..وعلى رسلهم يحرثون اليابسة، هم حداة الغيم والوحشة، يتنزهون على شواطئ السراب ويتنسمونه في شميم الشعر ليحددوا ملامح الخريطة وفقا لمحض اندياحاتهم بين الماء والصحراء حيث ينمو الوطن على ضفاف الشعر، وحيث تتأنق الضفاف بسيرتهم وسيرورتهم، وحيث الشعر، بغض النظر عن تعريفاته المستحيلة، دهشة.. مجرد دهشة تصل بالشاعر إلى حد البكاء دائماً، وإلى حد الضحك دائماً، ليس بوصف البكاء تعبيراً عن حزن عميق، ولا بوصف الضحك تعبيراً عن فرح غامر، ولكن بوصف الممارستين تعبيرا إنسانيا راقيا عن دهشة ما تجاه شيء ما في هذا الكون اللامتناهي في تكوينه المتراكم.. دهشة متسائلة، مأخوذة وآخذة.
وما الشعر إلا قبض عفوي وذكي على لحظة الدهشة الملتبسة تلك..أما نار الشعر المقدسة فانها تلك البعيدة إلى حد التماس مع الروح والقريبة إلى حد التماهي مع الحقيقة الأخيرة وعلى مدى الخطى الفاصلة بين الحدين تغوينا شهوة الشعر وتغرينا لذته المستحيلة.
وشعرائي، الذين يستشرفون الغيم بعيون الدهشة، المتناسلون من بيت الشعر الأول في أرض العرب الأولى، الذاهبون الى حدود الكلام بشفرات مصنوعة من فولاذ الموهبة ومروية بدم القلب، المندسون هنا، بين خبايا الحدث الشعري المتواصل في الكويت منذ قيامة الكويت، ما زالوا هنا.. يصقلون بلور القصائد، ويكتملون في صنعها كلمة وشهقة وموسيقى ونارا تتأجج بين الحنايا ووطنا جميلا وحنونا.
وما علي الآن سوى أن اسميهم واحدا واحدا، غائبا وحاضرا، فكلهم حضور لحفلة القول الشعري، وكلهم شهود على لحظة القصيدة.
(@) مقدمة لكتابي "حداة الغيم والوحشة" الذي سيصدر قريبا عن وزارة الثقافة في الجزائر وهو انثولوجيا لشعراء الكويت.