لم يخذل معرض بيروت العربي الدولي للكتاب جمهوره، بل إن هذا الجمهور هو الذي خذله. بهذه العبارة لخص بعض المراقبين تجربة المعرض لهذه السنة، في إشارة منه إلى أن المعرض اطل في موعده السنوي كالمعتاد، رغم المشقات الكبيرة التي اعترضت اطلالته هذه، وفي طليعتها الأوضاع السياسية المتوترة والأوضاع الاقتصادية المتردية. لقد وجهت الجهة التي تنظمه، وهي إدارة النادي الثقافي العربي في بيروت، الدعوات إليه، وفي الموعد الذي أقيم فيه، قبل ستة أشهر من اليوم. كان دافعها هو الحرص على استمرار هذا المرفق الثقافي السنوي في موعده، والحرص كذلك على حث الناشرين على ترتيب كل ما يتعلق بالمعرض قبل وقته بفترة زمنية كافية. ولكن على الرغم من كل هذه الاستعدادات المسبقة، فإن المعرض لم يجد من الجمهور الإقبال الذي كان يطمح إليه.
في ساعات قبل الظهر وحتى الساعة الرابعة أو الخامسة بعده، كان في مكان المراقب أن يعد الذين يتجولون في المعرض واحداً واحداً، فلا يربو هذا العدد عن خمسين أو مئة في أحسن الأحوال. وكان قسم كبير من هؤلاء من "الزائرين السياحيين" إن جاز التعبير، أي من أولئك الذين يحضرون للفرجة، أو لتزجية الوقت، دون أن يخطر ببالهم شراء كتاب واحد.
ولكن الوضع كان يتحسن قليلاً في ساعات المساء بسبب حضور المدعوين إلى توقيع الكتب. فهذا الحضور أمّن للمعرض أُناساً حضروا إليه، ولكن مباشرة إلى الجناح الذي دُعوا إليه حيث كان المؤلف بانتظارهم. وحتى إلى مثل هذه الحفلات، لم يكن الحضور كثيفاً أو ملفتاً. ولم يكن هؤلاء الذين حضروا يتجولون في المعرض بعد ذلك، بل كانوا يغادرون فوراً إلى سياراتهم، وكأن دعوتهم أتت لتلبية واجب اجتماعي من مؤلف، أو ناشر، صديق لا أكثر.. وكثيراً ما حملت بطاقات الدعوة عبارة: "عند الاعتذار يرجى الاتصال برقم الهاتف التالي.." الأمر الذي يؤكد "اجتماعية" هذه الدعوات، وكون فسحة الامتناع عن الحضور كانت ضيقة إلى ابعد الحدود!
وكان محزناً وكئيباً منظر الكتب الراقدة في امكنتها على الأجنحة دون أن يوقظها أحد من رقادها. فما هكذا عوّدها جمهورها اللبناني في السابق. وقد مضى على عمر معرض الكتاب العربي في بيروت أكثر من نصف قرن (واحد وخمسين سنة بالضبط) وهو ينتقل من نصر إلى نصر. والنصر كان يستند إلى شدة الإقبال عليه، وبخاصية على عناوينه الجديدة. لقد كان معرض بيروت "عميداً" للمعارض العربية كلها. وكان الكتاب اللبناني في نصف القرن الماضي جوهرة الكتب العربية شكلاً ومضموناً. فما بال بيروت تقسو على معرضها السنوي كل هذه القسوة، وما بال جمهورها، وهو جمهور مثقف كما هو معروف، يخذل هذا المعرض، ويرفضه على هذا النحو؟
تعددت الأسباب والموت واحد. قيل أن لبنان يشهد في السنة الواحدة ثلاثة أو أربعة معارض، وأن البلد لا يتحمل هذه الوفرة. ولكن يُردّ على هذا القول أن المعارض الأخرى ليست بأهمية هذا المعرض. ولكن هذا الرد لا يلقى قبولاً عاماً لأن المعرض الذي يقيمه حزب الله بعد شهرين في الضاحية الجنوبية في بيروت انتزع من معرض بيروت جماهيريته القوية. ففي الإحصاءات التي أذاعها حزب الله مرة عن معرضه أن مليوناً ونصف مليون كان عدد من زاره. ومن هذه الإحصاءات أن أحد أيام الجمعة، أو الأحد، شهد ثلاثين ألف زائر.. وهذا الرقم بات معرض بيروت العربي الدولي عاجزاً عن تأمينه لأسباب مختلفة.
من هذه الأسباب "طائفية" المعارض. فالبعض ينظر إلى معرض بيروت العربي الدولي على أنه معرض "السنيورة"، أو معرض السنة، كما ينظر إلى معرض انطلياس السنوي على أنه معرض المسيحيين أو الموازنة. وبالنظر إلى أن عدد الشيعة اللبنانيين في الضاحية، على الخصوص، هو عدد مرتفع، فمن الطبيعي أن يشتد الإٍقبال عليه. ولكن هناك من تحدث عن "مقاطعة" لهذا المعرض، أو ذاك. وهذا دليل على الكدر الذي ينتاب الوجدان اللبناني العام.
وأثرت فترة الأعياد سلباً على المعرض. وجد الناس في العطلة سبباً لارتياد الأرياف والجبال والبعد عن مناخات الضغط والتوتر في العاصمة، فكان المعرض في عداد ضحاياهم. وأياً كان السبب، فإن هذه السنة شهدت أسوأ انتكاسة مر بها معرض بيروت في تاريخه.
بالنسبة لجديد الكتب، يمكن القول إن المعرض لم يَخءلُ من الجديد. عرضت دار "الآداب" ودار "الساقي"، ودار "رياض نجيب الريس"، ودار "الفارابي"، ودور أخرى كثيرة أيضاً، كتب جديدة في شتى فنون المعرفة، وبخاصة في الرواية والدراسة والبحث.
وبالطبع كان للكتاب التراثي حضوره المعتاد. ومع أن إدارة المعرض قالت إن عدد الدور العارضة هو 150داراً، فإن الواقع تمخض عن أقل من ذلك.
ولم يكن من حضور ملفت لدور النشر العربية إلا فيما ندر، كان هناك جناح كبير للمملكة العربية السعودية عرضت فيه الجامعات وبعض المكتبات العامة كتبها ولكن على سبيل العرض لا غير. وكان هناك جناح لدولة الكويت والمجلس الوطني للثقافة. ومن الدور المصرية كان هناك "المدبولي"، ودار "الشروق". وبإيجاز يمكن القول إن معرض بيروت لهذه السنة كان على صورة بيروت نفسها: مدينة تقاوم الموت وتصر على الحياة وترفع راية الثقافة بما تبقى في يدها من عزم وإرادة!