المشاعر المقدسة .. أحياء سكنية في موريتانيا
"عرفات"، و"منى"، و"المزدلفة"، و"مقام إبراهيم"، و"المشعر الحرام"، و"البلد الحرام"، و"الصفا"، و"المروة"، و"زمزم"، أسماء عرفت على نطاق واسع عبر العالم الإسلامي، لارتباطها بأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو الحج إلى بيت الله الحرام، وارتبطت في أذهان المسلمين بالقداسة والبركة والإجلال.
هذه المواضع معلومة المكان في "مكة المكرمة" حيث يؤدي المسلمون مناسك الحج سنوياً وفقاً لمقيات زماني معروف، وميقات مكاني محدد، لكن الموريتانيين الذين يعيشون على بعد آلاف الكيلومترات من هذه المشاعر المقدسة، كانت قلوبهم متعلقة بها، فاختزلوا المسافات الطويلة، وأطلقوا أسماء لتلك الأماكن على مواقع يمرون بها يومياً ويقيمون فيها ويعيشون حياتهم العادية، فباتت مسميات الشعائر المقدسة تنتشر في كل زاوية من الأراضي الموريتانية، ففي قلب العاصمة نواكشوط يوجد أكبر حي يحمل اسم "عرفات"، وعلى بعد أقل من خمسة كيلومترات من الضاحية الشرقية للعاصمة، يوجد حيان هما "مقام إبراهيم" و"منى"، وفي الجنوب من العاصمة يوجد "المشعر االحرام" و"المزدلفة"، وتقع "الصفا" على بعد 42كلم من العاصمة، بينما تبعد "المروة" عنها 240كلم.
أما "البلد الأمين" فيبعد عن نواكشوط حوالي 35كيلومتراً باتجاه الشرق، و"أم القرى" تبعد عنها حوالي 50كيلومتراً، و"زمزم" و"بئر الرحمة" توجدان في وسط البلاد، وحتى اسم "المدينة المنورة" أوجدها الموريتانيون بينهم، فكانت على مشارف نواكشوط على بعد 47كلم، وأطلقوا على بعض مقابرهم "البقيع"، حيث دفن شهداء غزوة أُحد وبعض أكابر الصحابة رضوان الله عليهم.
وحتى لا يستنسخ الموريتانيون أسماء الأماكن المقدسة من الأراضي السعودية دون غيرها، ولكي يكونوا قريبين منها استنسخوا أماكن أخرى من المملكة، فكانت "الرياض" و"جدة" و"الطائف" أحياء من العاصمة الموريتانية، وقرى غير بعيدة منها.
عبدالله أحد سكان قرية "المزدلفة"، يقول: إن قريته عرفت منذ فترة طويلة بهذا الاسم، وان سكانها المؤسسين اختاروا لها هذا الاسم تيمناً باسم "المزدلفة" التي تقع في البقاع المقدسة، وهي أرض حرام عظمها الله وأجل شأنها، لذا لا غرابة في أن يتيمن المسلمون باسمها ويسموا قراهم وأحياءهم كما يسمون أبناءهم محمد وأحمد وأبوبكر وعمر وعثمان وعلي، ويضيف "نريد على الأقل أن تبقى هذه الأماكن المقدسة حاضرة في أذهاننا، فمن استطاع منا الحج زارها حيث هي حقيقة مقدسة ومكان للعبادة، أما العجزة فيتعزون بهذه المسميات، ويتسلون بها شوقاً إلى تلك البقاع المقدسة، أملاً في أن يزوروها ذات يوم ملبين نداء أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام".أما فاتو، وهي عاملة منزلية تسكن حي "عرفات" بضاحية نواكشوط، فإنها تعترف بأنها لم تكن تعلم ما هي "عرفات"، ولم تسمع أبداً بها قبل إقامتها في هذا الحي في نواكشوط منتصف الثمانينيات، ويقول أحد الباحثين الاجتماعيين إن هذه الأسماء بدأت تظهر في نهاية سبعينيات القرن الماضي، وهي تعبير واضح عن مدى تعلق الموريتانيين بتلك البقاع المقدسة وما حولها، مضيفاً أنه من الطبيعي أن يسمي الناس أبناءهم على من يتعلقون بهم ويعجبون بسيرهم وأعمالهم، ومساكن الناس وقراهم جزء من حياتهم اليومية، يتخيرون لها الأسماء كما يتخيرونها لأبنائهم وبناتهم.