ترجمة: د. سعد البازعي
إنني هنا أتحدث عن كتب لم تكتب، كتّاب لم يستطيعوا أن يصلوا لأن الناشرين غير موجودين. أصوات لم تسمع. وليس من الممكن تقدير حجم المفقود من المواهب، مما كان ممكناً. ولكن حتى قبل تلك المرحلة من خلق الكتاب الذي يتطلب ناشراً، قبل الحصول على مبلغ مقدم، وقبل التشجيع، ثمة شيء آخر غائب.
إن الكتّاب كثيراً ما يسألون: "كيف تكتب؟ بالحاسب؟ أم بالطابعة الكهربائية؟ بالريشة؟ أم بالكتابة العادية؟" لكن السؤال الأساسي هو: "هل وجدت المكان، المكان الشاغر الذي ينبغي أن يحيط بك عندما تكتب؟ فباتجاه ذلك المكان، الذي يشبه شكلاً من أشكال الإنصات، من الانتباه، ستأتي الكلمات، الكلمات التي تتحدثها حروفك، أفكارك - سيأتي الإلهام". إن لم يجد الكاتب ذلك المكان، فإن القصائد والقصص قد تولد ناقصة. حين يتحدث الكتّاب بعضهم إلى بعض، فإن ما يناقشون هو دائماً ما الذي ينبغي فعله في ذلك الفضاء التخيلي، هذا الزمن الآخر. "هل وجدته؟ هل تمسك به جيداً؟".
لنقفز الآن إلى مشهد يبدو شديد الاختلاف. نحن في لندن، إحدى المدن الكبيرة. هناك كاتب/ كاتبة جديدة. نتساءل بسخرية: "هل هي جميلة؟" وإن كان رجلاً: "هل هو جذاب؟ وسيم؟" نمزح، ولكن المسألة ليست مزاحاً.
الكاتب الجديد يجد المديح، وربما يحصل على بعض المال. ضجيج الإعلام يقرع مسامعهم المنهكة. تقام لهم المهرجانات، ويمدحون، ويزفون إلى العالم. أما نحن المسنين، الذين خبروا كل ذلك، فإننا نشعر بالأسى لهذا الغر الذي ليست لديه أدنى فكرة عما يحدث في حقيقة الأمر. هو أو هي يجد المديح ويسر لذلك. ولكن أسأل بعد سنة ماذا يرى أو ترى: "كان ذلك أسوأ ما كان يمكن أن يحدث لي".
بعض الكتاب الجدد الذين عرّف بهم على نطاق واسع لم يكتبوا مرة أخرى، أو لم يكتبوا ما كانوا يريدون كتابته، ما أرادوا كتابته. ونحن المسنين نريد أن نهمس في مسامعهم البريئة: "هل ما زلتم تملكون أماكنكم؟ أرواحكم، أماكنكم الضرورية والخاصة حيث يمكن لأصواتكم أن تحدثكم، أنتم وحدكم، حيث يمكنكم أن تحلموا. أوه، تمسكوا بها، لا تجعلوها تفلت منكم".
ذهني مليء بالذكريات الرائعة عن إفريقيا، الذكريات التي أستطيع أن أحييها وأتطلع إليها متى شئت. ماذا عن مشاهد الغروب، بألوانها التي تمزج الذهبي بالبنفسجي بالبرتقالي، وهي تنتشر عبر السماء عند المساء؟ ماذا عن الفراشات المختلفة الأحجام والنحل الملحق على شجيرات الكالاهاري العطرة؟ أو الماء الغامق البراق، وهو يمر إلى جانبك على ضفاف الزامبيزي، وطيور إفريقيا كلها تمرق هنا وهناك؟ نعم، كان هناك الكثير من الفيلة والزرافات والأسود وغيرها، ولكن ماذا بشأن السماء في الليل، السماء التي لم تكن قد تلوثت بعد، سوداء وجميلة، ومليئة بنجوم لا تهدأ؟
وثمة ذكريات أخرى. شاب إفريقي، أظنه في الثامنة عشرة، وقف دامع العين في ما يأمل أن يصير "مكتبة". جاء زائر أمريكي ولاحظ أن تلك المكتبة كانت بلا كتب فأرسل شحنة منها. قام الشاب بدعوة الجميع لمشاهدتها وشرع، بكل تبجيل، يلفها في البلاستيك. سنقول: "لكن هذه الكتب أرسلت لكي تقرأ، أليس كذلك؟" فيرد الشاب: "لا، ستتسخ وعندئذ من أين سأحصل على المزيد؟"
لقد رأيت مدرساً في مدرسة ليس بها كتب دراسية، ولا حتى طباشير للوح. كان يدرس صفاً يتألف من تلامذة يتراوحون بين السادسة والثامنة عشرة مستخدماً حجارة يحركها على التراب ومنشداً: "اثنان في اثنين يساوي...." وهكذا. رأيت فتاة - لا أظنها تتجاوز العشرين، أيضاً بلا كتب دراسية، أو كتب للتمارين، أو أقلام رصاص، رأيتها تعلّم ال "اي، بي سي" بحك الحروف على الأوساخ، بينما الشمس تسوط الأرض والغبار يتصاعد.
أود أن تتخيلوا أنفسكم في مكان ما من جنوب إفريقيا، واقفين في متجر هندي، في منطقة فقيرة، في فترة جفاف. ثمة طابور من الناس، معظمهم من النساء، يحملون كل نوع يمكن تخيله من أواني الماء. هذا المتجر يتلقى بعد ظهر كل يوم من المدينة كمية من الماء الثمين والناس هنا ينتظرون وصوله.
يقف الهندي مستنداً بيديه على "الكاونتر" ويراقب امرأة سوداء تنحني على بعض الأوراق التي بدت كما لو كانت قد اقتطعت من كتاب. كانت تقرأ "آنا كارنينا". كانت تقرأ ببطء، تتلفظ الكلمات تلفظاً. بدا أن الكتاب صعب، وهذه شابة معها طفلان يمسكان بساقيها. إنها حامل. يشعر الهندي بالكآبة لأن الغطاء على رأس الشابة ليس أبيضاً كما ينبغي وإنما أصفر من الغبار. والغبار بين ثدييها وعلى ذراعيها. يشعر الرجل بالكآبة بسبب ما يراه من طوابير الناس العطاشى في حين أن الماء لا يكفي. يشعر بالغضب لأنه يعلم أن ثمة أناساً يموتون، هناك خلف سحب الغبار.
يشعر الرجل بالفضل. يقول للشابة: "ماذا تقرأين؟"
ترد عليه: "إنه شيء يتعلق بروسيا".
يسألها: "هل تعرفين أين تقع روسيا؟، في حين أنه هو ليس لديه أدنى معرفة.
تنظر الشابة إليه بكبرياء، مع أن عينيها محمرتان من الغبار. "كنت الأفضل في الصف. قالت لي المعلمة إنني كنت الأفضل".
تواصل الشابة القراءة: كانت تود أن تصل إلى نهاية الفقرة.
ينظر الهندي إلى الطفلين الصغيرين ويمد يده إلى بعض "الفانتا"، ولكن الأم تقول "الفانتا تجعلهما عطشين".
يعلم الهندي أنه لا ينبغي أن يفعل ذلك، ولكنه مع ذلك يخرج كيس بلاستيك كبير من خلف "الكاونتر" ويصب ابريقين بلاستيكيين من الماء يعطيها الأطفال. يراقب المشهد بينما الفتاة تنظر إلى أطفالها وهم يشربون، فمها يتحرك يعطيها ابريقاً من الماء. يؤلمه أن يراها تشربه، بكل ذلك العطش.
ها هي الآن تمد له حافظة بلاستيكية للماد يملؤها، بينما تراقبه هي وأطفالها باهتمام خشية أن يسمح لشيء من الماء بالانتثار.
إنها تنحني ثانية على الكتاب. تقرأ ببطء ولكن الفقرة تثير إعجابها فتقرأ مرة أخرى.
"فارينكا، بمنديلها الأبيض مغطياً شعرها الأسود، ومحاطة بالأطفال الذين تنشغل بهم بمتعة ومرح، ومشدودة، في الوقت نفسه، وبشكل واضح، إلى احتمال أن يأتيها عرض زواج من رجل تهتم به، فارينكا بدت جذابة. مشى كوشنيشيف بجانبها واستمر يرمقها بنظرات الإعجاب. بالنظر إليها تذكر كل الأشياء الجميلة التي سمعها من شفتيها، كل طيب عرفه عنها، ثم احتدم وعيه بأن كل ما لديه من شعور نحوها كان نادراً، شعور أحس به مرة واحدة فقط من قبل، منذ وقت طويل، طويل، في صباه المبكر. متعة البقاء قربها تزايدت تدريجياً، ووصلت أخيراً إلى ذلك الحد الذي جعله، وهو يضع في سلتها فطر بتولا ضخم بعود نحيل وملتو في أعلاه، ينظر إلى عينيها ويشعر، حين لاحظ ارتباكة تشيع في وجهها وتمزج الفزع بالفرح، بالارتباك هو نفسه. فما كان منه إلا أن منحها بصمت ابتسامة قالت الكثير والكثير".
تلك الكتلة من الطباعة تفترش "الكاونتر"، إلى جانب نسخ قديمة من المجلات، وبعض الصفحات من الصحف، والفتيات بالبكيني.
حان الوقت الآن لكي تغادر ملاذها في متجر الهندي وتنطلق عائدة لتقطع الأميال الأربعة إلى قريتها. في الخارج كانت طوابير النساء المنتظرات تتعالى أصواتهن باللغط والاحتجاج. لكن الهندي ينتظر. إنه يعلم أي عناء ستلقاه الفتاة العائدة إلى بيتها بطفليها الملتصقين بها. يود أن يعطيها قطعة النثر التي تدهشها، ولكنه لا يستطيع أن يصدق أن كسرة الفتاة تلك ببطنها المنفوخ يمكنها أن تفهمها.
ما الذي يا ترى جعل ثلث "آنا كارنينا" يلتصق بهذا "الكاونتر" في متجر هندي ناء؟ ما حدث هو التالي:
لقد حدث أن موظفاً رفيعاً من موظفي الأمم المتحدة ابتاع نسخة من الرواية من المكتبة عندما بدأ سلسلة من الرحلات عبرت به العديد من المحيطات والبحار. في الطائرة وأثناء جلوسه مرتاحاً على مقعده في درجة رجال الأعمال مزق الكتاب إلى ثلاثة أجزاء. نظر إلى المسافرين الآخرين حوله أثناء قيامه بذلك متوقعاً أن يجد نظرات تعبِّر عن الصدمة والاستغراب وإن لم تخل من متعة. وحين ارتاح في مقعده، حزامه مربوطاً، قال بصوت عال لكل من يمكنه سماعه: "أنا أفعل هذا دائماً حين أكون في رحلة طويلة. لا يمكنك أن تحمل كتاباً ثقيلاً". كانت الرواية ذات غلاف ورقي رقيق، ولكنها كانت فعلاً رواية طويلة. كان الرجل معتاداً على استماع الناس إليه حين يتحدث. وحين نظر الناس إليه، سواء استغربوا أم لم يستغربوا، أسر إليهم: "ليس كذلك، إنها في الحقيقة الطريقة الوحيدة للسفر".
حين وصل نهاية أحد أجزاء الكتاب طلب المضيفة وأرسل ذلك الجزء إلى مساعده الذي كان يسافر معه على المقاعد الأرخص. وكان الكثير من الاهتمام والشجب وبالتأكيد الاستغراب يظهر كلما وصل جزء من الرواية الروسية العظيمة ممزقاً، وإن بشكل مقروء، إلى القسم الخلفي من الطائرة.
في تلك الأثناء، في المتجر الهندي أسفل، تقف الشابة ممسكة ب"الكاونتر"، أطفالها يمسكون بتنورتها. إنها تلبس "الجينز" لأنها فتاة عصرية، ولكنها فوق "الجينز" تلبس تنورة صوفية ثقيلة، جزء من اللباس التقليدي لأهلها: بإمكان أطفالها الإمساك بذلك الجزء، بتلك السفطات المتينة.
ترسل نظرة امتنان إلى الهندي الذي تعلم أنه يكن لها الود وأنه يحزنه أمرها، وتخرج بعد ذلك إلى سحب الغبار المنبعثة. لقد تعداها الأطفال باكين بحناجر يملؤها الغبار.
كم هو قاس كل ذلك، أجل قاس، هذا المشي، هذه القدم التي تتبعها أخرى، عبر الغبار الراقد تحت الأكوام الناعمة والخادعة تحت قدميها. قاس، قاس - ولكنها اعتادت القسوة، أليس كذلك؟ ذهنها مشغول بالقصة التي كانت تقرؤها. إنها تفكر: "هي مثلي لا أكثر، بغطاء رأسها الأبيض، وهي أيضاً تعتني بأطفال. كان يمكن أن أكونها، تلك الفتاة الروسية. والرجل هناك، إنه يحبها وسيطلب منها أن تتزوجه. (لم تنه أكثر من تلك الفقرة). أجل، وسيأتي رجل لي، ويأخذني بعيداً عن كل هذا، يأخذني ويأخذ الأطفال، أجل سيحبني ويعتني بي".
تفكر. قال معلمي إنه توجد مكتبة هناك، أكبر من "السوبر ماركت"، مبنى كبير، ومملوء بالكتب. تبتسم المرأة وهي تمضي، والغبار يهب على وجهها. إنني ذكية. الأذكى في المدرسة. أطفالي سيكونون أذكياء، مثلي. سآخذهم إلى المكتبة، المكان المليء بالكتب، وسيذهبون إلى المدرسة، وسيصيرون معلمين - معلمي قال لي إنني يمكن أن أكون معلمة. سيعيشون بعيداً عن هنا، يكسبون المال. سيعيشون بالقرب من المكتبة الكبيرة ويستمتعون بالحياة الطيبة.
قد تتساءل الآن كيف انتهت تلك الرواية الروسية على ذلك الكاونتر في المتجر الهندي؟
قد تكون تلك مادة قصة جميلة. قد يرويها أحد ما.
تمضي تلك الفتاة المسكينة، تسندها أفكار عن الماء الذي ستعطيه أطفالها عندما تصل المنزل، وتشرب هي أيضاً. تمضي عبر الغبار المخيف في الجفاف الإفريقي.
إننا قوم منهكون، نحن في عالمنا - عالمنا المهدد. نجيد السخرية بل والاستهزاء. لم نعد نستعمل بعض الكلمات والأفكار، فقد أنهكت. ولكن ربما استعدنا بعض تلك الكلمات التي فقدت إمكاناتها.
لدينا خزينة من الأدب، تمتد إلى المصريين، واليونانيين، والرومان. كلها هناك، كل تلك الثروة من الأدب، لكي يكتشفها المرة تلو الأخرى ذلك المحظوظ الذي يقع عليها. افترضوا أن تلك الثروة لم توجد. كم سنكون فقراء، وجوف.
لدينا إرث من القصص، حكايات من الرواة الأقدمين، بعضهم نعرف أسماءهم، والبعض لا. القاصون يوغلون في القدم، يمضون إلى فسحة في الغابة تشتعل فيها نار عظيمة، والكهنة يرقصون ويغنون، ذلك أن تراثنا يبدأ بالنار، بالسحر، بعالم الروح. وفي ذلك العالم ما يزال تراثنا حتى اليوم.
أسألوا أي من القاصين المعاصرين وسيقولون لكم إن ثمة لحظة يحسون أثناءها بأن النار لامستهم، بما يحلو لنا أن نسميه إلهاماً، وهذا يعود إلى البعيد، إلى بدايات جنسنا البشري، إلى النار والثلج والرياح الهائلة التي شكلتنا وشكلت عالمنا.
القاص كامن في أعماق كل منا. صانع الحكاية دائماً معنا. لنفترض أن عالمنا هاجمته الحرب، بأشكال الرعب التي يمكننا جميعاً أن نتخيلها. لنفترض أن الفيضانات اجتاحات مدننا، أن البحار علت... سيبقى القاص هناك، ذلك أن مخيلاتنا هي التي تشكلنا، تحفظنا، تخلقنا - سواء كان ذلك لمصلحتنا أم لا. إنها قصصنا التي ستعيد خلقنا، حين نتمزق، نتألم، أو حتى نُدمَّر. إنه القاص، صانع الأحلام، صانع الأساطير، هو الذي سيكون فينيقنا، الذي يمثلنا بأفضل ما لدينا، وفي أكثر حالاتنا إبداعاً.
تلك الفتاة المسكينة تمشي مجهدة عبر الغبار، تحلم بالتعليم لأطفالها، هل نظن أننا أفضل منها - نحن، المتخمين بالطعام، المملوءة خزائننا بالملابس، المختنقين بما يفيض عنا؟
أعتقد أن تلك الفتاة والنساء اللائي يتحدثن عن الكتب وعن التعليم على الرغم من أنهن لم يأكلن لمدة ثلاثة أيام، هن من قد يحدد هويتنا.
(1) لسنغ كاتبة روائية بريطانية ولدت في بلاد فارس (إيران حالياً) عام 1919لأبوين إنجليزيين وعاشت فترة حياتها الأولى في روديسيا (زيمبابوي حالياً)، من أشهر أعمالها رواية "المذكرات الذهبية" (1962). وتعد من رائدات الكتابة النسوية في الآداب الغربية، فازت بجائزة نوبل لعام 2007وهي المرأة الحادية عشرة التي تفوز بالجائزة منذ تأسيسها قبل 106أعوام كما أنها الأكبر سناً بين الفائزين بجائزة الأدب.