مهنة الصيدلة.... إلى أين؟!!
إن الواضح للعيان في الوقت الحالي أمر مهنة الصيدلة والمزاولة الحقيقية لها، فهي تجعل الصيادلة في حيرة من أمرهم، مهنتهم التي أفنوا معظم أعمارهم في خدمة هذه المهنة الجليلة، ونهلوا من مصادر العلم الصيدلاني في الداخل والخارج، وهذا الأمر تشهد به الجامعات العالمية والمجلات العلمية العالمية المتخصصة ببروز متميزين في مجال الصيدلة والدواء يقفون مذهولين أمام واقع مستوى الممارسة الصيدلانية.
فالمزاولة اليومية الحقيقية يتحكم بها غير ممتهني مهنة الصيدلة وهذا واضح كالشمس، فالصيدليات الأهلية ملأت الشوارع والمدن وأصبحت تزاحم البقالات والمخابز ومحلات الخياطة تسمى صيدليات ومعروف لدى المتخصصين أن كلمة Pharmacy جاءت من كلمة Pharma وتعني دواء فهي مصدر الدواء والدواء هو الترياق الذي يعالج أعراضاً صحية معينة.
فالصيدلية هي المنشأة التي توفر مستحضرات صيدلانية ذات ادعاءات طبية فأصبحت الصيدليات مصدراً للحفائض بأنواعها والشامبوات بأنواعها والمأكولات بأنواعها والكريمات وأدوات التجميل بأنواعها.... إلخ. وتعمل على مدار الساعة وبدون كلل، توفر للجميع السموم على مدار الساعة وبأسعار تنافسية وبدون وصفة، ويقوم بها الصيدلي وغير الصيدلي حتى عامل النظافة قد يقوم بصرف الأدوية وبدون تحفظ.
فأخذت الصيدليات بالازدياد في الشوارع، وأصبح الكل يعمل جاهداً لفتح سلسلة من الصيدليات لأن ربح الصيدلية الواحدة مغرٍ فماذا يمنع من فتح المزيد. بل يسعون لأخذ ما في جيب المريض دون أدنى اكتراث لأسس ونظم مزاولة مهنة الصيدلة، فالواقع غير مُرضٍ لنا معشر الصيادلة حين يمتهن المهنة من غير منسوبيها.
إن الواقع يحتاج إلى إعادة نظر من جميع المسؤولين على القطاعات الصحية وعلى رأسها وزارة الصحة. ولماذا التفاوت والاختلاف في طريقة صرف الأدوية في بعض القطاعات الصحية، ولماذا يُترك الباب مفتوحاً لجميع فئات المرضى لشراء الأدوية المختلفة وبدون استشارة طبيب أو صيدلي وبدون وصفة.
فاللوائح ونظام مزاولة مهنة الصيدلة في مكان الأرشيف إذا كان هناك أرشيف ولا وجود له على أرض الواقع، ومواكبة للتطور في مهنة الصيدلة محلياً سمحت وزارة الصحة للممرضين والممرضات بصرف الوصفات ولا حاجة لممتهني مهنة الصيدلة، وهذه نكسة كبيرة في النظام الصحي في المملكة وضد نظام مزاولة مهنة الصيدلة الذي لا يسمح لأحد بصرف الوصفات الطبية إلا صيدلي قانوني. فإذا سُمِح للممرض بصرف العلاج هل يُسمح للصيدلي القيام بدور الممرض؟ وهل يُسمح للممرض أن يقوم بدور الطبيب؟.. وهذا التساؤل أطرحه على وزارة الصحة والهيئة السعودية للتخصصات الصحية ووزارة التعليم العالي.
إن نظام مزاولة مهنة الصيدلة لا يسمح حتى لفني صيدلة (دبلوم صيدلة) بصرف علاج إلا تحت إشراف صيدلي قانوني. كما أود أن أوضح لقارئ هذا المقال بأن مسمى صيدلي ارتبط بالقانون في جميع دول العالم، يحمل الحاصل على بكالوريوس علوم صيدلانية مسمى صيدلي قانوني ومعنى هذا أنه يلتزم بالقانون وأخلاقيات مهنة الصيدلة ولوائحها، ولا يغش سواء بصرف علاج منتهي الصلاحية أو علاج خاطئ أو جرعة خاطئة أو صرف علاج حسب طلب المريض وبدون وصفة صرف من قِبل طبيب مختص.
حكومتنا الرشيدة تنفق المليارات لتوفير الأصناف الدوائية لعلاج الأمراض المختلفة تقديراً منها للمواطن والمقيم، ولكي تصل إلى محتاجيها على أسس علمية صحيحة. فالملاحظ التفاوت في طرق صرف الوصفات وبمعنى أصح غياب تفعيل دور الصيدلي في القطاع الصحي، فبعض المستشفيات تستخدم الأسلوب البدائي في وصف العلاج مباشرة من عيادة الطبيب إلى المريض مباشرة، والبعض يكلف ممرضه بصرف العلاج، وآخر يعطي الوصفة للمريض ليختار ما يشاء من الأصناف كما هو حاصل في الصيدليات الأهلية التي تعمل على مدار الساعة. كما أن البعض الآخر بدأ يفكر في الطريقة السليمة لاستغلال الصيادلة وإعطائهم الفرص لإبداء ما لديهم، والمساهمة في المسيرة التطويرية في المجالات الطبية التي شملت كل مجال ما عدا مهنة الصيدلة حيث يتقاذفها غير ممتهني مهنة الصيدلة يمنةً ويسرة.
إن الواقع الحالي جاء نتيجةً للتعجيل بالخطط غير المدروسة في التوسع، خاصة بالإكثار من منافذ توفير الأدوية (السموم)، بينما الجانب الآخر نلاحظ التقنين في تنظيم السجلات الطبية ومواعيد العيادات ومواعيد العمليات الجراحية وخدمات المختبر التحليلي، حيث يجب على المريض الانتظار أشهراً للحصول على موعد لأن نظام المنشأة الصحية أدخل الحاسوب في تنظيم مواعيد العيادات وكتابة التقارير الطبية وطلبات التحاليل المخبرية، بينما التطور هذا أُحجب عن تنظيم وتقنين صرف الأدوية في نفس المنشأة وهذا واضح للجميع في المستشفيات الحكومية والخاصة.
الواقع الصحي لدينا فتح المزيد من منافذ توفير الأدوية ومرافقها، كما تسبب في عدم تنظيم صرف العلاجات، وعدم إتباع نظام مزاولة مهنة الصيدلة، وتشعب المهنة بين منسوبيها وبين غير منسوبيها، وبدأ الكل بالعمل الدؤوب في الاستثمار في بيع الأدوية والمستحضرات عن طريق الصيدليات الأهلية بدون حدود أو قيود لجميع الفئات العمرية. سوء التنظيم والإهمال يؤدي إلى عدم اكتراث الجميع عمّا يقدمه الصيدلي الذي يُنظر إليه الآن كبائع بضاعة.
إن الوضع القائم يحتاج إلى إعادة نظر حتى لا يتفاقم الأمر إلى ما هو أشد، فنظرة المجتمع قد تنحصر في أخذ استشارة الطبيب في أضيق الحدود بينما للحصول على علاج أو أدوية فالأمر سهل.. منافذ توفير الأدوية متوفرة من صيدليات أهلية ومحلات أعشاب وعطارة، فترى المريض يقوم بتجربة العديد من المستحضرات المعروفة وغير المعروفة حتى يدخل في تعقيدات صحية، حينها يبدأ يسلك الطريق الصحيح في البحث عن مخرج فيبحث عن أحسن استشاري وأحسن مستشفى ويطلب استشارات الصيدليات حول العلاج الأنجع من الصيادلة المتخصصين.
فالمريض لا يميز بين طبيب استشاري أو مقيم أو عام فكلهم أطباء لكن يتحسس من نوع العلاج أو الدواء وكميته وطريقة ومكان صرفه، وهذه الأمور لا تتوفر إلا في مكان صرف العلاج وهي الصيدلية، والمحرك لذلك هو الصيدلي القانوني. فهل تترك مهنة الصيدلة يشرّعها غير منسوبيها كما هو الحاصل لتخصص إدارة المستشفيات المغيّب تماماً عن الرعاية الطبية؟!
إن استحداث أكثر من عشر كليات للصيدلة في المملكة سوف يزوّد السوق المحلي بكوادر متعلمة ومتسلحة بالعلم الصيدلاني الدوائي ويعملون جنباً إلى جنب مع أعضاء الفريق الطبي، وهذه الكوادر المتواجدة الآن والتي سوف يضاف لها قادرة على فعل نقلة نوعية في مجال مستوى أداء الخدمات الصيدلية ولا يتأتى ذلك إلا بدعم من القائمين على الرعاية الصحية بدءاً من وزارة الصحة والقطاعات الحكومية والخاصة، لإيجاد كيان لمهنة الصيدلة وعدم البت بأمور وشؤون الصيدلة والدواء إلا باستشارة الصيادلة والصيدلانيات، مراعين تخصصاتهم الدقيقة كل في مجال عمله، كما هو الحاصل في تشريعات الطب وطب الأسنان والتخصصات الطبية الأخرى.
من يملك مكتب محاماة محامٍ سعودي مرخص له، من يملك مكتب هندسي مهندس معماري سعودي مرخص له، من يملك مكتب محاسبة محاسب سعودي مرخص له، وكذلك لابد من عمل تنظيم حكومي قانوني لتوحيد طريقة صرف الأدوية من خلال الصيدليات الأهلية أو القطاعات الحكومية أو الخاصة.
ولابد من سن القوانين والعقوبات مع المتساهلين في صرف الأدوية بأنواعها بدون وصفة من طبيب متخصص، وهذه الأمور تحتاج إلى إعادة صياغة الأطر التي من خلالها تتحرك الشركات الدوائية العالمية والوطنية وكذلك وكلاؤها.
مزيد من فتح الصيدليات الأهلية معناه مزيد من منافذ بيع الأدوية وارتفاع معدل التنويم بالمستشفيات، فلابد من تدارك الوضع حتى لا تضطر المستشفيات بتحويل جميع مواقف السيارات والمساحات المحيطة والمسطحات الخضراء إلى عنابر تنويم.
@ وكيل كلية الصيدلة - جامعة الملك سعود