د. عبدالرحمن يحيى القحطاني
كنت قد أشرت في تصريح لي حول مقاضاة وزارة الصحة لشركات صناعة التبغ (مطلع هذا الأسبوع بالصحيفة)، بأنها أحد أهم قضايا المحاكم حساسية في تاريخ المملكة المعاصر، وأضخمها من حيث التعويضات التي تطالب بها الوزارة والتي تقدر بالمليارات. وذلك نابع كون وزارة الصحة تواجه خصماً شرساً، يتقن أساليب المراوغة والتضليل في المحاكم، بل وإجهاض الدعاوى في كثير من الأحيان!!، وهو أيضا يعمل بشكل منظم، ويمتلك الكثير من الإمكانات والخبرات. يضاف لذلك أنه يمثل إخطبوطاً اقتصادياً عالمياً له أسلحته وعتاده الذي لا يستهان به. وفي البعد الآخر، فالقضية تتعامل مع أحد أخطر مهددات الصحة بالمملكة، وتمس معظم شرائح المجتمع، كما تلامس مباشرة همومنا الصحية والاقتصادية والاجتماعية.
والمتابع لهذه القضية، التي بدأت أُولى مرافعاتها في شهر شعبان الماضي، يجد نوعا من القصور في التغطية الإعلامية لها، والتي أراها وطنية بكل المقاييس والمعايير!!. وقد يكون سبب ذلك القصور نابعاً من وزارة الصحة في التعريف بهذه القضية وأبعادها الصحية والاقتصادية والسياسية على البلد، إضافة إلى أن هذا النوع من المقاضاة غير معتاد، وغير واضح المعالم لدى الكثير من أفراد المجتمع، وقد يكون أحد الأسباب الرئيسة في ذلك ندرة المصادر التي تتحدث حول هذا الحدث في العالم العربي.
ونظراً لأهمية القضية وأبعادها الوطنية، فإني أوجه دعوة لجميع العاملين في الإعلام بوسائطه المختلفة المسموعة والمقروءة والمرئية - رجالا ونساء بما فيهم الأئمة والخطباء للاهتمام بتغطية هذا الحدث الحرج والشائك!!. ولن أفتي في مجال اختصاص الإعلاميين بكيفية تغطية هذا الحدث، فهم أكفأ مني وأقدر على ذلك. ولكن من باب التذكير (والذكرى تنفع المؤمنين) فمن الأبواب المعتادة عقد لقاءات وحوارات مع أصحاب القرار وذوي الشأن بهذه الحادثة في وزارة الصحة وعلى رأسهم معالي وزير الصحة والزملاء في الإدارة القانونية، وكذلك الزملاء القائمون على برنامج مكافحة التدخين بالوزارة. ومما لاشك فيه فإن إدارة الإعلام الصحي ستكون جاهزة للتعاون مع الإعلام أمام هذا الحدث. وآمل أن نجد من قنواتنا الإعلامية المرئية من تسعى لبناء فيلم وثائقي حول ذلك يبرز حجم كارثة تعاطي التبغ بالمملكة، وطرق شركات التبغ في الترويج لهذه السلعة واستهدافها للناشئة من كلا الجنسين، علاوة على تغطية المقاضاة وأبعادها، والتجارب الدولية في هذا المجال.
واعتقد أنه من الضروري - للإعلاميين - الاطلاع على وثائق منظمة الصحة العالمية حول التجارب الدولية في مقاضاة شركات التبغ والتعرف على أساليبهم في التهرب منها أو إجهاضها، إضافة إلى الإطلاع على نماذج من خفايا المستندات السرية لتلك الشركات في دول الإقليم، التي سبق وأن أفرجت عن بعضها شركات صناعة التبغ أثناء عملية التقاضي في ولاية مينيسوتا بالولايات المتحدة!!.
ومن تلك الوثائق المهمة، ما أعده مكتب منظمة الصحة العالمية لشرق البحر المتوسط باللغة العربية في إحدى خطواته المميزة لتحليل مستندات صناعة التبغ، والتي منها وثيقة "صوت الحقيقة" المؤلفة من جزءين يمثلان أدلة جديدة للأعمال الخفية التي تديرها تلك الشركات في دول الإقليم ومنها دول الخليج. وكذلك وثيقة "العدالة في دعم الصحة" التي تتحدث عن التجارب الدولية في مقاضاة شركات التبغ. ويمكن تحميل تلك الوثائق من موقع مكتب المنظمة على الانترنت (www.emro.who.int/arabic)، بالإضافة لوجود أيقونة بمسمى "مبادرة التحرر من التبغ" على نفس الرابط تحوي معلومات قيمة حول آليات وبرامج مواجهة جائحة التبغ، وأساليب شركات التبغ في مواجهة وتقويض تلك الأنشطة.
ننتظر الكثير من الأجهزة الإعلامية وقادة الرأي الذين اعتدنا منهم التعامل بجدية مع مثل هذه الأحداث الوطنية - وبأن يقوموا بدورهم في مساندة وزارة الصحة، وتبصير المجتمع بذلك.
@ خبير تعزيز الصحة