بحث



الأثنين 29 ذي الحجة 1428هـ( حسب الرؤية )- 7 يناير 2008م - العدد 14441

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


من "هجرة العقول" إلى "ذبول العقول"!!

عبدالله القفاري
    استضافت مصر مؤخراً مؤتمراً اقليمياً لوضع استراتيجية عربية وإسلامية لوقف نزف هجرة العقول، نظمته اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم بالتعاون مع المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم بمشاركة خبراء واكاديميين يمثلون 13دولة عربية وإسلامية.

قد يبدو مثل هذا الخبر ليس جديداً، فنحن منذ عقود نناقش مسألة هجرة العقول لمناطق الجذب في انحاء العالم. وحتى الاستراتيجية التي يستهدف المؤتمر الاعداد لها، لن تكون سوى جهد فكري. فهناك استراتيجيات كثيرة تظهر كل يوم عبر تلك المنظمات لكن يظل التعامل معها قاصراً، وفي حدود مسؤولية المنظمة التي تنتهي باصدارها وتوزيعها على الدول الاعضاء مع حثهم على الاستفادة منها.

فيما نعرف الكثير عن اسباب هجرة العقول، إلا ثمة مسألة اخرى اتمنى ان تُقرأ قراءة علمية دقيقة، وهي ذبول العقول في المنطقة العربية والإسلامية. وإذا كان المقصود بهجرة العقول هي هجرة الكفاءات العلمية أو الفكرية خارج بلدانها وخاصة الى بلدان الغرب فالحالة العربية والإسلامية تقدم مشهداً لا يمكن ان تخطئه العين الفاحصة، وهو انه على الرغم هذا الزخم البشري العربي الإسلامي الذي يسبح في بحر المليار تظل تلك الكفاءات العلمية أو العقول البارزة في نشاط علمي أو فكري قليلة ومتواضعة مقارنة بالمجموع البشري، وهذا ما نعنيه هنا بذبول العقول.

هناك مشهد عربي وإسلامي يعيش في غمار التقاتل اليومي على قضايا ومسائل لا تمت للتقدم العلمي بصلة، الأمر الآخر وهو الذي لا يمكن اخفاؤه في عالم اليوم ان الابداع العلمي أو الفكري لا يمكن اخفاؤه بمنخل الحجب أو البعد المكاني. كل ما يصلنا اليوم من اخبار الكشوف والمعطيات العلمية المستجدة يخرج معظمه الاكبر من معامل ومختبرات ومراكز البحوث في الدول الغربية، حتى لو كان اسهام العقول المهاجرة فيه ملموساً أو يمكن قياسه. الحديث هنا عن ذبول الداخل لا عن هجرة عقول للخارج، ذبول العقول في المنطقة العربية ليست خفاء. القامات الفكرية والعلمية بريقها خافت ومتراجع وحتى ذاك البريق الذي حظيت بها اسماء في مراحل من عمر المنطقة العربية فكرياً وادبياً - لا علمياً وتقنياً - أصابه وباء الذبول، حتى لم نعد نقرأ إلا انتاجاً متشابهاً لا يترك اثراً، ولا يثير استشكالاً، ولا يشق في سماء الفكر ما يمكن اعتباره فتحاً.

هجرة العقول ايضاً مصطلح احياناً. فالكفاءات التي تهاجر، كانت مجرد تحدٍ فردي مملوء بالرغبة بالاستزادة من المعرفة والاصرار على تكوين الذات. عندما هاجرت لم تكن عقولاً بالمفهوم الذي يوحي به هذا العنوان الذي طالما استخدمناه بدون تأمل كبير. كانت طاقات بشرية لكن تتميز برغبة قوية في تحقيق الذات. الدكتور احمد زويل العالم العربي الوحيد الحاصل على جائزة نوبل في المجال العلمي، لم يهاجر لأمريكا وهو يحمل تلك الدرجة العلمية الرفيعة ولا وشاح الجائزة. لقد خرج طالباً، ارسلته جامعته الاسكندرية ليحصل على درجة الماجستير والدكتوراه ويعود استاذاً مثل بقية الاساتذة في الجامعة. إلا أن تلك الرغبة القوية والامكانات المميزة في البحث في مجال علمي دقيق والنتائج التي تحصل عليها من خلال دراسات وبحوث شاقة، لم تكن لتتوفر بيئته الاولى هي التي قدمته للعالم - فيمابعد - عالماً مميزاً.

مثل الدكتور زويل هناك مهاجرون، لم يسافروا للغرب عبر بعثات دراسية ولكنهم ذهبوا لتحسين اوضاعهم وبالذات الاقتصادية، وقد ظهر منهم عقول اقتصادية استطاعت ان تكون رؤوس اموال كبيرة، وتنمي حسها التجاري، وتجد فرصتها في عالم الفرصة الصعبة، ولكن المهيأة لمن يملك.. جلد العمل والصبر على تحدياته والقدرة الفائقة على الاستفادة من الفرص المتاحة، في مجتمعات تتفوق على نزعتها الذاتية لمصلحة احتواء تلك الطاقات، اذ تمنح الفرصة الكاملة لمن يود ان يشق طريقه لتحقيق ذاته. العقول في البيئات الطاردة تذبل، وهذه حقيقة. العقول لا تهاجر ولكنها تقوى هناك في بلد المهجر. وإذا كان مؤتمر مثل هذا يدعو لعودة العلماء البارزين الى بلدانهم الام فهو يحلم اكثر مما يتلمس الحقائق او يكاشف بلدانهم الأم بحقيقة ان تلك العقول التي نمت في الغرب لن تعود لتخمد في الشرق. لو قدر لأحمد زويل وغيره من العقول المتميزة في مجالات البحث العلمي، ان تظل في بلدانها هل يمكن ان تنتج احمد زويل الحاصل على نوبل في الكيمياء؟ لقد حصل عليها من قبل الروائي نجيب محفوظ، لكن نجيب محفوظ لم يكن بحاجة لمختبرات ومعامل وتجهيزات وسياسات وبيئة علمية، وتوجه عام، يعظم عائد البحث العلمي وينميه. الاخطر من هجرة العقول هو ذبول العقول وانطفاؤها. لو ولد انشتاين وترعرع في احدى قرى أو مدن بلدان العرب، هل يمكن ان يكون انشتاين؟ لا ينافسنا الغرب في انتاج القوى البشرية التي تحمل معها بفضل الخالق وحده جينات الابداع. لكنها تذبل في اوساط قاتلة للابداع.

المؤتمر يشير الى ان هجرة العقول المتميزة تعود للانظمة البيروقراطية ومحدودية مجالات البحث والتطوير والطموح العلمي وتوفر فرص العمل في الدول الجاذبة. وهذه بعض الحقيقة لا كلها. وهي عناصر من المهم قراءتها واخذها بعين الاعتبار، إلا أن الظاهرة العربية التي تراجعت فيها القامات الفكرية التي لا تتطلب لا معامل ولا ابحاث ولا معاناة من جهاز بيروقراطي، تؤكد ان خلف ذبول العقول ما هو اكبر من مسألة محدودية مجالات البحث والتطوير. الابداع لا يولد ولا يعيش ولا يصمد ولا يتميز في اوساط قاتلة للابداع، وشرط الابداع الاساسي في كل مجالات الحياة، هي الحرية المصانة بالقانون المحترم، ودولة حقوق المواطنة الكاملة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى وما يرتبط بها من مفاهيم. بل ان الإدارة - وهي التميز الغربي الحقيقي - لا يمكن لها تدير كفاءات تتطلع للتميز إذا كانت على درجة من التواضع والازداء لفكرة الحرية.

10 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


أخي الكريم عبدالله القفاري،، تحياتي لكم

تقولون عن الغرب،، ".. الفرص المتاحة، في مجتمعات تتفوق على نزعتها الذاتية لمصلحة احتواء تلك الطاقات،،، "

يحزنني - مع الأسف - عتد إنضمام عضو هيئة تدريس جديد، تحول طموحاته إلى معانات متواصلة، ربما لكثرة تعقيدات إداراتنا الجامعية،، طموحات الخريج التي تذبل مع مرور الزمن، طموحات تذبل، تتهاوى، تتلون، تتساقط كأوراق خريف جاء قبل وقته،، !! ؟؟

يجزنني تحدب ظهر هذا الدكتور وذاك قبل وقته، ودون مستويات طاقاته الانتاجية - مخالفات لا تتمشى مع عمره الزمني !!


محمد بن سعد - جامعة الملك سعود
ابلاغ
08:38 صباحاً 2008/01/07

 


اعتقد ان هجرة العقول وانصراف الادمغة دليل على عدم توفر البيئة المناخية المناسبة لكل مثقف مبدع شروا من يكتب هالرد في هذا المجال المقحط من الارض الجدباء في تقبل الآراء المخالفة لكل نرجسي يتنعم بالغوص في بادية عامرة من التبولة الغارقة بزيت الزيتون الاردني المعد خصيصا لهذه المناسبة..
تحياتي


ابوسعد المسفهل
ابلاغ
09:46 صباحاً 2008/01/07

 


نعم تدمير العقول في الوطن العربي ان لم يكن تدمير الاجساد لاحقا وذلك لانعدام معيار القياس للافكار نحن لانحتاج عقول بل هزا الرؤس فقط يكفي


م سعود الدلبحي
ابلاغ
10:17 صباحاً 2008/01/07

 


شكر على مقالك الرائع
لكن سؤالي هل فكرت ماهي اسباب ذبول العقول في وطننا خاصه؟
انا اقولك سبب :
عندما يتخرج طالب من الثانويه ونسبته ممتازه ويرغب في تخصص طب او صيدله او هندسه ولا يستطيع بحكم الواسطه التي تفضل غيره اقل منه نسبه عليه وبحكم قله لمقاعد فانه يرغم على دراسه تخصص اخر
فهل ياترى سيبدع في مجال لايفكر فيه اساس
هل صاحب الواسطه الذي دخل الطب او الهندسه بواسطته ونسبه ضعيفه على سيبدع ؟!!
ياعزيزي انا تخرجت من الثانويه قبل عشر سنوات بتقدير امتياز وحصلت على جائزة التفوق العلمي في منطقتنا
ولكن لظروفي الخاصه فضلت العمل على اكمال تعليمي مع انني اطمح الى اكمال الجامعه في احدى التخصصات الهندسيه
وبعد ان التلحقت على وظيفه في احدى الوزارات طلبت منهم تفريغي لاكمال تعليمي ولكنهم رفضوا بحجه ان النظم لايسمح لانني موظف غير رسمي
قدمت اوراقي لمكتب الوزير لعله يتكرم علي بمنحه وبعد ان وصلت اوراقي لمدير ادارتنا تكرمو علي بخطاب لفت نظر بعدم تكرار ازعاج المسؤلين لانني تعديت المراجع حسب كلامهم


عبدالعزيز
ابلاغ
11:54 صباحاً 2008/01/07

 


تكمله الرد السابق :
ثم كررته مره اخرى وقدمت على مكتب الوزير وتكرر لفت النظر مره اخرى مع التهديد بالفصل
وطلبت منهم التحويل للعمل الليلي ورفضو بحجه عم الامكانيه
بعد هذا كله تسال عن ذبول العقول ؟
في وطننا الحكومه تدعم العلم ولكن بعض المسؤلين لايقدر ذلك بل يهدمون كل شيئ بتصرفاتهم الحمقاء
بعد ان فتح برنامج الابتعاث تقدمت باسم زوجتي الحديثه تخرج من الجامعه للابتعاث وتم قبولها وذهبنا الى الخارج لعلي استطيع اكمال تعليمي ولكنني انصدمت بقولهم انني موظف ولا يمكن ان تدرس على حسابنا
ماذا اعمل؟
لم يتبقى الا ان ارتكب جريمه وادخل بها السجن لعل الحظ يخدمني والتحق مع بقيه المساجين الذي ستتقوم اداره السجون بالحاقهم في الجمعات بدايه الفصل الدراسي القادم
tqrwe1212@hotmail.com


عبدالعزيز
ابلاغ
11:54 صباحاً 2008/01/07

 


ولايجب أن ننسى أعداء النجاح والحسده الذين
يسعدهم التنكيد على كل ناجح وتطفيشه
ألى أن يتجه مرغما لبلاد الغرب حيث يجد
أبواب النجاح مفتوحه لإستقباله
وحيث البيئه الصالحه للجادين


محمد العثمان
ابلاغ
12:50 مساءً 2008/01/07

 


نحتاج تظافر الجهود لرفع قضايا ضد شركات الافلام والمسلسلات الاباحية الموجهه لشبابنا وتحمل اعلام الدول الاسلامية. نحتاج لتظافر جهود الجميع بما فيهم المحامون ومؤسسات المجتمع المدني للحد من انتشار الرذيلة والفساد والسموم في الاطعمه وغيرها. شكراً للكاتب وشكراً لصحيفتنا الوطنية صحيفة الرياض وإلى الامام في فضح جميع أوجه الفساد والضرر في العباد وفقنا الله جميعاً لما فية خير أمتنا


ابو عبدالرحمن الشافعي
ابلاغ
08:53 مساءً 2008/01/07

 


صدقت يادكتور
انا أعتقد أن الذي استطاع الحصول على فرصة الهجرة و شق طريقه بالخارج محظوظ
ما السبب في محاربة العقول و الكفاءات و أصحاب الفكر الإبداعي ؟
الإجابة واضحة الإدارة لا يمكن لها أن تدير كفاءات تتطلع للتميز إذا كانت على درجة من التواضع والازداء لفكرة الحرية.كما تضلت بالإضافة إلى أن الكراسي ملك للقيادات والكفاءات مصدر تهديد لها


أم عصام
ابلاغ
09:28 مساءً 2008/01/07

 


إنه لمن دواعي ألمي أن أرى شباباً مثل الورد حديثي التخرج وكلهم حماس للتغيير والتطوير والعطاء بدون أهداف شخصية يصدمون بواقع صعب لا يلبي طموحاتهم وعراقيل تطيل الطريق عليهم للعطاء فيفتر حماسهم تدريجياً ويكتسبون صفات لا يستحقها وطننا وهي السلبية واللامبالاة والأنانية.
في الغرب الأبواب مفتوحة للإبداع بغض النظر عن المكانة الاجتماعية ومدى قربك من المدير أو المسؤول ولهذا يبدعون مع توفر البيئة الخصبة من امكانيات وخبرات صادقة.


د. رقية المحمادي
ابلاغ
11:04 مساءً 2008/01/07

 10 


الأخ عبد العزيز قارن بين ايجابيات الوظيفة والوضع الذي ستصبح عليه بعد انضمامك للبعثة وحصولك على الدرجة العلمية...هل تستحق الوظيفة أن تضيع عمرك فيها وقد يتم الاستغناء عن خدماتك مستقبلاً لأن مؤهلك ثانوية...
إن رأيت أن كفة الدراسة رجحت فلست ملزماً للاستمرار في الوظيفة ادرس واعمل على نفسك وابنيها وستجد قيمتك بقدر ما تملك من مؤهلات وبالذات العلمية...وفقك الله... ولا تيأس.


د. رقية المحمادي
ابلاغ
11:08 مساءً 2008/01/07


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية