عشتُ في بيت يقرأ الكتاب..
و وجدت في الموسيقى نافذة نحو عالم أسمى
نصير شمة موسيقي عراقي كبير، وفنان ملتزم بقضايا أمته، صنع مقطوعات موسيقية عبرت بدقة عن همومه الفكرية والإنسانية مثل (بيت العامرية) و(إشراق) وغيرها. كان لنا معه هذا اللقاء الذي تم تحت ضيافته في (بيت العود)، ذلك المعهد الجميل في حي الحسين أحد أشهر الأحياء الشعبية في مدينة القاهرة، وهو المكان الذي يقضي فيه جل وقته يدرس فيه تلامذته ويرعاهم كمعلم ويحنو عليهم كأب، وهذا حوار معه يستعرض فيه تجربته الموسيقية والإنسانية في "دنيا الثقافة والفن":
* أستاذ نصير.. ماذا تمثل الموسيقى بالنسبة لك؟
- الموسيقى بتقديري وحسب تجربتي المتواضعة هي اختصار للمسافة بين الإنسان ومحيطه بكامل تفاصيله، الموسيقى هي التي تضع الجمال بأكمله بين أسماع المتلقي. يقال منذ أزمان بعيدة ومازال يقال أن الموسيقى هي خلاصة الروح، وأنها قادرة على تغيير مكنونات الإنسان نحو الأفضل أو نحو الأسوأ حسب استخدامها أو حسب نوعها وهي فعلاً قادرة على فعل كل ذلك. الموسيقى لديها هذا التأثير الهائل على الناس في تغيير سلوكهم وتغيير منطقهم، وكذلك أسلوب حديثهم ونبرتهم، وكل تفاصيل علاقتهم بالآخر وعلاقتهم بالمكان والزمان. وكل هذه الحقائق في الواقع تحدث أمام أعيننا سواء كان مع طلبة الموسيقى أو مع الجمهور الذي يتابع عروضنا الموسيقية والذي يملك ذائقة متميزة، فالموسيقى إذن هي البرزخ بين حياة وحياة أخرى، بمعنى هي الفاصل بين الحياة التي يعيشها الإنسان مثله مثل أي كائن حي، وبين حياة فيها سمو مغاير تماما لما هو مألوف لدى العامة، والموسيقى هي الفاصل بين هذا وذاك.
@ الوطن العربي هو الأكثر إنتاجاً واستهلاكاً للموسيقى فهل ترى أن هذا الشيء يلقي على عاتق الفنان الملتزم بعض المسؤولية الأخلاقية خاصة أن الكثير من الفنانين يهبطون بهذا الفن الجميل إلى مهاوي الابتذال؟
- النتاج الموسيقي والغنائي الآن والذي يعمل عليه شريحة كبيرة من الفنانين إبداعاً واستهلاكاً وإنتاجاً يترتب عليه بطبيعة الحال الغث والسمين، الجيد وغير الجيد. فهناك فرق كبير بين المبدع الحقيقي وبين من يمتهن الفن وهو بعيد عنه تماماً بعد المشرق عن المغرب، فالموهبة هبة يمنحها الله سبحانه وتعالى لمن يشاء. ونحن كبشر نسعى في كل لحظة من لحظات الحياة إلى الكمال، لذا ترانا نهتم في ملبسنا ومنزلنا ومأكلنا وصولاً إلى الشيء الأهم بوجهة نظري وهو ما يخترق عقولنا وأرواحنا وضمائرنا وهو الثقافة والموسيقى. فنجد أن المنتوج الغنائي والموسيقي لدينا في الوطن العربي حالياً ينقسم إلى ثلاث خانات، فالمتميز منه والجميل يدخل في خانة الإبداع، والمتوسط يدخل في خانة الاستهلاك، أما السيئ فيدخل في خانة الابتذال.
@ لابد لنا أن نقف عند تجاربك على الموروث الشعبي من مقامات وموشحات وغيرها. كيف تقيم هذه التجربة؟
- عندما كنا طلاباً في معهد الموسيقى درسنا الموروث الموسيقي والغنائي بكل أشكاله ومصادره من فلكلور وتراث. والفلكلور هو نتاج الشعوب، بينما التراث هو نتاج أشخاص رحلوا وأصبحت أعمالهم إرثا حضاريا لمن بعدهم. وهذا الموروث كوّن لنا زادا مهما استطعنا أن نشق طريقنا ونبني عليه مستقبلنا، وكما هو معلوم فإن كل المدارس الحديثة بشتى الفنون مثل الشعر والفن التشكيلي جذورها كلاسيكية وليست الموسيقى فقط. فمعظم الذين قادوا ثورات وأحدثوا أشكالاً فنية جديدة كان الشكل القديم (الكلاسيكي/التراث) مهضوماً لهم، لذا استطاعوا التغيير. أما بالنسبة لي اليوم فبعدما فرّغت طاقة الشباب الكامنة لدي بدأت أعود إلى التراث والفلكلور من جديد لكن عودتي هذه المرة كانت أكثر عمقاً.
@ لماذا الشعر غائب عن أعمال نصير.. نصير شمة؟
- هذا غير صحيح على الإطلاق، ربما لم تصلكم هذه الأعمال فأنا أكاد أكون أكثر موسيقي أشتغل على الشعر، بمعنى التجارب التي عملتها مع أدونيس وطفنا بها سوياً أكثر من 12دولة حول العالم، وكذلك الأمر مع محمود درويش وأمجد ناصر. ولي تجربة أيضاً مع شعر بدر شاكر السياب، ولدي تجارب عديدة مع شعراء آخرين.
@ طيب وما السبب في عدم وصولها للمتلقي العربي؟
- شركات الإنتاج في واقع الأمر غير مهتمة بالثقافة والإبداع الحقيقي، فهي مهتمة بالأمور التي تجلب لها أرباحاً سريعة ليس إلا، حيث لا نجد اهتماماً على تنمية الثقافة والوعي إلا لدى المؤسسات الرسمية المعنية بالثقافة والفنون للأسف.
@ في اسطوانتك الأخيرة (حالي به يحلو) مقطوعة موسيقية تلفت الانتباه بعنوان (سبحان الدايم)، استطعتَ خلالها وباقتدار توظيف آلات التخت الشرقي الرئيسية العود والكمان والقانون بشكل لافت للنظر، وكأننا نسمع تسبيح الآلات بالفعل؟
- أنا عملت ولا أزال أعمل على تحويل أسماء الله الحسنى إلى أعمال إبداعية لا تُقدم إلا في الأماكن الراقية وبطقوس محترمة، وعمل (سبحان الدايم) ليس مقتبسا من أسماء الله عز وجل، ولكنه يتماشى مع هذا الخط. فعلى مدى سنتين كاملتين قمت فيها بتدريب مجموعة من المحترفين لتقديم هذا العمل لكي نوصل إلى العالم كيف أن الموسيقى هي أداة رحمة للإنسانية، فالفرق بين إنسان يتأثر بالموسيقى وبين إنسان لا يتأثر هو ذاته الفرق بين الإنسان واللا إنسان. وابن العربي الفيلسوف الكبير يقول "الرأس الذي لا يطرب للموسيقى الأجدى قطعه". نحن نتفق مع ابن العربي في مسألة الموسيقى، لكننا نختلف معه في مسألة قطع الرؤوس!! (يضحك).
@ أنت بارز في المجال الإنساني والتطوعي، فهل المطلوب من كل الفنانين أن يقوموا بهذا الدور؟
- هذا هاجس يبدأ من مرحلة مبكرة، منذ الطفولة ولا يكتسب عند الكبر أو عندما يصبح المرء غنياً. الإنسان المعطاء دوماً معطاء أياً كان، سواءً كان فناناً أو رجل أعمال أو رجل دين أو حتى رجل الشارع البسيط، وهي مسألة ترجع في المقام الأول إلى التربية والمحيط الذي تربى فيه الشخص. قبل لحظات من بدء هذا اللقاء أتاني رجل عراقي مسكين يشكو لي همه وفقره وبعد دقيقة من بداية حديثه أجهش بالبكاء، وأنا بطبيعتي لا أستطيع تحمل هذا المنظر، لا أستطيع أن أرى رجلاً مثل هذا وأبقى مكتوف اليدين، يجب علي المساعدة حسب قدرتي واستطاعتي. فطالما نحن كبشر قادرين على مساعدة بعضنا عندئذ يصبح واجبا علينا فعل ذلك، فمرورنا في الحياة هو مرور عابر وبقدر الإمكان فلنحاول تعبيده بذكرى طيبة أو بصدقة جارية. وما هو أعظم من أن يبقى إنسان على قيد الحياة بقلب نابض وأن يجعلنا الله سبباً في ذلك.
@ أستاذ نصير لنعد إلى الوراء قليلاً.. إلى الطفولة، فالطفولة كما تعلم كان لها دور كبير في حياة كثير من المبدعين، كيف كانت طفولتك؟ وهل أنت من عائلة فنية؟
- بالمعنى هذا لا لست من عائلة فنية، بل على العكس من عائلة ملتزمة، فأنا ابن لأب وأم متدينان لكن باعتدال، وعائلة متوسطة الحال غناها الحقيقي هو حبها للثقافة والفنون، فعندنا مكتبة تحوي الكثير من الكتب في شتى تصنيفاتها، وراديو كبير كان يجتمع حوله الجيران والأصدقاء ليستمعوا إلى حفلة أم كلثوم الشهرية كل خميس، وكذلك الأغاني الجميلة التي كانت تبثها إذاعة صوت العرب. لكن مع ذلك كانت طفولتي تحمل نوعا من الغربة بدأت معي في سن مبكرة جداً، فعندما يكون الإنسان موهوباً هذا يعني أنه مهموم ومشغول ومنعزل، يعني ليس له شأن فيما يفعله أي طفل في هذه السن. وهذه أول غربة بدأت في حياتي، أما الغربة الثانية فكانت عندما بدأت أتفتح على الثقافة والموسيقى عندها أحسست أنني بدأت أنعزل عن جيلي الشاب أيضاً كما انعزلت عن طفولتي، فقد كنت في مضمارٍ أتجاوز فيه المرحلة إلى المرحلة التي بعدها قبل الآخرين، وهذه التجربة التي عشتها يتشابه فيها ملايين من البشر، فهناك نوعية من الناس لا تنسجم مع محيطها كما يجب!.
@ هل تشعر بالخسارة الآن؟ خسارة الطفولة والشباب؟
- لا، إطلاقاً، لا أشعر بالخسارة فكل تجاربي الصعبة في هذه الحياة، السجن والجيش والحرب والغربة داخل وخارج الوطن. كل هذه الأشياء هي أنا اليوم، كل ما مرّ في حياتي هو صوت عودي اليوم، وشيء غريب أن نطالب بالتميز دون أن ندفع الفاتورة لذلك؟ الفاتورة كبيرة بلا شك، والتميز جاء كنتيجة لهذا الزمن الذي تشكلنا فيه على كافة المستويات.
@ طيب كيف بدأت رحلة نصير شمة مع الموسيقى؟ البداية الأولى بالتحديد؟
- المرة الأولى التي أمسكت فيها العود وبدأت بالعزف كان عمري حينها 11سنة، ولكن قبل ذلك بخمس سنوات تقريباً كانت أحلامي بدأت ترسم مستقبلي لكي أكون عازف عود، وعندما وصلت إلى بغداد لدراسة الموسيقى كان مستواي في السنة الأولى يوازي بل يتفوق على مستوى من هم في السنة الثانية في معهد الدراسات النغمية، وهو أفضل معهد للموسيقى في العراق، فأحلام اليقظة إذن هي التي قادتني لحلمي الكبير وواقعي لأن أصبح موسيقيا.
@ هل كنت تتوقع يوماً أن تصبح في هذه الشهرة والمكانة التي وصلت إليها؟
- لا تعتبر الكلام الذي سأقوله تواضعاً مني لكن في الحقيقة أنا لا أعرف شهرتي ومكانتي عند الناس، الشيء الوحيد الذي أعرفه أن حفلاتي في أي مكان أذهب إليه تكون كاملة العدد والناس تتزاحم عليها. لكنني لا أريد تصديق هذا الشيء ولا مجرد التفكير فيه حتى، فأنا أعتبر نفسي إنسانا آمنا بكثير من الجمال والحب ومزجه بكثير من العمل الدءوب ثم قدم شيئاً يتمنى أن يكون له قيمة عند الناس.
@ أين تضع اسم الموسيقي العراقي الراحل (منير بشير) في خارطة عازفي العود؟
- منير بشير قيمته أكثر بكثير مما قيل ومما سيقال، فهو الموسيقي الذي وضع هيكلية لشكل التقاسيم والارتجال في العزف على آلة العود، فمنذ الأربعينات وصولاً إلى السبعينات حتى وفاته كان أحد أهم وألمع الأسماء في عالم الموسيقى، وله حضوره العالمي في أكبر مسارح وصالات العالم. باختصار هو فنان استثنائي وموهبة لا تتكرر.
@ هناك هاجس يراود الكثيرين لإنتاج عمل سينمائي ضخم يتناول حياة (زرياب) ذلك الموسيقي العربي العظيم الذي عاش في الأندلس، هل عندك هذا الهاجس أيضاً؟
- في الحقيقة أنا أمتلك حقوق مسلسل عن زرياب اشتريته من أحد الكتاب العراقيين مساعدة له في بادئ الأمر، ثم اكتشفت أنه عمل ممتاز، فشرعت مع أحد المنتجين وهو الصديق يوسف ديب على أن نتبنى الموضوع لكنه طلب مني أن أمثل شخصية زرياب في المسلسل وأصر على ذلك، لكنني رفضت وقلت له سأوافق في حالة واحدة إذا تم تحويله إلى فيلم سينمائي عالمي هوليوودي، ويوفر له مواصفات عالية مثل تلك التي توفرت لأعمال تكلمت عن موزارت وفاغنر وغيرهما من عباقرة الموسيقى في العالم، عندها سأقول على الرحب والسعة وأنفذ العمل وأمثل فيه أيضاً إذا تطلب الأمر، فأنا حريص جداً على هذا العمل لأنني أود أن يشاهد العالم أجمع زرياب ذلك الموسيقي الخالد الذي كان جسراً عظيماً بين الشرق والغرب، وإسهاماته الكبرى في الغناء الأوبرالي وفي تأسيسه لمدرسة موسيقية في الأندلس اعتبرت أول معهد موسيقي في العالم.
@ ختاماً أستاذ نصير هل هناك كلمة أخيرة تود قولها؟
- شكراً، تحياتي وتقديري لكم ولقراء جريدة "الرياض" الذين أود منهم مشاركة حقيقية في الحملة العربية الكبيرة التي نقوم بها لمساعدة الشعب العراقي في يوم 11يناير، فهذه الحملة بحاجة إلى وقفة شريفة من كل العرب حتى لا تتكرر مأساة فلسطين ويصبح عندنا شعب آخر مشرد خارج وطنه، علينا أن نساعد العراق في محنته هذه، فهو يستحق منا ذلك.