نعم إن العلم والمعرفة والتقنية هي بوابات التقدم والتفوق. ومن يقيم ركائزه عليها يحرز قصب السبق والتفوق، ومن هذا المنطلق تأتي أهمية مؤتمر تقنية المعلومات والأمن الوطني الذي أقامته الاستخبارات العامة لأنه يأتي من قطاع يقول ويفعل ويعول عليه في رعاية أمن الوطن وخدمة المواطن.
إن تطويع التقنية وتطويرها وتوطينها أصبح هاجس كل الأمم لتحقيق أهدافها في جميع المجالات الصناعية والصحية والتعليمية والبحثية والعسكرية والأمنية وغيرها من الفعاليات التي لا يمكن حصرها.
نعم لقد استفادت الدول المختلفة من التقنية الحديثة بصورة إيجابية مثلما ذكر سابقاً وبصورة سلبية للإضرار بالآخرين.
ولعل أكبر المستفيدين سلباً من تقنية المعلومات المخابرات الإسرائيلية ومن يدعمها من وسائل ومراكز ولوبيات وشركات احتكارية في دول الغرب وذلك في حربهم الظاهرة أو في حربهم الخفية التي تمول الإرهاب وتدعمه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لأن محصلة الإرهاب في النهاية تصب في مصلحة إسرائيل وأعوانها فهي دولة قامت على الإرهاب والاغتصاب.
لقد اثبتت أجهزة الأمن بكافة قطاعاتها جاهزيتها ومقدرتها على دك حصون الإرهاب من خلال الضربات الاستباقية التي حققتها خلال الأيام الماضية وما سبقه من انجازات خلال السنوات الماضية. ولا شك أن للإرهاب جذوراً وخلايا وفكراً يعاد تطوير فلسفته من قبل المخططين والمستفيدين منه سواء كان ذلك في الخارج والداخل. ولا شك أيضاً أن الفكر لا يمكن أن يهزمه إلا فكر مضاد وقادر على نزع أسلحة الاقناع من الخصم وتصويبها نحوه وسد جميع الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها ناهيك عن وجود رجال فكر وعلم قادرين على ذلك.
ولعل ما أشار إليه صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية ورائد الأمن الأول حفظة الله عند الحديث عن محاربة الفكر الإرهابي بأن منابر المساجد لم تول الموضوع حقه، والأمر نفسه يمكن أن ينطبق على مراحل التعليم المختلفة وعلى القائمين عليها من مدرسين وأساتذة جامعات ومفكرين وأدباء وعلماء لديهم من وسائل الاقناع ما يتناسب مع روح العصر ومتطلباته.
إن طرح الحقائق وتفاصيل المخططات ومن يقف خلفها من أهم الوسائل التي تفضح الإرهابيين والمخططين والممولين والمشرعين والمستفيدين منه، إن الإرهاب صناعة صهيونية منذ الأزل وسوف تستمر إلى الأبد لذلك علينا جميعاً أن نعلم أن أي خلل في وحدة الكلمة أو وحدة الوطن سوف يصب مباشرة في مصلحة إسرائيل وأعوانها ومن يسير في ركابهما من المفسدين.
لقد ظلت المخابرات الإسرائيلية ومن يقف خلفها المسؤولة عن كثير من الأحداث الجسام التي تعصف بالمنطقة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولعلي أشرت في المقال السابق إلى بعض نشاطاتها في دول الغرب لصالح جمع المعلومات وسرقة التقنيات خصوصاً من حليفها الرؤوم أمريكا.
أما نشاط المخابرات الإسرائيلية في العالم العربي فإن له مهمتين أساسيتين الأولى هي جمع ما تحتاجه إسرائيل من معلومات لكي تبني عليها خططها واستراتيجياتها المستقبلية والحاضرة من اقتصادية وعسكرية واجتماعية واستراتيجية أخرى والثانية هي القيام بالتخريب واجهاض أية بارقة أمل تلوح في الأفق لصالح الدول والشعوب العربية وذلك من خلال اشتعال وتأجيج الخلافات البينية والعمل على إقصاء الأكفاء وتقديم الأقل كفاءة والدق على وتر الطائفية والعصبية والاقليمية وتفتيت وحدة الأوطان ولعل بعض ما يحدث في العراق والسودان ولبنان وغيرها ليس ببعيد عن الأنظار، ناهيك عن الإرهاب الذي يتم زرعه وتمويله بطرق مباشرة وغير مباشرة في جميع أقطار العالم العربي والإسلامي لضرب وحدة تلك الأوطان واقتصادياتها والعمل على تخلفها، ونشر الإرهاب في دول الغرب بواسطة من ينتمي إلى الإسلام والعروبة لكي يتم تحريض تلك الشعوب والحكومات من أجل ضرب تلك الأمة تحت طائلة محاربة الإرهاب ومشتقاته ناهيك عن التضييق على الجاليات العربية المسلمة هناك وتحجيمها.
ولعل من أهم المفارقات التي تشير إلى دور اللوبي الصهيوني في السياسة الأمريكية أن جهاز المخابرات الأمريكية أصدر تقريراً يقول إن إيران أوقفت برنامجها النووي العسكري منذ أربع سنوات أي منذ عام (2003م)، ومع ذلك يصر الرئيس الأمريكي رغم ذلك على أن الخيار العسكري والمقاطعة الاقتصادية لا زالت مطلوبة ضد إيران لأنها لاتزل تشكل خطراً، كما أن إسرائيل وعلى لسان قادتها ينحون نفس الاتجاه ويحرضون على العمل العسكري حتى وإن كانت المبررات واهية كما حدث في الحرب على العراق.
ولعل من أهم الظواهر التي كانت سائدة في الإدارات الأمريكية في العقود السابقة أن أي مسؤول يخرج من منصبه بفضيحة لايمكن أن يعاد إلى مكانه أو أي مكان آخر حفاظاً على المصداقية. أما اليوم فإن وولفتز مخطط الحرب على العراق فقد كوفئ بأن عين مديراً للبنك الدولي بعد تركه وزارة الدفاع لابعاده عن المسألة وبعد سقوطه المخزي من رئاسة البنك الدولي بسبب الفساد يعلن هذه الأيام بأنه سوف يعين مستشاراً في وزارة الخارجية هناك ومسؤولاً عن الأمور الأمنية الدولية، ولا شك أن السبب الرئيسي لهذه الترقيات والحوافز التي يحصل عليها رغم فساده أنه صهيوني من رأسه حتى أخمص قدميه.
إن محاربة الإرهاب لا بد أن تضع في حساباتها جميع مشتقات الإرهاب ومصادره الداخلية والخارجية وكذلك الذرائع التي تستخدم لاقناع الشباب للانضمام إليه ناهيك عن الوسائل والأسباب الداخلية والخارجية التي يستغلها أعداء الأمة مهما كانت واهية خصوصاً عندما تكون الشائعة سلاحاً تحتاج إلى أن تحارب بشفافية وإعلام وثقافة متفوقة من قبل جمع قادر على حمل تلك المسؤولية وليس من قبل أناس يكتبون ويرددون كثيراً من المفردات والمعاني المستهلكة التي لا يصغي إليها كثير من الناس لأنها لا تلامس مشاعرهم وأحاسيسهم.
نعم إن لكل زمن رجاله ولذلك لا بد من الاستعانة بالقادرين على إيصال الرسالة من المعلمين وأعضاء هيئة التدريس ومن رجال الدين من الكتاب والمثقفين ومن رجال الإعلام لكي يضعوا منهجية متكاملة تحارب الفكر الإرهابي وتتعامل معه من خلال دحض منطلقاته كما أن للتائبين الذين رجعوا إلى الحق دور يجب أن يقوموا به بحكم تجربتهم وممارستهم الفعلية فخلفيتهم تطبيقية وليست نظرية تخمينية.
أعود لأقول إن الإرهاب وزج المنطقة في أتون حروب وتقاطعات مصالح وتحريض اللوبي الصهيوني لكل تلك المفارقات لصالح إسرائيل هو الذي جعل تلك المنطقة منطقة مأزومة، وبالطبع هم لا ينطلقون من فراغ بل توجد بعض العناصر والأساليب والمبررات التي تسهل مهمتهم لذلك فإن علينا أن نكون أكثر شفافية ومصداقية مع أنفسنا حتى نرى ما حولنا بوضوح تام، وبالتالي نستطيع التعامل معها بحزم متكامل خصوصاً أن الإعلام المعادي ينفخ في النار يشعلها وبعد لا أحد يشك في أن إسرائيل واللوبي الصهيوني كانا وراء الحرب على العراق وأنهما وراء ما يحدث في بقع أخرى من العالم العربي والإسلامي وأنهما وراء الإرهاب بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
اليوم الخليج العربي بل العالم العربي والمنطقة مهددة بكارثة أخرى تتمثل في تحريض اللوبي الصهيوني وربيبته إسرائيل على إشعال الحرب الرابعة في الخليج تحت مظلة الملف النووي الإيراني وملابساته.
نعم ظلت إيران تتسلح منذ وقت ليس بالقصير وقد غضوا الطرف عن ذلك متعمدين حتى إذا أوصلت إيران إلى نقطة تستطيع معها العناد والتحدي خرجوا ليقولوا أنها تهدد أمن وسلام المنطقة. وليس من المستبعد أن يقوموا بمغامرة ضرب إيران ليس لإجهاض البرنامج النووي الإيراني فقط ولكن للاستفادة من ردة فعل إيران المحتملة والمتمثلة في ضرب منابع البترول وأماكن تصديره في دول الخليج ظناً منها أن ذلك ضرب للمصالح الأمريكية بينما هو بالعكس يخدم شركات البترول الاحتكارية لأنها هي المستفيد الأكبر من ذلك لأنها هي من سوف يفوز بعقود إعادة التعمير والبناء بعد أن تخسر كل من إيران ودول الجوار كل شيء.. أما إسرائيل وأمريكا فكل منهما بعيد عن مسرح العمليات وبالتالي سوف يتمتعان بمآسي الآخرين.
لذلك فإن الدول العربية بصورة عامة ودول الخليج بصورة خاصة التي عقدت قمتها الثامنة والعشرين خلال الأيام القليلة الماضية والتي حضرها الرئيس الإيراني أحمدي ناجاد مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى نزع الفتيل وذلك من خلال مقايضة وإغراء إيران ببعض المصالح مثل توقيع بعض الاتفاقيات وتبادل المصالح وإقامة مشروع مشترك لتخصيب اليورانيوم تحت إشراف منظمة الطاقة الذرية يكفي لإمداد كل الأطراف بحاجته من اليورانيوم المخصب للاستخدام السلمي، إن ذلك سوف يكون كفيلاً باسقاط حجح الأطراف الأخرى.
إن الإرهاب إحدى وسائل إشعال المنطقة وتخريبها لصالح مستفيدين معروفين تأتي إسرائيل في مقدمتهم.