انطلقت من حي الصالحية.. و(فاعل خير) تسبب في شهرتي!
يعرفه الجمهور بشخصية الأب في طاش. فهو والد القصبي والسدحان منذ سنوات. وهو كذلك الأب في الكثير من المسلسلات السعودية الأخرى. لكن الذي يجهله الكثيرون هي بداياته وأيامه الأولى مع الفن والدراما قبل ثلاثين عاماً حين كانت السعودية متحفزة للانطلاق في كافة المجالات. علي المدفع النجم المحبوب والأب الحنون كان شاهداً على تلك الفترة التأسيسية.. انطلق من حي الصالحية هو وثلة من رفاقه ليعززوا من حضور الدراما في صحراء نجد. وفي هذا الحوار يكشف علي المدفع بروحه الحميمية عن ذلك التاريخ الجميل:
@ بمسيرة فنية تجاوز عمرها الثلاثين عاما، أرجو أن تحدثنا عن البداية؟
- في أوائل السبعينيات الميلادية كنت أقدم في نادي الهلال بعض المسرحيات والمسابقات الثقافية وتستطيع القول أنه من ذلك الحين وأنا أرى نفسي قد ارتبطت بالفن وبالتمثيل كهواية بمختلف وسائله، كان التلفزيون السعودي في صباه إن صح التعبير، وكنا بعد أن نعرض في نادي الهلال في فترة العصر نتجه إلى مبنى التلفزيون للتمثيل والتأليف في عدد من الفقرات والقفشات الكوميدية ومن هنا كانت البداية.
@ ذكرت في مجمل كلامك صيغة "كنا" هل كان أحد من الفنانين القدامى معك في نادي الهلال؟
- نعم، فأنا وعلي الهويريني وحمد المزيني ومحمد المنصور وغيرهم كنا أبناء حي الصالحية فدائما ما نذهب بسيارة واحدة إلى نادي الهلال ومبنى التلفاز أيضا.
@ اسمح لي بأن نبتعد عن الفن قليلا، كلامك السابق يجعلني أفهم بأن علي المدفع مشجع هلالي؟
- أرجو أن تعفيني من الإجابة فاهتماماتي الحالية تنصب على برشلونة ومانشستر ومباريات الدوري الأوروبي "ولا تهون باقي الأندية".. يقولها ضاحكا.
@ نعود لحي الصالحية من كان يمتلك سيارة فيكم؟
- أنا وقد اشتراها لي الوالد رحمه الله، وغالبا ما أذهب بها إلى الحواري الأخرى لأستعرض سيارتي الجديدة عندهم وكنت مثار الحسد أو الغبطة لدى من أعرفهم، طبعا قد تتفاجأ عندما تعلم بأن سعرها لا يتجاوز الألف ريال، لكنه كان مبلغا لا يستهان به في ذلك الوقت.
@ بما أن بداياتك كانت من التلفزيون فما هو أول عمل قدمته؟
- كانت هناك أعمال ومسلسلات عدة قد شاركت فيها كممثل كومبارس إلا أن العمل الذي عرَّفني للناس كان المسلسل الرمضاني (فاعل خير) لمؤلفه ومخرجه الأستاذ (إبراهيم الحمدان) وقدمت فيها شخصية اسمها (سليطين) وهو يعمل حمالا إلا أن شخصيته العصبية تجعله متسلطا بالضرب على بعض أبناء حارته وكان أكثر واحد يتعرض للضرب هي الشخصية التي يؤديها (علي إبراهيم)، ودعني أحكي لك موقفا طريفا حدث لنا في نفس العام الذي عرض فيه المسلسل، كنا في أواخر أيام رمضان وفي ذلك الحين امتلك (علي إبراهيم) سيارة كشف رائعة فقررنا أن نذهب بها إلى السوق لشراء ملابس العيد وللاستعراض بها أيضا.. وعندما وصلنا إلى السوق مررنا بجانب بائعات "البسطة" فقامت إحداهن تتهجم على علي إبراهيم ونحن في السيارة وتصيح به: تدع (سليطين) يركب في سيارتك وهو الذي يضربك ليل نهار، فعاطفة هذه العجوز الطيبة التي لم تستوعب الفرق بين المسلسل التلفزيوني والواقع جعلنا ندرك بأن عملنا قد وصل إلى الناس وأثر فيهم.
@ هل لك أن تحدثنا أكثر عن هذا العمل؟
- مسلسل (فاعل خير) والذي أنتج عام 1974م تقريبا هو أول مسلسل ملون يعرضه التلفزيون السعودي، وكان وقت عرضه بعد صلاة التراويح، في السابق كانت المسلسلات اللبنانية والمصرية هي المسيطرة على الشاشة والمتسيدة في الفترة الذهبية بعد صلاة المغرب، ومسلسلنا شكل مفاجأة للمجتمع السعودي والذي أبهرهم رغم حداثة الأسماء التي فيه والكوادر السعودية الفنية التي تعمل خلف العمل، وعندما أتذكر هذا المسلسل بالذات أتحسر على الماضي كثيرا..
@ ولماذا؟
- كل المسلسلات الحالية تجدها تُنجز التصوير والمونتاج قبل العرض بعدة أشهر، بينما نحن ولا تستغرب حينما أقول لك ان كل حلقة نصورها تبث في نفس اليوم مباشرة، فبعد صلاة العصر نتجه إلى استديو التلفزيون وهناك كان يسبقنا (إبراهيم الحمدان) والذي يؤلف الحلقة في الصباح، فنقرأ النص ونتناقش مع المخرج ونبدأ التصوير عند الساعة الثالثة عصرا ولا ننتهي إلا قبيل المغرب - بدقائق وقد نضطر للإفطار في الاستديو - ثم تبث الحلقة في نفس اليوم بعد صلاة التراويح ليشاهدها الجمهور، وقد تسألني ما الفرق؟ ودعني أجيبك إنها الروح التي اختلفت بعدما كنا نعمل لعشقنا للفن أصبح الفنان الآن يلهث خلف المال متناسيا ذلك الشعور الذي لا يقدر بثمن، إنه شعور الانجاز ومحبة الناس الخالية من الزيف والادعاء، وعندما ترى الحلقة ولم يمض على تصويرها أكثر من أربع ساعات سيأتي المشاهد إحساس بأن الحلقة "طازجة" إن كان هذا الوصف مناسبا لإيراده، على خلاف المسلسلات الحديثة التي تقدم للجمهور على طبق بارد خالية من الأصالة والبساطة.
@ خلال هذه الفترة ما نصيب الإذاعة والمسرح من عنايتك؟
- هناك سر أفشيه بين الحين والآخر.. رغم كثرة أعمالي التي توزعت بين المسرح والتلفزيون والإذاعة، إلا أن قلبي ينبض بحب الأثير، ولا يمكن لأحد أن يصف عشقي للمايكروفون وأنا أؤدي من خلاله أروع الحكايات والمسلسلات.. ولا أهتم إن كان مستمعوه قد تناقصوا عما كان في السابق ولكنني حينما أنقطع عنه لظروفي الفنية أشعر بالحنين نحوه ويحزنني بعده عني، وساعة ما أنتهي من مشاغلي تجدني راكضا إلى استديو الإذاعة لأصدح بصوتي عبر المايك.
@ وما كان أبرز مسلسل إذاعي شاركت فيه؟
- من أوائل الأعمال التي شاركت فيها هو مسلسل للكاتب (عبدالرحمن السماري) وعنوانه (زين وشين) ومثلت في آخر حلقاته وقد حقق العمل شهرة كبيرة في ذلك الوقت وكان مدرسة بالنسبة لنا تدربت فيها وتعلمت من أساتذة قديرين ومبدعين استلهمت منهم ما يعينننني لتمتد مسيرتي في الإذاعة لثلاثين سنة مضت، بعد عمل (زين وشين) قدمنا مع المخرج القدير (عبدالرحمن المقرن) مسلسل (على هونك) وامتد لسنوات طويلة تغير فيه عنوان العمل إلى (صور مسموعة) وما زلنا نقدمه إلى المستمعين حتى الآن وقد تخطت عدد حلقاته الآلاف.
@ الآلاف؟!
- نعم فهو مسلسل يومي ولا يتوقف إلا في شهر رمضان، ربما لهذا السبب الذي جعلني أهيم عشقا بالإذاعة فأنا أعتبره بيتي الثاني لكثرة تردادي عليه، ولم تقتصر مشاركتي في المسلسل كممثل بل وكتبت عددا من الحلقات والحوارات فيه، ولا أنسى مشاركتي كذلك في برنامج عنوانه (حوار قصير) وهو فعلا قصير إذا علمنا أن مدته لا تزيد على خمس دقائق حيث يدور الحوار بين شخصين حول أحد المواضيع الطارئة على مجتمعنا ويتناقش فيها بشكل موجز وهذا البرنامج ما زال يقدم إلى الآن في الإذاعة.
@ بما أن الإذاعة بيتك الثاني فماذا عن المسرح هل الحديث عنه يثير شجونك؟
- بالطبع هو كذلك لأنه عودة إلى الماضي الجميل، عندما افتتحت جمعية الثقافة والفنون في بدايات السبعينيات الميلادية قدمت معها عدة مسرحيات ولكن ليس كممثل بل كإداري وفني للمسرحية حيث كانت أول مسرحية أعمل فيها هي (قطار الحظ) لكاتبها (إبراهيم الحمدان) ومخرجها (سمعان العاني)، الغريب أن الجمهور كما أعجب بالمسرحية وممثليها فإنه أشاد بجهد طاقم العمل من فنيي ديكور وموسيقيين مما أثلج صدري وشكل لي دافعا في أن أنخرط في النشاط المسرحي بجميع مجالاته، لذا فقد كانت أول مسرحية أشارك فيها كممثل هي مسرحية (قدر الشراكة) لمؤلفها ومخرجها الأستاذ (عبدالرحمن المقرن) وقدمت فيها شخصية (مساعد) وهو رجل اشتهر في قريته بسيطرة زوجته عليه طبعا الشخصية موجودة على أرض الواقع في إحدى القرى حيث اضطررت إلى السفر لتلك القرية وتعلم طريقة نطقهم وسبر أغوار هذه الشخصية من خلال سماعي لحكاياتهم عنه بل وقابلته وجلست معه.. طبعا من دون أن أخبره بحقيقة قدومي إلى القرية لكي لا يغضب..
@ عذرا على المقاطعة.. اضطررت للسفر لأجل معرفة الشخص؟!
- نعم.. إن لم يقم الممثل بتهيئة نفسه للشخصية وفهم أبعادها فلن يكون ناجحا في تقديمها ولن يشعر بها الجمهور كشخصية واقعية، بالنسبة لي كنت محظوظا أن الشخصية التي أديتها كانت مبنية على قصة حقيقية وصاحبها على قيد الحياة لذا كان يجب أن أستغل كل ميزة تتوفر لي في استلهام الروح وتمثيلها على أرض المسرح، وهذا الاهتمام لم أعد أراه الآن في ممثلينا من جيل الشباب، قد يكون السبب هو اختفاء التوجيه والإرشاد من المخرجين أو المؤلفين أو أن جو العمل بشكل عام قد لا يساعد على ذلك.
@ وبعد مسرحية (قدر الشراكة)؟
- في عام 1981م على ما أظن قدمنا مسرحية (المهابيل) وأديت فيها دور ممرض، هذه المسرحية وربما تعلم عنها للمرة الأولى بأنها أول مسرحية سعودية حازت على جائزة النقاد في مهرجان قرطاج لقوة مضمونها وروعة عرضها، هذه المسرحية من بين 42مسرحية عربية أخرى هي الوحيدة التي صورت وبثت في التلفزيون التونسي حينها، كان فوزنا صدمة للمشاركين العرب الذين لم يتوقعوا أن يقدم السعوديون القادمون من أرض النفط ما ينافس ويتغلب على أعمالهم الفنية كان انتصارا تجاوز حدود المسرحية ليكون فوزا للوطن ولأبنائه.
@لنعد إلى التلفاز ماذا عن مشاركاتك فيه في تلك الفترة؟
- قد يصدمك أن التلفزيون السعودي كان متجاهلا وبشدة للأعمال السعودية وأخذ يكثف من تقديم الأعمال المصرية والسورية على حسابنا كنجوم معروفين ومنتسبين لجمعية الثقافة والفنون، لقد كانت أشبه بالمقاطعة التي استمرت لعدة سنوات ولم تنفرج إلا قبيل التسعينيات بسنتين، عندما ذهبت مجموعة من القائمين على الجمعية إلى وزير الإعلام في ذلك الحين عندما كان في جدة وشرحوا له الوضع المزري الذي وصل الحال عليه، فكان من ثمرات ذلك أن قدم السدحان والقصبي وعامر الحمود أوائل أعمالهم عبر التلفزيون، لذا فمن ناحيتي أنا كانت مشاركاتي التلفزيونية شحيحة وركزت جهدي على الإذاعة والمسرح والأنشطة الثقافية الأخرى التي تقيمها الجمعية.
@ إذن دعنا نقفز سوية إلى التسعينيات الميلادية وأخبرنا عن أبرز أعمالك في ذلك العقد؟
- رغم أن نشاطي التلفزيوني قد اقتصر على عمل واحد وهو (طاش) إلا أنه كان تذكرة الشهرة بالنسبة لي إلى العالم العربي فعندما أحط رحالي بمدينة مثل دمشق اعتدت أن أسمع عبارات من نوع "إنتا الأبو لطاش" وقصدهم في ذلك دوري كأب لسعيدان وعليان - السدحان والقصبي - ومثل تلك المواقف تملأني حبورا وتزيدني قناعة بنجاحي في تقديم شخصية رسخت في الوجدان العربي وقدمتني إليهم وعرفوني وميزوني من خلالها، إنه إنجاز كاف بالنسبة لي ولتاريخي الفني الطويل.
@ وهل تعتبر الألفية الثانية امتدادا للتسعينيات بالنسبة لك؟
- نوعا ما، ولكن في السنتين الأخيرتين خدمت الفضائيات العربية الدراما المحلية بشكل غير مباشر فتعدد الأعمال السعودية جعل فرصة الظهور في أكثر من مسلسل كبيرة جدا، لنأخذ رمضان الماضي مثالا فأنا شاركت في سبعة أعمال خلال فترة واحدة، بينما في السابق أكون محظوظا جدا إن استطعت المشاركة في عملين في سنة واحدة.
* لنختم لقاءنا معك بهذا السؤال.. سمعنا أنك بكيت في بلاد المغرب.. هل تسمح للقراء بأن يشاركوك مشاعرك؟
- بابتسامة محرجة قال: الموقف ليس بذلك الأهمية، لكن الذي حدث هو أنني كنت مسؤولا في فريق ثقافي أوفدته السعودية إلى المغرب فكان مسؤول الاستقبال بالفندق يسألني إن كنت نزيلا عندهم من قبل.. فأخبرته بأن هذه زيارتي الأولى لهذا البلد لكنه ظل يلح علي في كل مرة يراني فيها ويؤكد بأننا التقينا عدة مرات سابقا إلا أنني كنت أجيبه بالنفي، ذات يوم كنت عائدا في الليل وأشعر بإرهاق شديد من العمل الذي انتدبنا إليه، وفي صالون الفندق ناداني نفس الرجل ليخبرني أنه تذكر أخيرا أين رآني وسألني إن كنت أنا الذي قمت بدور (سليطين) في مسلسل (فاعل خير) 1974م والذي عرضه التلفزيون المغربي في الماضي، ذهلت من هذا الموقف وأخبرته بشكل مقتضب بأنه أنا ثم استأذنته لأكون وحيداً ولتفيض مشاعري بحرية حينها.