الرئيس سوهارتو اسم ارتبط في الذاكرة الاندونيسية الجنائزية الحزينة منذ قيامه بانقلاب عام 1965، وهو جنرال بالجيش.
أستمر الرئيس الأسبق لاندونيسيا الذي يعيش هذه الأيام حالة صحية صعبة، في السيطرة على البلاد لعقود بقبضة فولاذية ممسكاً بتلالبب السلطة.
ويبدو أن الأضواء قد تعهدت للرئيس سوهارتو بألا تنحسر عنه. فالرجل الذي كان ملء السمع والبصر طوال 33عامًا حكم بها إندونيسيا. وقد عادت صورته من جديد لتتصدر الصحف بعد أن نقل قبل يومين للمستشفى في حالة حرجة. ويأبى سوهارتو إلا أن يعيش في الأضواء حتى في مرضه فقد قضت محكمة إندونيسية بتغريم مجلة تايم (النسخة الآسيوية) مؤخراً 111مليون دولار بداعي تشهيرها بالرئيس الذي أجبر على التنازل عن منصبه عام 1998م.
والقضية أن المجلة نشرت مادةُ صحفية في طبعتها الآسيوية عام 1999ذكرت فيها أن الرئيس السابق وضع يده على 15مليار دولار من أموال شعبه، وأنه يحتفظ بما يعادل 9مليارات دولار في أحد البنوك بأستراليا. وقد رفضت محكمتان إندونيسيتان النظر في القضية، فيما وصفت المحكمة المركزية الكبرى في جاكرتا المادة الصحفية بالمتوازنة والمسؤولة والمتعلقة بشأن عام. وقد استعر الجدل بعد أن تقدّم سوهارتو بشكواه، حيث رأى البعض أن المجلة أظهرت المُدعي كرجلٍ جشع، فيما بررت المحكمة الكبرى قرارها لصالحه بأن المادة الصحفية شوّهت سمعته. وكانت هذه المحكمة قد أمرت طاقم تحرير النسخة الآسيوية من المجلة وخمسة أفرادٍ آخرين من طاقم العمل في الإصدار الأمريكي بدفع الغرامة، مع العلم أن اثنين فقط من جميع المذكورين لا يزالون يقيمون في إندونيسيا حتى الآن.
إن مجلة تايم لن تكون أول مطبوعة تتحدث عن فساد سوهارتو، ولن تكون الأخيرة. فقد كانت صحيفة "نيويورك تايمز" قد تحدثت بالتفصيل عن الموضوع في شهر يونيو الماضي حينما نقلت مخاوف البنك الدولي من الاختلاسات المستمرة في المجتمعات النامية واصفةً إياها ب "المشكلة الخطيرة" التي تكلف الدول 1تيرليون دولار سنويًا. بيد أن سوهارتو أحد 10زعماء معروفين بأنهم اختلسوا مبالغ مالية كبيرة من بلدانهم. وفي الفترة التي كانت إندونيسيا فيها تواجه مشاكل مالية جمة عام 1998، كان سوهارتو وأسرته يسيطرون على الفنادق ومحطات التلفزة وخطوط الطيران والطرق السريعة عبر البلاد. فيما نشر البنك الدولي تقريرًا لمنظمة الشفافية الدولية، المختصة بملاحقة موضوعات الفساد، قدرت فيه المبالغ المختلسة في إندونيسيا بما بين 15إلى 35مليار دولار في سوقٍ تبلغ طاقته 86مليار دولار. إن القرار الذي أصدرته المحكمة لهو تهديدٌ لحرية الصحافة. وهو يجعل من جهود إندونيسيا الرامية لخلق مجتمعٍ ديموقراطي عبثيةً. كما أنها ستقطع الطريق على الحكومة نفسها في حال إن فكرت باستعادة ما سرقه سوهارتو من أموال الشعب. إننا نتمنى لو أُنزل العقاب بالرئيس وأعوانه ممن نهبوا البلاد بدل أن تكون محاولة كشف الفاسدين قضيةً جدليةً في هذه البلاد.
يقول أحد أصدقاء سوهارتو ) 68عامًا) إن ديكتاتور إندونيسيا السابق الذي أقسر على التنحي قبل عشر سنين يقضي معظم أوقاته وحيدًا في غرفة جلوسٍ لا يستقبل فيها إلا عددًا بسيطًا من الأصدقاء ولا يصدر أي بيانات صحفية موليًا جل اهتمامه على نوعية طعامه خوفًا على معدته الحساسة من الاضطرابات.
اشتهر سوهارتو خلال فترة حكمه التي دامت 32سنةً بابتسامته الغامضة التي كانت تعلو وجهه حينما يُوجه إليه اتهامٌ ما. أما اليوم، وبعد أن أدى تقدمه بالعمر لاهتزاز قدراته العقلية، فقد تبدد أثر الغموض من ابتسامته، وأصبحت علامات الحيرة فيها أوضح من أن تُقال. كانت هذه هي الصورة التي رسمها المؤلف وصديق الرئيس:ريتناواتي عبدالغني، والذي لم ينقطع عن زيارة سوهارتو منذ خروج الأخير من السلطة. و رغم مرور فترةٍ طويلة على خروج الحشود إلى الشارع ومطالبتها بشنقه، إلا أنه بقي عصيًا على النسيان بسبب جبروته وعدم تمييزه بين جيبه الخاص وميزانية الدولة!. الغريب أن الرجل فاحش الثراء اختار نمط عيشٍ خامل في حيٍ هادئ داخل مدينةٍ صاخبة. تقول زوجة عبد الغني أظن أنه يعاقب نفسه بهذه العزلة. فهو يفعل كل هذا بإرادته الشخصية. وإلا، فما الذي يمنعه من مغادرة المنزل؟". بيد أن السؤال لا يزال مطروحًا حول مصير أمواله و الدور الذي يمكنها لعبه في (مشروع) التوبة. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي قد أدرجتا اسم سوهارتو في قائمة العشرة الأكثر اختلاسًا في العالم. حيث قدرت منظمة الشفافية الدولية ما سرقه الرئيس المخلوع من ميزانية بلاده بما بين 15إلى 35مليار دولار. ولم تتعافَ إندونيسيا حتى الآن من المبالغ التي اختلسها الرئيس السابق الذي وصفه الأطباء بثقيل السمع بطيء الفهم، بحكم سنه الكبير. مما جعل المحاكم تتعامل معه برفقٍ و رويّة.
ويتذكر الجميع التهمة الإجرامية التي أُسقطت عنه عام 2000بداعي معاناته من متاعب ذهنية. إلا أن البعض يقول ساخرًا بأن عقله يعود إلى العمل بكفاءة حينما يُقام زواجٌ عائلي أو حفل عيد ميلاد في محيط الأسرة. أما اليوم فهو يواجه قضايًا مرفوعةً ضده بتهمة اختلاس 15مليار دولار إبان رئاسته للدولة التي تمتع خلالها بنفوذٍ لا يزال يحتفظ ببعضٍ منه حتى الآن بعد اختفاء مستنداتٍ تدينه من مكتب المدعى العام. هذا فيما يتعلق بقوته خارج نطاق القانون، أما في القانون فقد ربح بشكلٍ مفاجئ قضيةً رفعها على الطبعة الآسيوية من مجلة تايمز بدعوى اتهامها له بسرقة مليارات الدولارات. وقد أتى الحكم بتعويضه 1تريليون روبية إندونيسية ( 106ملايين دولار) تدفعها المجلة له بسبب نشرها مادةً صحفية عام 1999تشير إلى مصدر المليارات التي يمتلكها هو وأسرته. أما القضاء فلا يبدو متحمسًا لمحاكمته، ولعل السبب يعود لهيبته التي لا يزال محتفظًا بها حتى الآن. وكذلك لأن العديد من السياسيين الممسكين بالسلطة اليوم يدينون بالفضل له فيما وصلوا إليه ونالوه من مناصب سياسية ومشاريع تجارية ونمط عيشٍ رغيد. يقول الخبير السياسي دويي فورتونا "لا شك أنه قدّم خدماتٍ طيبة لإندونيسيا خلال فترة حكمه. كما أن العديد من السياسيين المسيطرين على المشهد المحلي اليوم قد خرجوا من عباءته. ولهذا فإن الكثيرين لا يزالون يحملون له مشاعر تقدير ويستصعبون رؤيته خلف القضبان".
ولعل أوضح دليل على هذا هو ما كتبته مجلة "تيمبو" عن محاولة الحكومة إيقاف سوهارتو واصفةً المشهد ب "نباح الكلب على الفيل".
كما لا يزال بعض الأهالي حريصين على الخروج إلى الشوارع يوم عيد ميلاده وفي عيد الفطر حاملين صورته كعلامة احترامٍ له. أما الرئيس الإندونيسي الحالي سوسيلو بامبانغ يوديونو، والذي كان جنرالاً إبان ترؤس سوهارتو للدولة، فلا يسميه إلا "رئيسي" ويسارع لزيارته في المستشفيات حينما تلحق به وعكةٌ صحية كما فعل عام 2005.يذكر أن سوهارتو أدخل المستشفى مرات عديدة في السنوات القليلة الماضية بعد اصابته بعدة انتكاسات صحية كان أخطرها جلطة في الدماغ.