*- جُعلت لي الأرض وطناً ومنزلاً-: قالها صاحبي وهو يطل من شرفة مسكنه في باريس. هو الذي قرأ للتو مقولة لأحد كبار الممثلين الفرنسيين يرى فيها أن العالم ليس أكثر من دار أيتام.
لكن صاحبي كلما أطل من شرفته اتجه إلى القبلة. إلى بلاده وأهله. يفعل هذا كلما أراد الخلاص من دار الأيتام هذه.
ذات مرة. سمع صوتاً عميقاً في داخله. صوتاً يتوّج زهده وزهوه.
"لا عشت ضو وءلا ظلام وءلا ضباب
والحمد للهء وين مارحت اختفيت".
يفرّ منها جميعاً من الصخب، من الكذب من الانتفاخ.
ولا يجد ضوءه وظلمته وضبابه إلا في داخله.
يُدعى للأضواء المصطنعة الكاذبة. يلبي الدعوة ليرى عورات الجبابرة. أولئك الذين يعرضون زيفهم تحت أي نقطة ضوء. أولئك الذين لا يتورعون عن الانتحار ليراهم الآخرون ليتحدثوا عنهم. ليصوروهم. أولئك الذين كلما رأوا جنازة فارهة تمنوا لو أنهم الموتى.
يلبي الدعوة ليختبر إن كانت بلاده وأهله على ذلك العلوّ الذي نما فيه وأفنى وقته للبقاء فيه.
في كل اختبار يهوي قليلاً. فيختفي أو يدفن رأسه لكي لا يرى بعض الانهيارات. لكن يتلافى شدة الزلازل.
ولأنه مؤتمن على ذاكرته. على ذاكرة أهله. يلجأ إليها خائباً منكسراً. ليجد نفسه على ذلك العلو من جديد. فيعود للكتابة. ليختبر بها إن كان حياً أو ميتاً. فبالكتابة والقراءة نستعيد الحياة. تلك التي تبقينا قريباً من السماء. قريباً من الأهل والبلاد.