الرئيسية > خزامى الصحارى

من قلب الصحراء

مالك الحزين من خرافة التراث إلى حماية الماشية والحقول ماذا يعني المثل الشعبي (غاق وغرناق)؟



يكتبها ويصورها - محمد اليوسفي:

ورد في بعض كتب التراث العربي التي تتناول الطيور قول غريب عن مالك الحزين حيث جاء أنه (لا يحتاج إلى تزاوج ولا سفاد). وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: (من أعاجيب الدنيا أمر مالك الحزين لأنه لا يزال يقعد بقرب المياه، ومواضع نبعها، فإذا نشفت يحزن على ذهابها، ويبقى حزينا كئيبا، وربما ترك الشرب خوفا من نقص الماء حتى يموت عطشا، وهذا الطائر لما كان يقعد عند المياه التي انقطعت عن الجريان، وصارت مخزونة، سمي مالكا، ولما كان يحزن على ذهابها سمي الحزين). مالك الحزين هذا الذي فسر الجاحظ سبب تسميته بتلك الخرافة هو واحد من أنواع الطيور التي تسمى البلشونات ومفردها بلشون، وتلك فصيلة تضم 60نوعا مختلفة الألوان والأحجام ومعظمها كبيرة. وهي منتشرة في جميع أنحاء العالم. والاسم الشائع للنوع الأبيض منها هو الغرنوق، ففي لسان العرب جاء أن (الغُرءنُوق والغُرءنَيءق والغِرءناق: طائر أَبيض، من طير الماء طويل العُنُق). وسيعبر أجواء وأراضي المملكة خلال الفترة القادمة في رحلات انتقال الطيور عدة أنواع من البلشونات أشهرها الأبيض المعروف في المصادر المتخصصة باسم بلشون القطعان والذي يسمى في المملكة اسما محليا (شعبيا) هو (الغرنوق العءرُبي أو غرنوق البقر). وتتميز معظم أنواع البلشونات ومنها الغرانيق البيضاء بطول رقابها وأرجلها ووقفتها المنتصبة إذا حطت على الأرض، وقد وظف بعض الشعراء الشعبيين هذه الميزة في الغرنوق وشبهوا دلة القهوة بها. ومن أشهر الشواهد قول الشاعر محمد بن عبدالله القاضي (توفي عام 1285ه) في قصيدته بالقهوة:

قربت له من غاية البن ما لاق

بالكف صافيها عن العذف منسوق

دقه بنجر يسمعه كل مشتاق

راعي الهوى يطرب الى دق بخفوق

واحشه بدلة مولع كنها الساق

بلورة منصوبة تقل غرنوق

أو قول الشاعر سعد بن حمد بن ضويان (توفي في أوائل القرن الرابع عشر الهجري):

قم سو فنجال ترى الراس مصدوع

زله وصفه عن سريب الخموعي

فنجال فيه مخومس الكيف مجموع

ودلال يشدن الغباس الوقوعي

والغباس صيغة جمع في العامية لكلمة (الغبيسي) أو الغرنوق الغبيسي، وهذه تسمية شعبية لنوع يعرف باسم البلشون الذهبي الذي يتميز عن الغرانيق شديدة البياض بمسحة من لون ذهبي مائلة إلى الرمادي تغطي الريش الأبيض على ظهره ورقبته. وأصل كلمة (الغبيسي) فصيح؛ حيث جاء في لسان العرب أن الغُبءسة والغَبءسَة تعني لون بين السواد والصُّفرة، أو لون الرماد، وهو بياض فيه كدرة. وقد جاء في الشعر الشعبي الإشارة للون الرمادي الذي يغطي اللون الرملي الفاتح للذئب العربي بكلمة الغبس، وذلك في بيت للشاعر بديوي الوقداني (توفي عام 1296ه) في قوله:

لو مت في ديرة قفرا جوانبها

فيها لوطي السباع الغبس مدهالي

أخير من ديرة يجفاك صاحبها

كم ذا الجفا والتجافي والتعلالي

كما ترد كلمة الغرنوق للدلالة على شدة البياض، ومن ذلك قول الشاعرة دبشة المضوية الشمرية بعد مقتل أخيها في غزوة حول منطقة جبل راف:

واخوي خلي يا خليفة ورى راف

جيّاب وضح مثل لون الغرانيق

ويقال في المثل الشعبي (غاق وغرناق) للدلالة على الأشياء المتضاربة أو الأضداد إذا اجتمعت ولا يوجد رابط بينها. وفي شرحه للمثل قال الأديب عبدالكريم الجهيمان في كتاب الأمثال الشعبية: (الغاق قد يكون صوت الغراب، وغرناق قد تكون أخذت من اسم الغرنوق). وصحيح أن الغرناق تعني الغرنوق لكن الأقرب في استخدام كلمة الغاق في المثل أنه قُصد بها طير أسود اللون مختلف عن الغراب، ويعرف لدى سكان سواحل الخليج العربي باسم اللوهه، وهو طير من الطيورالمائية ويشبه الغرانيق في القوام والوقفة المنتصبة، وأحيانا يندس مع أسرابها لكن ليس له علاقة بفصيلة البلشونات أو الغرانيق البيضاء.

وعودا على بدء لمقولة أن مالك الحزين لا يحتاج إلى تزاوج أو سفاد. وهذا مما لا يعقل، فالبلشونات تتزاوج وتتكاثر كما تفعل كل الطيور، وتضع أعشاشها في الأشجار، وقد يصل عدد البيض في الحضنة الواحدة إلى سبع بيضات.

لقد سعت مؤخرا دول متقدمة في الإنتاج الزراعي والحيواني إلى تجربة التوطين المتعمد لبلشون القطعان (الغرنوق العءرُبي) في غير مناطق استيطانه بعد تهيئة الظروف الملائمة لمعيشته وتكاثره، ونجحت في ذلك بل ان هذا النوع من الغرانيق آخذ في الانتشار في جميع القارات. أما لماذا تسعى الدول المتقدمة إلى توطينه وإكثاره؟ فلقد لوحظ أنه من أفضل الطيور التي تتولى مهمة تنظيف الحقول الزراعية من الحشرات التي تلحق الضرر بالمحاصيل؛ حيث لا يتوقف طوال ساعات النهار عن التهام الحشرات والرخويات والمفصليات وبنهم شديد، كما أنه مولع بتعقب الأبقار والماشية والركوب عليها لينتزع من أجسامها القراد الذي يتطفل عليها ويمتص من دمائها ويصيبها بالهزال والأمراض فضلا عن أن القراد بأنواعه المختلفة عائل لأمراض يمكن أن تنتقل للبشر.

ترى، لو سعت الجهات المعنية في المملكة إلى توطين الغرنوق وإكثاره للمساعدة في الحماية الطبيعية للثروة الحيوانية والزراعية، مع أن مثل هذا العمل يرتفع إلى سقف (سماء الأحلام)، فلو فعلت هل ينجو الغرنوق من آلاف الصيادين العابثين الذين يتلقون هذا الطائر في مواسم عبوره بالبنادق فيصيدونه رغم أن أكثرهم لا يأكلونه بسبب رائحة لحمة الكريهة؟

بالمناسبة ثمة معلومة عن لحم مالك الحزين أو الغرنوق قد لا تكون دقيقة لو أخضعت للاختبار المعملي وهي، وفقا لما قاله الدميري في حياة الحيوان الكبرى: (من خواصه أن لحمه غليظ يولد إدمان أكله البواسير).

وفي الأسبوع المقبل لنا لقاء من قلب الصحراء.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة