• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 1489 أيام

الأمن الفكري.. وموسوعة نايف بن عبدالعزيز للتسامح الإسلامي

د. يوسف بن أحمد العثيمين

    نودع هذا الأسبوع عام 1428ه.. ونذكر بالخير أشياءه الجميلة، ولكن يظل الإرهاب أخطر تحد يواجه المجتمع والدولة على حد سواء.. كاد الإرهاب أن يفسد سلام حج هذا العام، وطمأنينة حجيجه، لولا يقظة مؤسسات الأمن وبسالة رجاله، بإلقاء القبض على (28) إرهابياً، جلهم سعوديون إلا واحداً، في خطوة استباقية.. النجاح في القبض على هذه الخلية يضاف إلى رصيد النجاحات الأمنية لهذا العام، مما تم كشفه وضبطه، حيث بلغ عدد من تم القبض عليهم (343) فرداً، و(23) خلية في سنة واحدة، مع الملايين من الريالات كانت في حوزة الإرهابيين، هذا غير الأسلحة الفتاكة التي كانت بين أيديهم، أو خبئت تحت الرمال.. ماذا يعني كل هذا للمراقب والمحلل والمهتم؟ إنه يعني، بكل بساطة، أن خطر الارهاب ما زال ماثلاً ومحدقاً وحقيقياً، وأنه مازال يهدد أمن واستقرار هذا المجتمع، ولو إلى حين.

ولعل اللافت للنظر، هو تلك الأعداد المتزايدة ممن يتم القبض عليهم، وكذلك أساليب المراوغة التي يتوفرون عليها، فضلاً عن التغير (المستمر) للأهداف، من منشآت النفط، إلى استهداف للعلماء وطلبة العلم والمثقفين، وانتهاءً بالتخطيط لإشغال السلطات السعودية أيام الحج عن واجبهم.. وأخيراً، كون أن أغلب المطلوبين أمنياً، في السنتين الأخيرتين، هم من المواطنين السعوديين، ومن صغار السن، الذين ليس لهم تجارب جهادية سابقة في أفغانستان، كما هو الحال في الأجيال السابقة من الإرهابيين.

لقد قطعنا مجتمعاً ودولة شأواً شاسعاً في مواجهة الإرهاب، وبالذات النجاح المتميز للأجهزة الأمنية، ليس بالمواجهة فحسب، بل في الاستباق والرصد، والحصول على المعلومة في الوقت المناسب.. ولنا أن نتصور الوضع الذي يمكن أن نكون عليه، لو أن نسبة من تلك الخطط نجح الإرهابيون في تنفيذها! هذه النجاحات الأمنية المتلاحقة، في تميزها وكثرتها واستمراريتها واستباقها، لم تعد - للأسف - حتى حديث الناس والصحافة، وكأنه شيء عادي لا يلفت الانتباه، أو يدعو إلى الإعجاب!.

ما أثبتته الأيام وصدقته التجربة، هو أن النجاح الأمني ليس كافياً للقضاء على الإرهاب ومحاصرته، إذا لم يصاحب ذلك جهد فكري، يحمي الشباب - بدايةً - من الوقوع في فخ الإرهاب، وحبائل الإرهابيين.. وهذا ما أشار إليه سمو وزير الداخلية بوضوح في عدة مواقف، ومن أكثر من منبر، وفي عدد لا يحصى من المناسبات، كان آخرها المؤتمر الصحفي الذي عقده بعيد افتتاح المؤتمر الهندسي السابع، بجامعة الملك سعود.. ولا تكاد تمر مناسبة إلا ويؤكد سموه على أهمية التزامن والتلازم بين الجهد الفكري والجهد الأمني، إذا أريد لنا النجاح في معركة الإرهاب.

في ذلك المؤتمر الصحفي، كأن الأمير يعبر عن خيبة أمله في مسار الجهد الفكري، عندما قال: الجهد الفكري - مع الأسف - لم يصل إلى الآن إلى المستوى الذي نتمناه، لأن الجهد الأمني لا يكفي بمفرده، والجهد الفكري هو - أولاً - يمنع ويقي من وصول الأفكار الشاذة إلى أذهان الشباب.. ودلل الأمير على ضعف هذه الجهود، خاصة ممن لديهم تأثير واسع على قطاع عريض من الرأي العام والشباب.. يأتي في مقدمتهم أئمة المساجد، تلك المنابر التي كانت - تاريخياً - معنية بتوجيه المسلمين وتبصيرهم، ولكنها.. في الوقت الحاضر - تتجه إلى أمور ثانوية، أو أمور خارجية، وكما قال الأمير: نحن نعاني أموراً هامة تمس الوطن والمواطن، ومقدرات الوطن.. فهذا قصور وخطأ.

ليس هناك وضوحاً أكثر من هذا الوضوح، الذي اتسمت به كلمات الأمير وتصريحاته، في هذه المناسبة، وفي غيرها من المناسبات، بشأن أهمية الأمن الفكري في مواجهة الإرهاب.

لقد قامت وزارة الداخلية بالمطلوب منها، بل أكثر من ذلك، عندما حملت رسالة غيرها، عندما لم تحمل تلك الجهات مسؤولياتها تجاه مواجهة ظاهرة الإرهاب بالشكل الذي يتناسب مع خطورة الظاهرة.. فالنجاحات الأمنية توجت بالعناية بكسب الرأي العام، من خلال العناية بالمطلوبين أنفسهم، وتمكين أسرهم من زيارتهم، وكذلك العناية الشخصية والمادية بالشهداء وأسرهم.. وهي جهود في محصلتها تقود إلى محاصرة بؤر الارهاب، وقطع شرايينه التي تتغذى على التعاطف السلبي أو الايجابي من قبل بعض افراد المجتمع.. يضاف إلى ذلك لجان المناصحة والكراسي البحثية.. هذه الجهود، وغيرها مما يندرج تحت مظلة (الأمن الفكري)، كان يمكن أن تنهض بها جهات أخرى مثل: مؤسسات التربية والتعليم والإعلام والدعوة ورعاية الشباب وبعض مؤسسات المجتمع المدني، وغيرها من الجهات المعنية بالتأثير في الرأي العام، سواء في صناعته، أو نقله، أو في زراعته في وجدانات الشباب وعقولهم وقلوبهم.

ولا ينبغي أن تكون جهود الأمن الفكري تقليدية أو خطابية، بل وكما أشار سموه في ذلك التصريح، أن الجهد الفكري يجب أن يكون جهداً متميزاً وبارزاً، وأن ترى نتائجه على أرض الواقع.. هذا النداء المتواصل، ومنذ مدة طويلة، من سمو وزير الداخلية، لبناء (منظومة أمن ودفاع فكري)، يقابله صمت مطبق، أو جهد على استحياء، أو مبادرات فردية وقتية، أو جهود لتلك المؤسسات على طريقة (الجزر المنعزلة)، التي لا تعلم كل جهة ما تقوم به الجهة الأخرى.

ما نحتاج إليه - حقيقة - ونحن نواجه معركة الإرهاب على صعيد الفكر - هو استراتيجية واضحة، وهدف محدد، وعمل مؤسسي جماعي مستمر ومنسق، غايته - في نهاية المطاف - نقض وتفكيك ونسف هذا الفكر الضال، الذي عشعش في عقول بعض الشباب، وأوجد حولهم دوائر من المتعاطفين معهم بالفكر أو المال أو عدم الاكتراث، حيال ما يتعرض له الوطن ومقدراته وممتلكاته من مخاطر بسبب هذا الفكر.

ولكن التمني شيء ورؤية خطوات عملية على أرض الواقع وبسرعة في نشر مظلة الأمن الفكري، وكما يرغب الأمير، شيء آخر.. إذ ما زالت الفجوة كبيرة، والخطوات خجلى، والشق أوسع من الرقعة، ما لم نبادر إلى تحديد منابع الخطر الفكري، وردم تلك المنابع.. ولعل البداية تكون في تبني خطاب إسلامي وسطي متسامح، يقوم على الاعتدال والعدل والرحمة والتعايش مع الآخرين، والفهم الصحيح للنصوص، وإعمال فقه الواقع، وفقه النوازل، وفقه ضعف الأمة، وغيرها من المداخل الشرعية التي تجعلنا نتواءم مع معطيات هذا العصر وضروراته ومقتضياته وتعقيداته.. إذ ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الإرهاب وليد التطرف والغلو والغلظة والتشدد، غير المبرر شرعاً او عقلاً.. كما أن علينا أن نشجع وجود مؤسسات ومنابر ومنصات وأفراديتبنون خطاباً إسلامياً معتدلاً ومتسامحاً ينشرونه في أوساط المجتمع، وأن تحمى هذه المؤسسات، وهؤلاء الأفراد، من سهام المتشددين، وأذى الغلاة، وسورة المتطرفين.

إنني أتمنى، ونحن في سياق البحث عن وسائل تعيد للخطاب الإسلامي اعتداله المعهود في العصور الذهبية للتاريخ الإسلامي، التمس من سمو الأمير نايف، رئيس جائزة سموه للحديث النبوي الشريف، أن تتبنى الجائزة إصدار موسوعة متكاملة، تجمع بين دفتيها الآيات القرآنية الشريفة، والأحاديث النبوية الصحيحة، التي تظهر سماح الإسلام وعدله ووسطيته، وكذلك المواقف التي تعامل معها الرسول (ص) مع الكفار، ومع المخالفين، ومع العصاة، وكذلك الأفعال والأقوال، والاجتهادات المستنيرة، والتعاملات الرشيدة مع الاشكالات التي مر بها مجتمع الصحابة، التي تظهر سماحة وعدل ورحمة الإسلام، من خلال ما صدر عن الرسول (ص)، وعن خلفائه الراشدين العادلين.. كيف - مثلاً - لإمرأة ان تدخل النار في هرة، فما بالك بسفك دم مسلم أو معاهد؟!.

هذا الإرث الإسلامي، لو حوته موسوعة ضخمة باسم (موسوعة نايف بن عبدالعزيز للتسامح الإسلامي)، تكون في متناول الجميع، لكانت خطوة رائدة، ومعلماً متميزاً في مسارنا الطويل نحو الأمن الفكري، الذي ينشد نايف بن عبدالعزيز مد مظلته على شبابنا، وعلى شباب العالم الإسلامي، أينما كانوا.


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 2
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    هناك جهد فكري كبير لتنوير وتبصير الشباب مقابل للجهد الامني, ربما نرى نتائج اسرع في الجهد الامني, ولكن الجهد الفكري يغطي شريحة اكبر بكثير من الاول,
    ولكن هناك معوقات للجهد الفكري, واولها اللغة التحريظية لاعلامنا وحملة التشكيك في العلماء والدعاة وخطباء المساجد, فكيف نريد من شاب زل تفكيرة في حظيرة الارهاب ان يقتنع بكلام داعية او خطيب مسجد هو نفسه مشكك فيه من اعلامنا الفذ!
    طبعا الشخص العاقل يعلم ان حملة التشكيك هذه هدفها ليس اقتناعا بدور سلبي يقوم به الدعاة وخطباء المساجد, والا لكان اكثر من نصف الشعب ارهابيا,
    ولكن لاضعاف الصوت الذي يمثله هؤلاء الدعاة لتمرير اجندة تغريبية للمجتمع السعودي المسلم طال انتضارها.
    ولكن مايدعو للتفائل هو وجود شخص كالامير نايف ليدير الملف الامني بكل خبرة ودراية, وعلم ببواطن الامور.

    الاشقر (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:51 صباحاً 2008/01/07

  • 2

    نحمد الله أن مكن رجال الأمن من وقف شرور الإرهاب، لكن لا يزول الإرهاب إلا بزوال أسبابه، ومحاولات العلاج الفكري كماتقول ما هي إلا من قبيل دحض فكرهم وبيان بطلانه شرعا وهي إن أفلحت مع بعضهم فإنها لن تفلح مع البقية. إن ما يقضي على الإرهاب هو معرفة السبب وسبب السبب وكشفه للناس لزوال حيرة الحائرين. حمى الله بلادنا من كل سوء ووفق ولاة أمورنا إلى كل خير.

    عبدالرحمن (زائر)

    UP 0 DOWN

    09:07 صباحاً 2008/01/07




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



نقترح لك المواضيع التالية

الخيارات

للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (285) ثم الرسالة

إعلانات