الرئيسية > مقالات اليوم

السياسة الأميركية في المحيط الهندي


عبدالجليل زيد المرهون

بالعودة إلى السياسة الأميركية في شرق المحيط الهندي، فقد أعلنت كلٌ من الولايات المتحدة واليابان وأستراليا في آذار مارس الماضي عن إقامة تحالف عسكري ثلاثي، تُبع بالإعلان عن مشروع (أو فكرة) لإقامة منظومة دفاعية مشتركة مضادة للصواريخ في آسيا.

؟ يحتل المحيط الهندي مكانة متقدمة في الحسابات الجيوستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية. وهي قد غدت أكبر قوة عسكرية في المحيط منذ ستينيات القرن العشرين، وتحديداً منذ العام 1965تاريخ الانسحاب البريطاني منه، وحيث حل الأسطولان السادس والسابع محل القوة البريطانية.

ومنذ ثمانينيات القرن العشرين، ركزت الولايات المتحدة جهودها للسيطرة على الممرات البحرية الستة عشر الأساسية في العالم، بما يضمن لها محاصرة القوى البحرية وإغلاق الملاحة في وجه الدول الأخرى أوقات الحروب، وقد نُظر إلى مضيق ملقا باعتباره أحد أهم هذه الممرات البحرية العالمية بالنسبة للولايات المتحدة.

وفي العام 1992قامت الولايات المتحدة بنقل مقر قيادة الخدمات الخلفية للأسطول السابع إلى قاعدة بحرية في سنغافورا لتعزز بذلك فرص السيطرة على الخطوط البحرية الهامة في جنوب شرقي آسيا، وخاصة في مضيق ملقا. ويأتي التأثير الأميركي على المضيق بصفة أساسية من جزيرة كوانغ داو، حيث قاعدة غوام العسكرية التي تقع على ملتقى خط الولايات المتحدة - المحيط الهندي، وخط اليابان - أستراليا، حيث يمكن إرساء الأساطيل الضخمة فيها، وإقلاع وهبوط القاذفات الإستراتيجية بعيدة المدى من طراز (B - 2) و(B - 52)، ولهذا يعتبر الأميركيون قاعدة غوام بمثابة "السور البحري العظيم" في قلب المحيط الهادي. ولمواجهة الصين، شرعت الولايات المتحدة في توثيق تحالفها مع أستراليا، وأعلنت كلاً من تايلاند والفلبين حلفاء من الدرجة الأولى، وأبرمت اتفاقية تحالف إستراتيجي مع سنغافورا. وقام البنتاغون بنشر قدرات عسكرية جديدة في المنطقة، تتضمن غواصات مهاجمة، ومُدمرات صاروخية، وقنابل بعيدة المدى.

وفي شمال المحيط، وافقت جيبوتي هذا العام على بناء قاعدة عسكرية أميركية فوق أرضها، سيكون بمقدورها التحكم في مضيق باب المندب. كذلك، أنشأت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة نحو أربع عشرة قاعدة جديدة في منطقة بحر العرب، كما بنت وعززت عشرين قاعدة في العراق. وفي السادس والعشرين من تشرين الثاني نوفمبر الماضي، أفادت وكالة "أسوشيتد برس" أن الحكومة العراقية مستعدة للموافقة على تواجد عسكري أميركي طويل الأمد. وأكد هذا الخبر الجنرال دوغلاس ليوت مستشار الرئيس الأميركي جورج بوش، المكلف بمتابعة العملية العسكرية في العراق. وأعلن ليوت أنه من المفترض أن تجري مفاوضات رسمية بين العراق والولايات المتحدة حول عقد اتفاقية ثنائية بهذا الشأن، وذلك بحلول تموز يوليو 2008.وفي حالة تواجدها الطويل الأمد، سوف يتقلص حجم القوات الأميركية في العراق من 160ألفاً حالياً إلى 50ألفاً، وسترابط في معسكرات خارج المدن الكبرى.

وفي بقعة أخرى من المحيط، تعزز موقع قاعدة ديغوغارسيا (Deigo Garcia )، التي تبعد نحو 5000كيلومتر عن وسط الخليج العربي، والتي انطلقت منها أولى طلعات القاذفات الأميركية في حرب الخليج الثانية، وعديد من الطلعات الرئيسية خلال حرب العراق في العام 2003.وتحوي هذه القاعدة مدرجاً يمتد لأكثر من 3600متر، صالح لإقلاع وهبوط القاذفات الاستراتيجية مثل (B52 ) و(B1 ) و( B2). وتحتوي جزيرة ديغوغارسيا على مرفأ ذي مجريين عميقين، يصلحان لاستقبال ورسو حاملات الطائرات والغواصات النووية، بما يسهل حركة الاستعدادات العسكرية. وقد ظلت الولايات المتحدة تبقي في القاعدة على عشرة قاذفات من طراز (B52) وعشر من الطائرات الخاصة بتزويد الوقود في الجو من طراز ( KC135) و(KC10). ولا تستغرق طلعات طائرات (B2) أكثر من خمس ساعات ذهباً وإياباً لضرب مواقع في العراق أو إيران، بينما تحتاج لأكثر من عشرين ساعة في حال انطلاقها من الأراضي الاميركية.

وفي السياق ذاته، يدور الحديث حالياً عن مخطط لإنشاء خمس قواعد عسكرية جديدة للولايات المتحدة في أفريقيا، وذلك بنهاية العام 2008.وهناك مساع أميركية من جهة أخرى لبناء قاعدة في جنوب الفلبين. و لن تشيّد هذه القواعد في دول واقعة على المحيط الهندي، بيد أنها ستكون معنية في جزء منها بتعزيز الاستراتيجية الأميركية في هذا المحيط. وهناك اليوم أكثر من سبعمائة قاعدة أميركية حول العالم، تستخدم في أغراض عديدة، منها التدريب وتخزين الأسلحة والمعدات العسكرية الخاصة بالجيش الأميركي. وهذا بخلاف القواعد العسكرية المنتشرة داخل الولايات المتحدة، والتي تصل إلى ستة آلاف قاعدة، وذلك حسب البيانات المنشورة في شباط فبراير الماضي. وبعد أن كان هناك 255ألف جندي أميركي حول العالم في العام 2002، ارتفع العدد حالياً إلى 325ألفا. وبدلا من التركيز التاريخي على ما يُعرف بالسلام الأميركي (Pax Americana)، وهو السلام الذي يتوفر بتفوق عسكري للولايات المتحدة لا تضاهيه أية قوة عسكرية أخري، حدث تغيّرٌ في التوجه، وأصبح التخطيط الاستراتيجي يركز على التحوّل العسكري الأميركي (Military Transformation)، بما يسمح بالحفاظ على هامش مقبول من التفوق العسكري، على أن تدعمه علاقات وثيقة مع عدد متزايد من الدول والمنظمات الإقليمية.

وبالعودة إلى السياسة الأميركية في شرق المحيط الهندي، فقد أعلنت كلٌ من الولايات المتحدة واليابان وأستراليا في آذار مارس الماضي عن إقامة تحالف عسكري ثلاثي، تُبع بالإعلان عن مشروع (أو فكرة) لإقامة منظومة دفاعية مشتركة مضادة للصواريخ في آسيا. وقد أثار هذا المشروع كلاً من الصين وروسيا حتى قبل الإعلان الرسمي عنه. فمنظومة صاروخية من هذا القبيل سوف تمكن الولايات المتحدة من محاصرة القوات النووية الصينية المتواضعة نسبياً، وسوف تفرض في الوقت نفسه حصاراً على قاعدة (كامتشاتكا) الروسية الاستراتيجية، الخاصة بالغواصات المحملة برؤوس نووية.

وفي الزيارة الأخيرة التي قام بها إلى اليابان هذا العام، أصر ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي بأن على الولايات المتحدة واليابان وأستراليا أن تقيم علاقات دفاعية وثيقة. ومن جهته، قدم مضيفه رئيس وزراء اليابان السابق شينزو آبي اقتراحاً يقضي بأن تتحد الدول الثلاث مع الهند لتشكيل حلف أمني. وفي أيار مايو الماضي، عقد وزراء خارجية الدول الأربع اجتماعاً في العاصمة الفلبينية مانيلا وقرروا المضي قدماً في تطوير سلسلة المناورات البحرية قرب ساحل مالابار الهندي في خليج البنغال، إلا أن الهند امتنعت على الرغم من ذلك من الظهور بمظهر الساعي للدخول في أحلاف أمنية، وذلك على الأرجح على خلفية الحساسية الشديدة لعلاقتها مع الصين. وتعد مناورات مالابار 2007، أوسع مناورات متعددة الجنسيات شهدها المحيط الهندي اليوم، وقد شاركت فيها سنغافورة إضافة للدول الأربع، واستخدمت خلالها ثلاث من حاملات الطائرات الأميركية هي نيمتز وكيتي هوك ووفيرات.

وإضافة للتحركات المشتركة في المحيط الهندي، فوّض قانون ياباني حرس الدفاع الذاتي بإرسال سفن حربية لمؤازرة الولايات المتحدة في عملياتها في أفغانستان، وتبع ذلك إرسال ثلاث قطع من بوارج الحراسة المدرعة وقطعتين من سفن الإمداد إلى المحيط الهندي، للقيام بعمليات دعم لوجستي للقوات الأميركية. ومع اشتداد الوضع في العراق، عادت الحكومة اليابانية لإرسال مدمرتها (ZUES SHIELD) إلى المحيط الهندي تحت عنوان الدعم اللوجستي. وتتمتع هذه المدمرة بقدرة وكفاءة عاليتين على صعيد جمع ومعالجة المعلومات العسكرية آليا بواسطة الرادارات والحاسبات الإلكترونية المتقدمة، وصولاً إلى مهام القصف وشن الهجوم. وفي استطاعتها أن تتصيد أكثر من عشرة أهداف في آن واحد؛ ويصل مدى الصواريخ المحمولة عليها لأكثر من 100كيلومتر.

ومن جهتها، أقامت الهند قيادة عسكرية إقليمية في سلسلة جزر "نكوبار واندمان" (Andaman & Nicobar) التي تبعد نحو 1190كيلومتراً عن اليابسة الهندية. ويعد هذا المشروع جزءاً من البرنامج النووي والاستراتيجي الهندي، الذي يركز على الحفاظ على المصالح الهندية في غرب آسيا، أي سواحل باكستان ومياه بحر العرب، وصولاً إلى الشرق الأقصى، أي سواحل إندونيسيا وماليزيا، بل ومياه فيتنام أيضاً. والأمر الملحوظ في هذا الخصوص هو أن الهند دخلت في اتفاق أمني مع فيتنام يمهد الطريق لوصلها إلى بحر الصين الجنوبي. والملاحظ أن كثيراً من السلاح والمعدات العسكرية التي طلبتها الهند من إسرائيل وروسيا سيتم نشرها في قاعدة "نكوبار واندمان"، ومن ذلك:حاملة الطائرات الروسية مارشال كريجكو، وثلاث فرقاطات روسية متطورة، ومنظومة الدفاع البحرية الإسرائيلية من طراز باراك، وغواصات روسية من طراز كيلو، وخمسة أسراب من مقاتلات ميغ (Mig - 21) و(Mig - 29) و(Su - 30).

في المقابل، تحركت الصين نحو إيجاد دول حليفة حول الهند تعتمد عليها في مشترياتها الرئيسية من الأسلحة، وهو ما يحدث حالياً مع بنغلادش، وماينمار، وسيريلانكا، وباكستان، كما قامت الصين بفتح طرق عبر نيبال، وأنشأت موانئ في كل من جوادار بمقاطعة بلوشستان الباكستانية على بحر العرب، وهامبانتوتا في سيرلانكا، وفي ماينمار والمالدي، من أجل ضمان أمن الخطوط البحرية التي تمر عبرها إمداداتها من النفط والغاز، لدفع الهند نحو المياه الخلفية لخليج البنغال وبحر العرب.

وهناك ثلاث ممرات بحرية رئيسية لنفط الصين: الأول، خط الشرق الأوسط: الخليج - مضيق هرمز - مضيق ملقا - مضيق تايوان - الصين. الثاني، خط أفريقيا: شمال إفريقيا - البحر الأبيض المتوسط - مضيق جبل طارق - رأس الرجاء الصالح - مضيق ملقا - مضيق تايوان - الصين. والثالث، خط جنوب شرقي آسيا :مضيق ملقا - مضيق تايوان - الصين. أي انه باستثناء خط المحيط الهادي، الذي يمر به النفط المستورد من فنزويلا، وغيرها من دول أميركا اللاتينية، إلى الصين لا بد للنفط الصيني المستورد من عبور مضيق ملقا.

وعلى خلفية هذه المعطيات، بات مصطلح "خطر ملقا" حاضراً على نحو مستمر في الخطاب السياسي والأكاديمي الصيني، وأضحى البحث عن ممرات بديلة للطاقة الصينية هاجساً دائماً للدولة الصينية. وفي حقيقة الأمر، يبدو الخطر كبيراً بكافة المعايير، إن لجهة خنق الاقتصاد الصيني، أو الضغط على مقاربة بكين للمسألة التايوانية، أو محاصرة تحالفاتها الإقليمية. وفي إطار البحث عن بدائل لمضيق ملقا، تتم حالياً دراسة مشروع لتشييد خط أنابيب بطول 1200كم يمتد من ميناء سيتوي في ماينمار إلى مدينة كونمنغ في جنوب الصين الشرقي، حيث ستتمكن ناقلات النفط القادمة من بحر العرب الإبحار إلى شمال بحر أدمان، حيث سواحل ماينمار الغربية، وتتجنب بذلك السير شرقاً باتجاه مضيق ملقا. ويبدو أن الصينيين قد شرعوا الآن في خطوات أولية باتجاه تنفيذ هذا المشروع، أو الحلم التاريخي.

وكانت هناك فكرة سابقة تقضي بشق قناة في أراضي تايلاند الجنوبية، بطول يزيد قليلاً على المائة كيلومتر، بحيث تتمكن القوافل من التوجه مباشرة من بحر أندمان حيث تقع سواحل البلاد الغربية إلى خليج تايلاند، حيث تقع سواحلها الشرقية. ومن هناك تواصل القوافل مسارها باتجاه بحر الصين الجنوبي، حيث سواحل الصين، متجنبة بذلك المرور بمضيق ملقا. بيد أن الصين عدلت عن هذا المشروع لارتفاع كلفته التي قدرت بعشرين مليار دولار. وفي العام 2003، اقترح رئيس وزراء تايلاند آنذاك، ثاكسين شيناواترا، بديلاً أقل كلفة يتمثل في مد خط للأنابيب تحت الأرض عبر جنوب تايلاند، إلا أن الفكرة لم تأخذ طريقها لمزيد من البحث، بسبب ارتفاع الكلفة الناجمة عن تفريغ حمولة القوافل وإعادة تحميلها.

وبدورهم، دخل الروس بازار اللعبة في المحيط الهندي، وقاموا منذ العام 2005بتسيير "رحلات ودية" للأسطول الروسي إلى دول جنوب شرق آسيا، وذلك فضلاً عن المناورات المنتظمة التي يجرونها منذ سنوات مع الهند، التي غدت مدججة بالسلاح الروسي على نحو لا مثيل له في أية بقعة أخرى من العالم. وبدورهما، تبدو كل من ماليزيا وإندونيسيا وقد اتجهتا على نحو رئيسي للسلاح الروسي، إذ تقوم روسيا حالياً بتصنيع طائرات (Su -KM30) بطلب من القوات الجوية الماليزية التي كانت قد تسلمت 6طائرات فيما يجب أن تتسلم البقية - 12طائرة - قبل نهاية العام 2008.وكان الجانبان الروسي والماليزي قد وقعا اتفاقية تنص على تصدير 18طائرة حربية روسية إلى ماليزيا بقيمة 900مليون دولار. ومن المقرر أن تدخل هذه الطائرات الخدمة في سلاح الجو الماليزي إلى جانب مقاتلات (Mig - N29). وتتضمن خطط روسيا الطويلة الأمد للتعاون مع ماليزيا تجهيزها بنظام حديث للدفاع الجوي. ومن جهتها، قررت إندونيسيا شراء ست طائرات حربية روسية من طراز (Su)، وغواصتين روسيتين من فئة "كيلو"، و 9مروحيات روسية مختلفة الأنواع، وذلك في الفترة من العام 2007ولغاية 2010.ومن خلال قرض روسي لهذا الغرض.

وبصفة عامة، يمكن القول إن المحيط الهندي قد عاد اليوم ساحة صراع وتنافس دولي وإقليمي صريح. وإذا كان صراع الأمس قد جرى في ظل الحرب الباردة، المحكومة بتوازن مستقر للردع، فإن ما يجري اليوم يبدو أكثر تعقيداً في مفاعيله على البيئة الأمنية للمحيط، كما الأمن الدولي عامة. وباعتبارها صاحبة القوة العسكرية الأكبر في المحيط الهندي، فإن الولايات المتحدة معنية بتحمل مسؤولياتها كاملة، كما على القوى الإقليمية التحرك باتجاه بلورة نظام للأمن الإقليمي في المحيط، يؤكد التعاون بدل الصراع، ويخلق آليات كفيلة بحل الخلافات الظاهرة والكامنة، ويدفع باتجاه التعاون والتعايش المشترك في عموم الإقليم.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة