من المسؤول.. فلسفة اجتماعية للسؤال والإجابة..؟
د. علي حمد الخشيبان
تقول التجارب الاجتماعية انك إذا أردت أن تغير في الحياة الاجتماعية فعليك التغيير في منهجية المجتمع وكيفية التعاطي مع الحياة لكي يستجيب الأفراد لهذا التغيير. ما يحدث في الكثير من المجتمعات هو تزايد الرغبة في إحداث عملية التغيير على المستوى الاجتماعي ولكن هذه الرغبة تواجه بالفشل حيث يعترف الأفراد بأن النقد لا يؤدي دوره ومع ذلك لا احد يسأل لماذا النقد المتكرر والمتراكم لا يؤدي الدور المتوقع منه في تحسين الأداء على المستوى الاجتماعي..؟.
نتساءل كثيرا عن حجم النقد الذي نوجهه نحن في حياتنا اليومية إلى واقعنا الاجتماعي ونطرح السؤال المؤلم من المسؤول..؟، إذا قرأت موضوعا في صحيفة أو كنت في جلسة اجتماعية فستجد أن الموضوع الأكثر إثارة هو ذلك الموضوع النقدي حتى لو كان هذا النقد بسيطا وغير مؤثر في الواقع الاجتماعي المهم فكرة النقد موجودة.
المجتمع الذي تتحول ممارسات أفراده إلى ممارسات نقدية دائمة ويصبح النقد هاجسا يوميا للحياة في مجتمع بعينه، هذا المجتمع ومع الممارسة المستمرة تتشكل لديه مهارات نقدية لواقعه ويصبح كل فرد مؤهل للحديث والنقد في المجال الذي يريد بغض النظر عن القدرات والمهارات الأزمة وهذا مشاهد حياتيا.
مهارات النقد التي تتشكل بهذه الطريقة ليست مهارات فردية بل تتحول إلى مهارات نقد للكل الاجتماعي، لذلك يختفي نقد الفرد لنفسه إلى نقد الفرد لمجتمعه حيث المسار الأمثل لتبرير الإخفاق.
النقد الفردي هو القاعدة العملية التي يبني عليها المجتمع منهجيات التغيير والسبب في ذلك أن الفرد إذا احدث تغييرا في سلوكه أو منهجه سواء الوظيفي أو الفكري أو الأسري، انعكس ذلك على واقعه الاجتماعي بسرعة بينما لا يحدث العكس أبدا وهذا ما يفسر عدم قدرة المجتمع على إحداث التغيير في مقابل الكم الهائل من الممارسات النقدية للواقع الاجتماعي.
بشكل آخر عندما يتحول الأفراد إلى نقاد للمجتمع فسوف يكون مسار النقد هنا من الأعلى إلى الأسفل وهذا ما يخلق صعوبة إحداث تغييرات في المجتمع، وقد يثير ذلك سؤالا مهما لنا جميعا كيف يمكن أن يكون النقد من الأعلى إلى الأسفل خطأ في سلوك الإنسان..؟.
المجتمعات العربية تعتبر احد أهم الأمثلة التي يمكن أن توضح الصورة الأساسية لفكرة النقد الاجتماعي الهادف إلى إحداث عمليات تغيير في المسار المجتمعي. مجتمعاتنا هي أكثر المجتمعات تدويرا للانتقاد وعبر عدة مصادر منها (المجالس الخاصة ، الحديث الفردي ،وسائل الإعلام..الخ..)، بل يمكن القول إن الإعلام العربي يستهلك الجزء الأكبر من مهمته الإعلامية في تدوير عمليات نقد اجتماعي منذ سنوات ولو تتبعنا الصحف العربية لوجدناها تعيد نفس الموضوعات النقدية وليست مستجدة، منذ سنوات لنفس المشكلات المجتمعية (مشكلات التعليم، مشكلات الصحة، مشكلات البيروقراطية الخ...).
من الملاحظ بشكل مباشر أن هذه المشكلات تتضاعف سلبياتها مع الزمن ولا تتقلص كما هو متوقع، مع أن المجتمع الذي ينقد بهذه الصور القاسية والمؤلمة يتكون من نفس الأفراد الذين تجوب أقلامهم وألسنتهم أروقة المجتمع.
عندما لا يستطيع الفرد في المجتمع نقد ذاته أو تقبل نقد الآخرين لممارسته وخاصة ما يتعلق منها بالمجتمع كمسؤول في جهاز حكومي مثلا: فهذا دلالة واضحة على أن المجتمع يتجاوز الإيمان بأثر الفرد ويوجه المسؤولية إلى فضاء النقد حيث تتطاير الكلمات عبر المجالس أو وسائل الإعلام دون اثر لها.
بمعنى دقيق فإن المجتمع غير القادر على توجيه المسؤولية إلى صاحبها في قضية من القضايا مثلا (نقد الصحة أو التعليم أو الثقافة أو الفكر ..الخ) ولم يطلب من المسؤول الأول عن هذه القضية توضيح موقفه والاستجابة للنقد وتصحيح الموقف أو مغادرة المسؤولية وبيان ذلك للمجتمع، أقول إذا لم يحدث ذلك فإن تلك المؤسسة أو ذلك الفرد المسؤول بعينه سوف يبحث عن أقوى الوسائل وأكثرها تأثيرا لإيقاف هذا النقد بفعل القانون أو غيره ومنها الاستعانة بمن هم أعلى في المستوى الإداري والوظيفي لحمايته.
المجتمعات الراغبة في تسيير المجتمع بطرق ايجابية هي التي تجعل مسؤولية الفرد تتمثل في نقده لنفسه قبل نقده للمجتمع فهو من خلال مكانته الاجتماعية - مسؤولا أو فردا - عليه أن يتقدم بشكل دقيق للمواجهة والاعتراف بالتقصير إذا ما حدث ويعتبر ساحته هي أول الساحات التي يجب أن يلجأ إليها ويقوم بنفض غبارها بالنقد والتجلية حتى تصبح واضحة، وهذا يمكن أن يتحقق بسهولة وبفعل بسيط يجعلنا نعطي المسؤولية للفرد ونحاسبه عليها بدقة وإذا لم يستطع النجاح منحنا الفرصة لغيره لكي يتحمل هذه المسؤولية ويثبت نجاحا أو فشلا وذلك بدلا عن الدفاع عنه.
القضية تذكرنا ببعض المديرين والمسؤولين الذين يدافعون عن موظفيهم الذين يتم انتقادهم لأن موظفيهم يعطونهم صورة غير دقيقة للموقف المطلوب الدفاع عنه والحقيقية هم يريدون الدفاع عن أنفسهم ولكن بلسان مديريهم ومسؤوليهم، هذا المثال ينطبق أيضا على الآباء الذين يدافعون عن أبنائهم إذا ما اخطأ احدهم دون معرفة حجم الخطأ وكيفية حدوثه.
أعود إلى فلسفة المسؤولية وقدرتها على تصعيد الواقع النقدي في المجتمع من الأسفل إلى الأعلى وكيف تحولت الكثير من القضايا إلى مسار مختلف حيث تزايد إيمان الكثير من الأفراد بعدم النجاح والفاعلية مع نقد الواقع وخاصة الواقع الاجتماعي.
قبل أيام استمعنا على سبيل المثال إلى مطالبة وزارة الصحة بإصدار فتوى لمنع الزواج للأزواج المصابين بأمراض وراثية في الدم. الفكرة جميلة ولا تلام عليها الجهة المسؤولة، ولكن هناك بعد آخر يجب أن يتم إدراكه فنحن ومن خلال هذا النهج، سوف نجد أنفسنا مقيدين في إطار خطير على المجتمع بل سنتحول إلى منهجية التوعية بالفتوى هذه المنهجية التي لا نعلم لها مثيل في العالم وقد تضطرنا هذه الأساليب بعد فترة إلى حاجتنا إلى فتاوى مثل كيف نحب وكيف نكره وكيف نربي وكيف ننام وكيف نقوم إلى آخره من سلسلة طويلة لن تتوقف أبدا.
هذا المثال البسيط ليس الهدف من طرحه التركيز على هذه القضية ذاتها ولكن ما اطرحه هنا هو بعدنا عن الواقع الاجتماعي واستعلاء أفراد المجتمع على دورهم، فعندما تلجأ مؤسسات المجتمع إلى مناقشة قضاياها بهذه الطريقة فهذا مؤشر على أننا ننظر للمجتمع ككيان مستقل عن أفراده وهنا مكمن القضية.
نحن مجتمع بحاجة إلى أن نعود إلى الواقع الحقيقي لنمارس ما نريد من خلال أفكار البناء المستقبلي للمجتمع، فلا يمكن أن نتحدث عن مستقبل المجتمع دون أن يكون الأطراف الحقيقيون الذين نعمل معهم هم الأفراد والأجيال الجديدة.
عندما يفقد المجتمع منهجية رسم المستقبل تتصاعد أفكاره وتصبح خيالية ويبدأ بطرق الأبواب الخاطئة، لذا علينا أن نقدم الفكر النقدي في المجتمع تحت مسميات جديدة الهدف منها وضع المستقبل في المهمة الأولى ووضع الفرد كأداة نصل إليها إلى ذلك المستقبل بدلا من رمي الكرة في ملعب المجتمع بعيدا عن دور الأفراد الذين سوف يفرحون بطبيعتهم من عدم تحمل المسؤولية والبحث من حولهم عمن يحمل هذه المسئولية عنهم.