة انها خصت مؤلفات الدكتور احسان عباس رحمه الله دون غيره، واعتقد جازما ان من اتصف بعدم الأمانة لن يفرق بين مؤلف دون آخر، ولا أظنه يخفى على الكاتب الكريم انه قد يوجد تشابه او تطابق في الآراء، وان هذا كما قيل من وقع الحافر على الحافر.
كما أن صفحات مؤلفات الدكتور قصاب تنفي ذلك نفيا قاطعا، فبالعودة الى بعض كتب قصاب يتضح جليا انه وثق عددا غير قليل من أقوال الدكتور احسان عباس، فهاهو - على سبيل المثال - في كتابه "مناهج النقد الأدبي" يوثق نقله عن كتاب احسان عباس "فن الشعر" في ص 59، بل إنه في كتابه الآخر "قضية عمود الشعر في النقد العربي" يوثق مواضع كثيرة نقلها من كتاب "تاريخ النقد الأدبي عند العرب" لاحسان عباس "انظر الصفحات: 38، 128.41، 129، 130، 138، 139، 148، 164، 242، 244".
الاعتماد على البرامج الحاسوبية:
بالرغم من تكاثر الأصوات التي تدعونا في هذا العصر الى الإفادة من التقنيات الحديثة، واستثمارها في خدمة البحث العلمي، فان هذا أصبح تهمة يحاكم عليها كبار الأساتذة! أقول هذا الكلام وقد اتهم الدكتور قصاب بأنه يعتمد على البرامج الحاسوبية في توثيق النصوص، والذي ينبغي ان اضيفه في هذا السياق ان هذه الامكانات قد سهلت البحث، واعانت عليه، وليس من الحكمة في شيء أن نمنعها عن طلابنا او اساتذتنا، بل اذهب الى القول ان الواجب علينا حثهم على التعامل معها والافادة مما حوته، على أن تكون وسائط مساعدة لا ان يرتكز جهد الباحث على النقل منها، فيقتصر دوره على القص واللصق، والكاتب لم يكلف نفسه مؤونة التحقق من طريقة قصاب في الافادة من هذه البرامج، ولكنه ينقل عن أحمد اللهيب الذي وجد نصا مشكلا في كتابه "النقد العربي القديم: نصوص في الاتجاه الاسلامي" والخلقي "ص 159)، وهو نص لابن الأثير من كتابه جوهر الكنز (ص 310- 311) فزعم انه نقله من برنامج حاسوبي، ولو صح ذلك فليس على قصاب ملام في ذلك، فهو نص نقله ووثقه.
إعادة نشر بعض المقالات:
هذه مسألة صحيحة ذكرها الاستاذ تركي في مقاله، وذكرها من قبله الاستاذ أحمد اللهيب، الذي يؤاخذ الدكتور قصاب على إعادة نشر بعض بحوثه في مقال نشره هو نفسه - خلال مدة قصيرة - مرتين: مرة في صحيفة الجزيرة، ومرة في مجلة الاعلام والاتصال!
والواقع أني لا اعرف ملابسات اعادة نشر قصاب لهذه البحوث او الدراسات، ولكن الذي أود قوله في هذا السياق ان الكاتب او الباحث قد يضطر لاعادة نشر مقالته لأهميتها، أو لأنها نشرت في مجلة مغمورة لم تأخذ حظها في الذيوع، او لانه اغناها بآراء جديدة واضاف اليها اضافات مهمة، او لوقوع اخطاء عند نشرها لأول مرة، أو لانها لم تنشر على النحو الذي كان ينشده، أو لأن لها مناسبة تجددت، أو بطلب من القائمين على تحرير مجلة أخرى، او غير ذلك مما هو معروف، واعتقد ان مثل ذلك امر سائغ إن لم يكن الكاتب سينال بسببه في كل مرة ينشره درجة أو ترقية، وأحبذ أن يكون في النشر في المرة الثانية اشعاراً للقارئ بأن هذا المقال سبق نشره، وسبب اعادة نشره، خاصة اذا اختلف العنوان مع اتفاق المضمون، حتى لا يظن انه بحث جديد.
ولكن من المبالغة في النقد ان يعد اعادة ذكر الرأي في أكثر من موضع او اكثر من كتاب تكرارا، او أن توصف هذه المقالات بأنها ضعيفة بالرغم من نشرها في مجلات علمية محكمة لا تنشر مقالات ضعيفة.
وأخيرا فاني أرجو أن يكون رائدنا في هذه المناقشة اظهار الحق، وأن يكون منهجنا التحلي بالروح العلمية الأصيلة التي تسمح لنا أن نختلف في القضايا التي يسوغ فيها الخلاف والنقاش، وألا يكون للمواقف الشخصية دور في ظهور أمثال هذه المواقف، وما دعاني الى خوض هذا المجال، والاشتراك في هذا النقاش - بالرغم من نفرتي من الردود لأسباب كثيرة - هو اني عرفت الاستاذ الدكتور وليد قصاب من خلال مؤلفاته منذ سنوات، ثم عرفته من خلال عمله، فوجدته مثالاً للأستاذ الجاد الحريص على أداء عمله، والرقي بطلابه مع حزم وعزم، والناقد الحصيف، والأديب المبدع، فكان من الواجب علي ان انظر في هذه المقالة وان ابين ما أراه في هذه المسألة، حتى لا يصاب الدكتور قصاب بجهالة، كما اشير الى أن للدكتور قصاب جهوداً لا تخفى على الدارسين والمهتمين، وله مؤلفات كثيرة تعددت مجالاتها الفرعية، وان اتفقت في كونها تدور في فلك الأدب والنقد، فله في مجال التحقيق جهود أثمرت اخراج كتاب "الأوائل" للعسكري، وكتاب "الأفضليات" لابن الصيرفي، وكتاب "الأشراف" لابن ابي الدنيا، وديوان عبدالله بن رواحة، وديوان محمود الوراق، وله في التأليف عدد من الكتب ناهز العشرين مؤلفاً، وله في الابداع شعراً وقصة حضور، فله خمس مجموعات قصصية، وسبعة دواوين شعرية، هذا ما اعرفه، وقد يكون لديه المزيد، وما زلنا بانتظار النافع والمزيد منه.
@رئيس قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي في كلية اللغة العربية