في التراث العربي كان معاوية بن أبي سفيان يقول: "لو كان بيني وبين الناس شعرةٌ لما انقطعت، ذلك أنهم إذا شدّوا أرخيت، وإذا أرخوا شددت".
يمكن لدارس التاريخ وباحث السياسة أن يرصد انطلاقاً من هذه الحكمة تطوّر الوعي السياسي في بلاد الشام بين فطنة وكياسة وذكاء معاوية، وبين شتائم السيّد فاروق الشرع وزير الخارجية السوري سابقاً، ونائب الرئيس حالياً، إضافة إلى أنّ السيّد الشرع لا يكتفي بالشتائم ولكنّه يتفنّن في تركيباتها اللغوية ويختار لها أسوأ الأوقات ليبثّها كيفما اتفق دون هداية يقودها العقل أو أناةٍ ترشد إليها الحكمة، ثمّ إنه يجلّل ذلك كلّه بغرورٍ وتعالٍ لا يجد له المتابع مبرّراً على الأرض وقد جاء في الأثر التحذير من "عائلٍ مستكبر".
إذاً فمن "شعرة معاوية" إلى "شتائم الشرع" يمكن رصد تطوّر الخطاب والفعل السياسي في بلاد الشام، والتاريخ كما هو قابل للتطور والمضيّ قدماً للأمام كما جرى في بلاد الشام في القديم والحديث، فهو بالمقابل قابلٌ -كذلك- للتقهقر والرجوع إلى الوراء، وإنما يتحكّم بأحد الخيارين الرجال الذين تكون لهم بحسب الظروف والمعطيات مقاليد التحكم والتصرّف.
نعم، ليس كلّ رجال الشام وسياسييه في هذا المستوى، بل على العكس ففيهم عاقلٌ ذو رأيٍ وحصيفٌ ذو حكمةٍ، ولو خليت لخربت كما قال الأقدمون، وسيبقى الرجاء معقوداً أن ينالَ الفعل من يحسنه والقيادة من يستحقّها، وأن يكون رسن السفهاء في أيدي العقلاء، ولجام المتهورين في أيدي الحكماء.
الكبار في الأزمات يسعون لرأب الصدع ولمّ الشمل وتحمّل المسؤولية، والصغار مشغولون دائماً بالمناكفات السياسية الصغيرة هنا، والمشاغبات الدبلوماسية هناك، وتجدهم بين هذه وتلك يفكّرون بألسنتهم ويعبّرون بحناجرهم، فتراهم بإثارة اللغط فرحين، وبنشر الضوضاء مبتهجين، وشتّان ما بين كبير همّه الإصلاح، وصغيرٍ المناكفة والتخريب غاية أمانيه!
إنّ عين الراصد لمسيرة السيّد فاروق الشرع لا تخطىء مناكفاته الصغيرة هنا ومغالطاته الكبيرة هناك، فهو رجلٌ مولعٌ بالضجيج، لا يملك المتابع لتصريحاته ومواقفه السياسية أن يدفع إحساساً طاغياً يتملّكه بأنّ هذا الرجل يتكلّم أكثر مما يفكّر، ويهدم أكثر مما يبني، ويناكف للمناكفة ويخاصم للمخاصمة، وحين يخلو الفكر من رؤية، والفعل من مشروع، لا يتبقى لصاحبهما إلا العويل على المفكرين، والصراخ على الفاعلين.
وإذا كانت أحداث الواقع خير شاهدٍ، فإننا نرى كيف أنه حين يفكّر الكبار في دول الخليج في وحدة العراق واستقراره، ويسعون جهدهم للحيلولة دون تقسيمه إلى دويلاتٍ متناحرةٍ، لا تخدم أعداء العراق إلاّ بقدر ما تغيظ أصدقاءه، في ذات الحين لا يفكّر الصغار كالسيّد الشرع إلا في أنّ هذه الدول تخشى أن يخرج النفط من حكمها، كما قال هو تصريحاً عن السعودية!
وحين يفكّر الكبار في وحدة لبنان واستقراره ويبذلون الغالي والنفيس لإعادة بنائه وتنميته، ولانتشاله من مغامرات حلفاء "الشرع" غير المحسوبة، لا يستطيع الصغار تحمّل التفكير في لبنان كلّه لأنّه أكبر من قدراتهم على التفكير، فيكتفون بالتفكير في حلفائهم فحسب، ويتفاخرون -وهماً- بأنّ حلفاءهم في لبنان أقوى مما كانوا عليه في أيّ وقتٍ مضى، كما هو -أيضاً- تصريح السيد الشرع.
وحين يفكّر الكبار في رأب الصدع بين الفلسطينيين وتوحيد صفوفهم في اتفاقٍ معلنٍ، فإن الصغار يحاولون تجييره لهم أو التشغيب عليه لاحقاً، تجييره بالزعم بأنه تمّ في دمشق -كما زعم السيّد الشرع-، والتشغيب عليه بدعوى أنه منحازٌ لطرفٍ دون طرفٍ كما زعم السيد الشرع أيضاً!
لا يكتفي السيّد الشرع بذلك، ولكنّه يضيف إليه أكثر تصريحاته خروجاً عن مألوف الدبلوماسية فضلاً عن حقوق الأخوة وذلك حين زعم أنّ السعودية تعاني من شللٍ في دورها الإقليمي والعالمي، يقول ذلك في لحظةٍ تعيش فيها السعودية في مرحلةً من أكثر مراحلها تأثيراً وفاعليةً على كافة المستويات، لحظة يشهد فيها التاريخ بإنجازاتٍ كبرى وعملٍ دؤوبٍ وتأثيرٍ متواصل، يأتي مثل هذا التصريح ضارباً بالمنطق والادب والعقل عرض الحائط. وإذا كانت هذه الطريقة غير جائزةٍ في "شرع الدبلوماسية" فهي واجبةٌ في "دبلوماسية الشرع"!
عندما تتحوّل السياسة إلى "يوتوبيا"، والدبلوماسية إلى "أيديولوجيا"، فإن الحقائق تصبح منبوذةً، والوقائع مقصاةً، ويدبّ في الوعي الخدر وفي الواقع الوهم، ويصدق مطلقو الأكاذيب أنفسهم فيتهافتون جرياً في مضمار المزايدات ويهيمون ضياعاً في حلبة الغوايات.
إن الدبلوماسية التي يقودها السيّد الشرع في شرق بلاده وغربها، وما بين لبنان والعراق هي دبلوماسية تحمل الخراب شعاراً، دبلوماسيةٌ تحفر حفرةً لإخوانها ولاتعلم أنها ستقع فيها إن عاجلاً أو آجلاً، هكذا يعلّم التاريخ دارسيه، ويفهّم الواقع معتبريه، ولكن من رفضوا تعلّم درس التاريخ وأبوا تفهّم عبرة الواقع سيكونون -راغبين أو راغمين- حطباً للنار التي يوقدون، وضحايا للفتنة التي يوقظون، وكم هي جميلةٌ الحكمة التي أطلقها المفكر الفرنسي بيير فيلار حين قال: "أن تفكّر سياسياً بشكلٍ جيّد فعليك أن تقرأ تاريخياً بشكلٍ جيّد".
أستحضر وأنا أكتب عن لبنان والشام والعراق في هذه الظروف الاستثنائية الصعبة حديثاً قديماً للمعرّي، ذلك الفيلسوف الشاعر الحكيم، الذي يبدو وكأنه ينظر من سدف الغيب حينها ليرى واقعنا اليوم فيقول:
والشام فيه وقود الحرب مشتعلٌ
يشُبُّه القومُ شدّت منهم الحجُزُ
وبالعراق وميضٌ يستهلّ دماً
وراعدٌ بلقاء الشرّ يرتجزُ
يمكن للسيد الشرع أن يدخل التاريخ في مستوى التناقض الصارخ بين ترديد شعارات العروبة على مدى سنواتٍ طوالٍ من عمره، والارتماء بدبلوماسيّة بلاده في حضن أعداء العروبة والكائدين لها أناء الليل وأطراف النهار!
كانت سوريا وستظلّ جزءاً عزيزاً من ديار العرب وبلاد المسلمين، وكان أهل الشام بناة الدولة في القرن الإسلامي الأوّل، ولم يزل في زوايا الشام بقايا وفي أهلها رجاءٌ وفي شعبها أملٌ أن يستعيدوا وعيهم من خاطفيه وعروبتهم من المتنكّرين لها، وأن يحيوا ما اندثر من حبال الودّ والتواصل والتعاون مع بعدهم العربي الذي يمثّل بعداً استراتيجياً لهم لا يمكن أن يغض عنه الطرف إلا جاهل بالسياسة وأميٌ في الدبلوماسية، والقاعدة تقول: الشاذّ لا يقاس عليه.
إن الديبلوماسية كما يعرّفها البعض هي "استعمال الذكاء في إدارة العلاقات الرسميّة بين حكومات الدول المستقلّة"، وهي كما يقول آخر "علمٌ يجب تعلّم قواعده، وفنٌ يتعيّن الوقوف على أسراره"، فليت سماسرة الوهم في طول بلاد العرب وعرضها يقصرون علينا من عويلهم، ويرحمون أسماعنا من شعاراتهم الجوفاء، ليصفو الذهن للتفكير، وتستجمع الطاقة للبناء والإنجاز، وتلتحم صفوف العرب ومواقفهم وأهدافهم، بعيداً عن الحسابات الصغيرة والمعارك الشخصية.