استضافت مصر مؤخراً مؤتمراً اقليمياً لوضع استراتيجية عربية وإسلامية لوقف نزف هجرة العقول، نظمته اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم بالتعاون مع المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم بمشاركة خبراء واكاديميين يمثلون 13دولة عربية وإسلامية.
قد يبدو مثل هذا الخبر ليس جديداً، فنحن منذ عقود نناقش مسألة هجرة العقول لمناطق الجذب في انحاء العالم. وحتى الاستراتيجية التي يستهدف المؤتمر الاعداد لها، لن تكون سوى جهد فكري. فهناك استراتيجيات كثيرة تظهر كل يوم عبر تلك المنظمات لكن يظل التعامل معها قاصراً، وفي حدود مسؤولية المنظمة التي تنتهي باصدارها وتوزيعها على الدول الاعضاء مع حثهم على الاستفادة منها.
فيما نعرف الكثير عن اسباب هجرة العقول، إلا ثمة مسألة اخرى اتمنى ان تُقرأ قراءة علمية دقيقة، وهي ذبول العقول في المنطقة العربية والإسلامية. وإذا كان المقصود بهجرة العقول هي هجرة الكفاءات العلمية أو الفكرية خارج بلدانها وخاصة الى بلدان الغرب فالحالة العربية والإسلامية تقدم مشهداً لا يمكن ان تخطئه العين الفاحصة، وهو انه على الرغم هذا الزخم البشري العربي الإسلامي الذي يسبح في بحر المليار تظل تلك الكفاءات العلمية أو العقول البارزة في نشاط علمي أو فكري قليلة ومتواضعة مقارنة بالمجموع البشري، وهذا ما نعنيه هنا بذبول العقول.
هناك مشهد عربي وإسلامي يعيش في غمار التقاتل اليومي على قضايا ومسائل لا تمت للتقدم العلمي بصلة، الأمر الآخر وهو الذي لا يمكن اخفاؤه في عالم اليوم ان الابداع العلمي أو الفكري لا يمكن اخفاؤه بمنخل الحجب أو البعد المكاني. كل ما يصلنا اليوم من اخبار الكشوف والمعطيات العلمية المستجدة يخرج معظمه الاكبر من معامل ومختبرات ومراكز البحوث في الدول الغربية، حتى لو كان اسهام العقول المهاجرة فيه ملموساً أو يمكن قياسه. الحديث هنا عن ذبول الداخل لا عن هجرة عقول للخارج، ذبول العقول في المنطقة العربية ليست خفاء. القامات الفكرية والعلمية بريقها خافت ومتراجع وحتى ذاك البريق الذي حظيت بها اسماء في مراحل من عمر المنطقة العربية فكرياً وادبياً - لا علمياً وتقنياً - أصابه وباء الذبول، حتى لم نعد نقرأ إلا انتاجاً متشابهاً لا يترك اثراً، ولا يثير استشكالاً، ولا يشق في سماء الفكر ما يمكن اعتباره فتحاً.
هجرة العقول ايضاً مصطلح احياناً. فالكفاءات التي تهاجر، كانت مجرد تحدٍ فردي مملوء بالرغبة بالاستزادة من المعرفة والاصرار على تكوين الذات. عندما هاجرت لم تكن عقولاً بالمفهوم الذي يوحي به هذا العنوان الذي طالما استخدمناه بدون تأمل كبير. كانت طاقات بشرية لكن تتميز برغبة قوية في تحقيق الذات. الدكتور احمد زويل العالم العربي الوحيد الحاصل على جائزة نوبل في المجال العلمي، لم يهاجر لأمريكا وهو يحمل تلك الدرجة العلمية الرفيعة ولا وشاح الجائزة. لقد خرج طالباً، ارسلته جامعته الاسكندرية ليحصل على درجة الماجستير والدكتوراه ويعود استاذاً مثل بقية الاساتذة في الجامعة. إلا أن تلك الرغبة القوية والامكانات المميزة في البحث في مجال علمي دقيق والنتائج التي تحصل عليها من خلال دراسات وبحوث شاقة، لم تكن لتتوفر بيئته الاولى هي التي قدمته للعالم - فيمابعد - عالماً مميزاً.
مثل الدكتور زويل هناك مهاجرون، لم يسافروا للغرب عبر بعثات دراسية ولكنهم ذهبوا لتحسين اوضاعهم وبالذات الاقتصادية، وقد ظهر منهم عقول اقتصادية استطاعت ان تكون رؤوس اموال كبيرة، وتنمي حسها التجاري، وتجد فرصتها في عالم الفرصة الصعبة، ولكن المهيأة لمن يملك.. جلد العمل والصبر على تحدياته والقدرة الفائقة على الاستفادة من الفرص المتاحة، في مجتمعات تتفوق على نزعتها الذاتية لمصلحة احتواء تلك الطاقات، اذ تمنح الفرصة الكاملة لمن يود ان يشق طريقه لتحقيق ذاته. العقول في البيئات الطاردة تذبل، وهذه حقيقة. العقول لا تهاجر ولكنها تقوى هناك في بلد المهجر. وإذا كان مؤتمر مثل هذا يدعو لعودة العلماء البارزين الى بلدانهم الام فهو يحلم اكثر مما يتلمس الحقائق او يكاشف بلدانهم الأم بحقيقة ان تلك العقول التي نمت في الغرب لن تعود لتخمد في الشرق. لو قدر لأحمد زويل وغيره من العقول المتميزة في مجالات البحث العلمي، ان تظل في بلدانها هل يمكن ان تنتج احمد زويل الحاصل على نوبل في الكيمياء؟ لقد حصل عليها من قبل الروائي نجيب محفوظ، لكن نجيب محفوظ لم يكن بحاجة لمختبرات ومعامل وتجهيزات وسياسات وبيئة علمية، وتوجه عام، يعظم عائد البحث العلمي وينميه. الاخطر من هجرة العقول هو ذبول العقول وانطفاؤها. لو ولد انشتاين وترعرع في احدى قرى أو مدن بلدان العرب، هل يمكن ان يكون انشتاين؟ لا ينافسنا الغرب في انتاج القوى البشرية التي تحمل معها بفضل الخالق وحده جينات الابداع. لكنها تذبل في اوساط قاتلة للابداع.
المؤتمر يشير الى ان هجرة العقول المتميزة تعود للانظمة البيروقراطية ومحدودية مجالات البحث والتطوير والطموح العلمي وتوفر فرص العمل في الدول الجاذبة. وهذه بعض الحقيقة لا كلها. وهي عناصر من المهم قراءتها واخذها بعين الاعتبار، إلا أن الظاهرة العربية التي تراجعت فيها القامات الفكرية التي لا تتطلب لا معامل ولا ابحاث ولا معاناة من جهاز بيروقراطي، تؤكد ان خلف ذبول العقول ما هو اكبر من مسألة محدودية مجالات البحث والتطوير. الابداع لا يولد ولا يعيش ولا يصمد ولا يتميز في اوساط قاتلة للابداع، وشرط الابداع الاساسي في كل مجالات الحياة، هي الحرية المصانة بالقانون المحترم، ودولة حقوق المواطنة الكاملة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى وما يرتبط بها من مفاهيم. بل ان الإدارة - وهي التميز الغربي الحقيقي - لا يمكن لها تدير كفاءات تتطلع للتميز إذا كانت على درجة من التواضع والازداء لفكرة الحرية.