على الرغم من الاهمية السياسية لقمة الدوحة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي اختتمت اعمالها الأسبوع الماضي، باعتبارها تأتي في ظروف استثنائية، حيث تشهد المنطقة مزيداً من التوترات في اكثر من منطقة عربية، وما قد تحمله تداعيات الوضع في العراق ولبنان وفلسطين وكذلك الملف النووي الايراني من مفاجآت، الا انه يمكن القول ان هذه القمة كانت قمة اقتصادية بامتياز حيث شهدت الاعلان عن خطوة جبارة تلخصت في ولادة السوق الخليجية المشتركة، تلك السوق التي يمكن لها في المستقبل ان تشكل الاساس القوي لبناء اقتصاد خليجي متكامل يستطيع ان يواجه التحديات المستقبلية، لاسيما مع اهمية العامل الاقتصادي في عالمنا هذا في الوقت الراهن، وتسابق الكثير من المجموعات الدولية لتشكيل قوى اقتصادية خاصة بها بغية الحفاظ على اوضاعها الاقتصادية سليمة في بحر التنافس الاقتصادي الهائل الذي تشهده الساحة الدولية بعد أن أصبح الاقتصاد عصب الحياة في كل شيء.
ومع ان اعلان قيام السوق الخليجية المشتركة هو في الواقع تأسيس لكيان افتصادي مادي، الا انه لا يخلو ابداً من ابعاده السياسية حيث يعكس رغبة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في السير قدماً نحو تعزيز تعاونها في المجالات كافة بما يضمن مصالحها ويصون حقوقها وهي خطوة مهمة جداً في هذا الوقت بالذات.. وقبل الغوص في الحديث عن الآثار التي ستنجم عن ولادة السوق الخليجية المشتركة والفوائد المنتظرة منها، لابد من إلقاء نظرة على ابرز البنود التي حملها نص الاعلان عن السوق الخليجية المشتركة الوليدة، فقد جاء في هذا الاعلان الذي قرأه في الجلسة الختامية للقمة الخليجية معالي الدكتور عبدالرحمن العطية الامين العام لمجلس التعاون والذي جاء فيه: تعتمد السوق المشتركة الخليجية على المبدأ الذي نصت عليه المادة الثالثة من الاتفاقية الاقتصادية بأن يعامل مواطنو دول المجلس الطبيعيون والاعتباريون في اي دولة من الدول الاعضاء نفس معاملة مواطنيها دون تفريق او تمييز في كافة المجالات الاقتصادية وعلى وجه الخصوص ما يلي:
1- مزاولة جميع الانشطة الاقتصادية والاستثمارية والخدمية.
2- ممارسة المهن والحرف.
3- تداول وشراء الاسهم وتأسيس الشركات.
4- العمل في القطاعات الحكومية والاهلية.
5- التأمين الاجتماعي والتقاعد.
6- تملك العقار.
7- تنقل رؤوس الاموال والمعاملة الضريبية.
8- الاستفادة من الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية.
9- التنقل والاقامة.
وتهدف السوق الخليجية المشتركة بذلك الى ايجاد سوق واحدة يتم من خلالها استفادة مواطني دول المجلس من الفرص المتاحة في الاقتصاد الخليجي وفتح مجال اوسع للاستثمار البيني والاجنبي، وتعظيم الفوائد الناجمة عن اقتصاديات الحجم ورفع الكفاءة في الانتاج وتحقيق الاستخدام الامثل للموارد المتاحة، وتحسين الوضع التفاوضي لدول المجلس وتعزيز مكانتها الفاعلة والمؤثرة بين التجمعات الاقتصادية الدولية.
ومما تقدم نستطيع القول ان اعلان قيام السوق الخليجية المشتركة يمثل نقلة نوعية في العلاقات بين دول الخليج العربية، يكون اول المستفيد منها هو المواطن الخليجي الذي ستفتح امامه المزيد من الآفاق الاقتصادية التي من شأنها دعم وتطوير الاقتصاد الوطني في المجالات كافة.. ويرى الكثير من المستثمرين ورجال الاعمال والاقتصاد ان اقامة السوق الخليجية المشتركة يتوج في الواقع مسيرة التكامل بين دول مجلس التعاون الخليجي بإنجاز سيسمح للاقتصاديات الخليجية بالاستفادة من هذه السوق على اوسع نطاق، بما في ذلك حرية انتقال العمالة ورؤوس الاموال وتأسيس الشركات والتملك وغيرها من الانشطة المهمة، بكل ما يعنيه ذلك من وجود سوق اقتصادية مهمة تستطيع ان تدعم اقامة شركات ضخمة قادرة على المنافسة عالمياً، انطلاقاً من السوق الاقليمية الجديدة والواعدة.
ومن اهم فوائد السوق الخليجية المشتركة هو انه ستكون متاحة ولاول مرة امكانية تدشين او تطبيق المفهوم الحقيقي لفكرة المواطنة الخليجية بالشكل العملي.. كما ان هذه الخطوة تشكل في نظر الكثير من المراقبين بداية مرحلة جديدة لتفعيل التكامل الاقتصادي الخليجي، على اسس واقعية تكرس مبدأ المواطنة الخليجية، وتؤسس لاقامة اقتصاد خليجي قوي وفاعل ليس في المنطقة فحسب، وانما على المستوى الاقليمي والدولي.
والحقيقة اننا لو اردنا احصاء الفوائد التي ستجنيها الدول الخليجية من هذه الخطوة المشجعة فإننا سنحتاج الى الكثير من الدراسات بهذا الشأن، ولكن ما يمكن قوله هنا هو ان هذه الخطوة تعد قفزة نوعية كبيرة سنتلمس آثارها الإيجابية في القريب العاجل، وإن كانت هذه الخطوة قد تأخرت بعض الشيء، الا انه ان تأتي متأخرة افضل من ألا تأتي أبداً.. في وقت نحن في امس الحاجة فيه الى مثل هذه القرارات الشجاعة.
@ المدير الإقليمي لمكتب دبي