بحث



الخميس 1 المحرم 1429هـ( أم القرى )- 10 يناير 2008م - العدد 14444

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


موت الرواية

د. عبدالله ابراهيم
    في محاضرة القتها في دمشق مؤخراً قالت الباحثة الفرنسية "ايزابيل هوسير" ان القرن الحالي" قد يشهد موت الرواية التي تعد من اهم الاجناس الادبية نتيجة تراجع الجانب المتخيل فيها لصالح الجانب العقلي والواقعي. واضاف شهد القرن السابع عشر تغيراً كبيراً في شكل الرواية ومضمونها، حيث انحسرت الروايات البطولية لتنتشر الروايات الصغيرة ذات الطابع الغرامي، وبدأت قواعد علم الجمال تحل محل الخيال، وتم تقليص الرواية وتأطيرها من خلال اضافة مقدمة ونص حواشي لها اضافة الى تحديد موضوعاتها. ثم خلصت الى ان الرواية لن تستمر بالتأقلم مع الحداثة بشكلها الحالي، وقد تختفي كما اختفت الملحمة، غير ان المتخيل قد يأخذ شكلاً جديداً بعيداً عن الرواية الحالية مشيرة الى ان الانسان لا يستطيع الحياة دون وجود جانب تخيلي في حياته.

هذه الفكرة التي اثارتها ايزابيل هوسير مهمة جداً لانها تثير امرين متلازمين امكانية افول النوع الروائي ثم قضية الخيال وهذان الموضوعان اثيرا كثيراً في سياق نظرية الانواع الادبية، وفي سياق وظيفة الرواية فقد اكد "فاولر" ان تاريخ الجنس الادبي يمر بمراحل ثلاث: في الاولى: يتجمع مركب من العناصر يتبلور منها نوع له شكل محدد، وفي الثانية: يستقيم ذلك الشكل بقواعده فيحاكيه المؤلفون بوعي مع المحافظة على السمات العامة له وفي المرحلة الثالثة والاخيرة قد يلجأ المؤلفون الى استخدام شكل ثانوي في ذلك النوع بطريقة جديدة فينحسر الشكل الاساس له ويتوقف وينبثق نوع جديد. وهذه المراحل قد تتداخل فيما بينها وربما تظهر في نص واحد وافضل وصف لتعاقب تلك المراحل هو القول بأنها اشبه بسلسلة من العلاقات بين الجنس الادبي والنموذج والصياغة المجردة ففي المرحلة الاولى لا يوجد بعد نموذج مكافئ او وصف نقدي للجنس، والامر انما هو مسألة انصياع غير واع للنوع الخارجي او للمحاكاة بالمعنى الشائع ومع المرحلة الثانية يعطى الجنس الادبي اسماً، وتفهم متطلباته وشروطه وفي المرحلة الاخيرة يميز النقد تنوعات الجنس الادبي وتفرعاته الى انواع.

هذا التفاعل المتطور بين قاعدة معيارية وتجليات نصية تتغذى منها لا يكشف لنا فقط فكرة تشكل النوع وتفككه، انما يكشف الترابط الحر، وغير المقدس والمتجدد بين اطار عام للتعبير يتوفر على قواعد عامة ونصوص تجاورها فتندرج فيها وتمتثل لها فتكون جزءاً منها وتتقاطع معها فتتمرد عليها لتبذر نوعاً مختلفاً وطبقاً لهذا التصور فلا يستبعد امر افول الرواية بشكلها المعروف حالياً، وظهور اشكال مغايراً والحال ان الرواية لم تعرف منذ اول ظهورها شكلاً ثابتاً ونهائياً ومتفقاً عليه انما هي اشكال متحولة.

اما الصلة بين الرواية والخيال فموضوع تطرق اليه "ميلان كونديرا" الذي ذهب الى ان الرواية انجاز تاريخي من انجازات اوروبا، وتاريخها لصيق ومواز لتاريخ الازمنة الحديثة التي افرزت حالة انسانية منقسمة على نفسها وذلك حينما اختزلت الانسان الى مكون عقلي محض واعلت من شأنه بوصفه كائناً مفكراً كما خلصت الى ذلك فلسفة، ديكارت. وهذا الاهتمام الاستثنائي ببعد واحد من ابعاد الانسان طمس كينونته وجردها من سماتها المتنوعة، وكتحد لهذا الاغفال والاستبعاد الذي صار امراً واقعاً بسبب شيوع العقلانية الصارمة، ظهرت الرواية الاوروبية، مع ثربانتس من اجل استكشاف هذه الكينونة المنسية فمؤسس الازمنة الحديثة ليس ديكاكرت فحسب بل "ثربانت" وتاريخ الرواية الغربية كما يراه "كونديرا" انما هو تاريخ النسيان، او ذلك الجانب الذي اخفقت العقلانية في ادراجه ضمن تصوراتها للعالم، فهي الفن الذي يؤرخ سردياً للتقلبات والانهيارات والانقسامات السرية والمطمورة التي تعجز تلك الفلسفة عن ملامستها وتنظيمها.

تملك الرواية شغفاً بمعرفة حياة الانسان وصونها وحماية كينونته من النسيان، وبذا فوظيفتها اخلاقية ف"كونديرا" يوافق "هرمان بروخ" في رأيه القائل: ان سبب وجود الرواية الوحيد هو استكشاف ما تستطيع الرواية وحدها دون سواها اكتشافه. والرواية التي لا تكشف جزءاً من الوجود ظل مجهولاً الى الآن، هي رواية لا اخلاقية. المعرفة هي القيمة الاخلاقية الوحيدة للرواية وهذا الامر هو الذي جعل "كونديرا" يقدم تفسيراً لتاريخ الرواية واستمراريتها يأخذ مضمونه من عملية الكشف الدائم عما هو مغيب ومجهول فتاريخها تاريخ كشف، وهي تتوقف اذا عجزت عن ذلك، يمكن ان تظهر روايات تندرج ضمن شروط النوع الروائي، لكنها تكرار محض لغيرها. فتقدم الرواية مقترن بقدرتها على الاستكشاف وهذا الامر بذاته، هو الذي يخلع عليها وظيفة اخلاقية، لانها اعادت الاعتبار للكينونة التي همشت وطوى ملامحها النسيان. فإذا كان تاريخ الغرب الحديث، هو تاريخ المدونة الفلسفية منذ "ديكارت" و"سبينوزا" و"لايبنتز" وصولاً الى "كانت" و"هيغل" و"ماركس" فإن الوجه السري المستبعد لهذا التاريخ هو "المدونة السردية" التي دشنها "ثربانتس" ثم "رابليه" و"ستيرن" وطورها "بلزاك" و"فلوبير" وقطف ثمارها "جويس" و"بروست" و"كافكا" فثمة خطان متوازيان، الاول: هيمن واستبد وانتزع الاهتمام وصاغ افق الازمنة الحديثة ظاهرياً، والثاني: نهض لمقاومة النسيان الذي فرضه الخط الاول. فتاريخ الرواية انما هو دفع متصل لمقاومة طمس الانسان، وهو ينتهي حينما لا يكون هناك ما يمكن كشفه.

تعليق واحد
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


الله يرحمها بواسع رحمتة ويخفف عنها عذاب القبر؟


لمن يجرؤا فقط !!!( الرياض )
ابلاغ
02:47 مساءً 2008/01/10


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية