جريدة الرياض اليومية

الأثنين 29 ذي الحجة 1428هـ( حسب الرؤية )- 7 يناير 2008م - العدد 14441
[ الأولـــى | متابعات | شؤون دولية | محليات | لقاء | مقالات اليوم | طــب | ثقافة اليوم | الرأي | الرياض الاقتصادي | تقنية المعلومات | دنيا الرياضة | الكاريكاتير | محطات متحركة | الأخــيــرة | الصحفي الإلكتروني | ]
رؤية
مؤشرات حضارية

رجا ساير المطيري

لن نأتي بجديد إذا أكدنا على الفارق الحضاري الذي يفصل بين الغرب وبين العالم الإسلامي في ميادين الفكر والثقافة، وذلك لأن المؤشرات التي تدل على هذا الفارق كثيرة وهي من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى مزيد من التوضيح، فالناظر إلى تاريخ الغرب الفلسفي والأدبي والفني والصناعي، وإلى الأفكار التي أنتجها العقل الغربي في القرون الماضية والتي أحدثت انقلابات مفصلية في تاريخ البشرية، سيدرك أن أي محاولة لإنكار هذا الفارق ستكون ضرباً من العبث لن يجرؤ عليها إلا من أعمى الله بصره وبصيرته فأصبح ينكر حتى وجود الشمس المتوهجة في كبد السماء.

والمؤشرات لهذا التميز تختلف في درجاتها من مؤشرات كبرى واضحة إلى أخرى أصغر وأدق، فالمؤلفات الفكرية العظيمة التي أحدثت فعلها في مسيرة التاريخ، والرصيد الفني الضخم وما يحمله من روائع في المسرح والأدب والموسيقى والرسم والسينما، إضافة إلى القفزات الصناعية الكبرى، كلها تنتمي إلى المؤشرات الواضحة التي تقف في وجه كل من يحاول التقليل من الأثر الذي تركه الغرب على حياة البشر، وفي المقابل هناك مؤشرات أخرى صغيرة لا تبدو بذلك الوضوح إلا أن وجودها في أيامنا هذه يثبت استمرار التطور الحضاري للغرب ويبرر هيمنته الثقافية على العالم المعاصر؛ ذلك أنها علامات على نضج عقلي وتنوع معرفي وعمق ثقافي تتمتع به الحضارة الغربية.

وقد نختلف في قيمة هذه المؤشرات وأهميتها، إلا أن الأكيد أننا لن نتجاوزها مهما اختلفنا حولها، ومن هذه المؤشرات البسيطة موقع (موسوعة الويكيبيديا) على الإنترنت، وهي موسوعة مفتوحة يستطيع أي متصفح أن يشارك في تحريرها وتزويدها بالمعلومات في شتى المجالات المعرفية وبجميع اللغات الحية، وقيمة الموسوعة تكمن في كونها مؤشراً للحالة الثقافية لأي شعب من الشعوب وذلك عبر قياس دقة وحجم المعلومات المدرجة بكل لغة ومقارنتها بما هو مدرج في اللغات الأخرى، ولو اتبعنا هذا المؤشر لوجدنا فرقاً مهولاً يفصل العرب عن بقية شعوب العالم، حيث لا تغطّي المعلومات المدرجة باللغة العربية سوى عدد قليل من فروع المعرفة مع خلو من العمق وكثرة في الأخطاء، ما جعلها عرضة لتدخل إدارة الموقع بشكل متكرر، في حين تقف اللغة الإنجليزية في صدارة اللغات وبحجم ضخم من المعلومات الدقيقة، مع ثبتٍ للمراجع، وفي هذا دليل على وجود الفارق لصالح الغرب طبعاً، وذلك لأن إدراج المعلومات في هذه الموسوعة يتم بشكل تطوعي بلا مقابل، والأمة التي يتطوع أفرادها ومؤسساتها الخاصة لكتابة حجم من المعلومات كهذا، مجاناً، هي بلا شك أمة عظيمة.

المؤشر الثاني هو عدد الطبعات للكتاب الواحد، فهذا العدد من أدق المؤشرات الحضارية وأصدقها، فزيادة العدد تدل على حالة منتعشة للكتاب وما يتبعها من انتعاش للفكر والثقافة، والعكس يثبت التخلف، والعالم العربي في هذا الإطار ليس بحاجة لإثبات تخلفه، فالشق أكبر من الرقعة كما يقال، وأبلغ دليل على هذا هو أن تتأمل الكتب العربية الموجودة في مكتبتك -إن كنتَ تمتلك مكتبة أصلاً!- وستجد أن أغلبها يحمل رقم الطبعة الأولى، وكما هو معروف فإن عدد النسخ المطبوعة لأي كتاب عربي لا يتجاوز الثلاثة آلاف نسخة للطبعة الواحدة، فإذا كانت أغلب كتبك، حتى القديم منها، تنتمي للطبعة الأولى فإن هذا دليل على عدم شراء الكتاب وبالتالي دليل على عدم وجود قراء من الأساس. هل تعلم أن موسوعة الفلسفة للكاتب المصري عبدالرحمن بدوي لم تنفذ طبعتها الأولى من المكتبات بعد، رغم مرور أكثر من خمسة وعشرين عاماً على طبعها؟. في مقابل هذا نجد في الغرب سوقاً منتعشة للكتاب، فالمبيعات تتجاوز حاجز الملايين وعدد طبعات الكتاب الواحد يتجاوز العشر طبعات بسهولة، ما يجعل من الحصول على الطبعة الأولى لأغلب الكتب مستحيلاً، الأمر الذي يمنح (الطبعة الأولى) أهمية دلالية تؤشر على تطور المجتمع من عدمه، ذلك أن ندرتها تعبّر عن وجود أفراد عديدين يمارسون الفعل الثقافي، أما تواجدها بكثرة كما هي حالة الدول العربية فهذا دليل على شيوع ثقافة المشافهة التي لا تحترم المقروء.

أما ثالث المؤشرات فهو (الإعلان) التلفزيوني، وقد تستغرب كيف يكون مؤشراً نقيس من خلاله تطور هذا المجتمع وتخلف الآخر، وحتى تتضح الصورة أتمنى منك أن تشاهد الإعلانات الغربية وتقارنها بمثيلاتها في دول العالم الثالث، بما فيها الدول العربية، وستجد نماذج منها في موقع اليوتيوب، والمقارنة هنا لا أطلب أن تكون في المسائل التقنية التي تقف بالطبع لصالح الغرب، بل في الفكرة نفسها وفي أسلوب عرضها، وهنا سترى أن الإعلانات التلفزيونية التي صنعتها شركات تجارية غربية لتخاطب بها الجمهور الغربي هي من النصاعة والبراعة في التقديم والتنفيذ ما لا يجوز أن تقارن به الإعلانات التلفزيونية القادمة من أفريقيا مثلاً، فالفرق بين النوعين واضح، فالأول بديع في تسويقه للفكرة التجارية، أما الآخر مباشر وسطحي يعلن عن المنتج بصورة فجة. إن أهمية الإعلان كمؤشر ثقافي تكمن في أسلوب تنفيذه، ففي الغرب ولأن الجمهور واع ومفكر فإن الوسيلة التي ستخاطبه بها الشركات لابد أن تحوي لذعة من ذكاء، أما في أفريقيا فإن الجمهور لا يملك القدرة على التفكير المركب وبالتالي فهو لن يستوعب إلا الرسائل المباشرة الخالية من العمق، وهنا يضع (الإعلان) نفسه كعلامة من علامات التطور الحضاري، فإذا كان الشعب مثقفاً مستنيراً احتاج إلى إعلانات ذكية توازي ذكاءه، وإن كان جاهلاً فسيكتفي بالإعلانات المباشرة، ولنختصر ونقول إنه (كما تكونوا تُصنع إعلاناتكم).

مشاهدة النسخة كاملة
عرض التعليقات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية