الرئيسية > مقالات اليوم

اشراقات

أحلام المعلمة أماني..


د. شروق الفواز

استيقظت أماني من غفوتها على صوت صفير منتظم، أحست بخوف مجهول حاولت التحرك فلم تستطع أغمضت عينيها ،حاولت أن تتذكر فتراجعت الصور أمامها سريعة تذكرت وجه ابنها النائم وهي تقبله، وزوجها يتململ في فراشه، قائلا بأسى من لا حيلة له، لا يزال الوقت مبكرا . الله يحفظك . أغمضت عينيها لتتذكر أكثر فجاءها صوت المعلمة أمل وهي تضحك بتفاؤل كعادتها وتقول :أفضل بديل لسفري هذا من انتظار خطيب لم يصل، أو قرار نقل بعيد الأمل أن أتزوج أحد رجال القرية وأستقر. ثم تضحك بخجل وهي تقضم قضمة من إفطارها المعهود (ساندوتش جبنة بالعسل).

تغمض عينيها مرة أخرى فتتذكر أحلام وهي تشخر بصوت هادئ ورتيب واضعة يدها على بطنها المتكور أمامها بفطرة الأم التي تحمي جنينها . تغمض عينيها من جديد تحاول التحرك في سريرها فلا تستطيع تتنهد تنهيدة تذكرها بالمعلمة ابتهال التي قليلا ما تتكلم عن نفسها تقضي المشوار الطويل معهن صامتة لا تعرف شيئا عنها سوى أنها أم لابنتين وأنها غير سعيدة تتذكر صوتها وهي تهدئ من روع المعلمة أحلام بعد أن استيقظت فزعة على بوق السيارة العالي وهو يصرخ منبها وتطمئنها بأنه( فان) معلمات الهجرة المجاورة كعادته ينطلق مسرعا في هذا الطريق الخطر الذي تغشاه كآبة ماقبل الصبح ومن ملّ السفر ،وتتمتم بهدوء الله يحفظنا ويحفظهم.

تدمع عينا أماني وهي تتذكر حقيقة ما حدث تسمع أصواتا مختلطة تردد لاحول ولا قوة الا بالله، تتذكر انينها المؤلم وصوتا حزينا خجلا في فرحه يأتيها من بعيد لا تزال احداهن على قيد الحياة، تتذكر منظر زميلات مشوارها وهن ملقيات على الاسفلت الأحمر، تتذكر (ساندوتش) رفيقة دربها أمل الذي لم تكمله وقد اختلط العسل فيه بالدم تحس بالألم من جديد تتسارع نبضات قلبها يتعالى صوت الصفير فتسمع خطوات الممرضة المسرعة تحقنها في وريدها، تحس بحرارة محتوى الحقنة في دمها فتغمض من جديد تهدئ نفسها، ترى حلما آخر مختلفاً، ترى رجلا متهللا يحمل أوراقا وخرائط وصوراً، يبشرها بحال جديدة . بعد أن توصلت الوزارة لقرارات عملية فاعلة، ستختزل الوزارة الدوام الدراسي في الهجر والقرى النائية من خمسة أيام في الأسبوع إلى ثلاثة وستزيد ساعات الدوام اليومي لتعوض النقص الزمني.

في الهجر البعيدة جدا ستنشئ الوزارة سكنا خاصا للمعلمات قريبا من مدارسهن المتناثرة ستكون فيه وسائل الترفيه والأمان المناسبة لقضاء أوقات ما بعد الدوام براحة واطمئنان.

ولأن خدمة القطارات في الهجر لم تتوفر بعد ستعقد وزارة التربية والتعليم اتفاقية مع شركة النقل الجماعي تكون فيه نقاط سير للسفر بمواعيد ثابتة تتجمع فيه المعلمات وينقلهن بأمان على خطوط السفر المختلفة وعند مفرق الطرق تنقلهن سيارات خاصة تابعة للوزارة لمدارسهن تتوفر فيها خدمات الاتصال اللاسلكي للتواصل مباشرة مع غرفة العمليات والطوارئ في الوزارة لسرعة التحرك والانقاذ اذا ما طرأ طارئ أو اقترب خطر.

كما تعتزم الوزارة تأسيس مشروع وطني للتعليم عن بعد متزامن مع النظام الجديد للدوام المختزل يؤهل الطلبة والطالبات لاستعمال خدمة الانترنت في التواصل مع المدرسة والمعلمين والمعلمات في تأدية الفروض الدراسية والمراجعات بل وحتى الامتحانات.

ستعلن الوزارة عن منح دراسية خاصة بالهجر والقرى لدعم الاحتياج بالاكتفاء الذاتي

وعند مدخل وزارة التربية والتعليم سيوضع لوح رخامي كبير نقشت عليه بحروف من ذهب أسماء المعلمات اللاتي قدمن أرواحهن وشبابهن فداء لمهنة التعليم.

ابتسمت أماني لحلمها قبل أن تغرق في غيبوبة أخرى مع ذكرياتها الأليمة ورائحة الدم وطعمه المالح لم تفارقها بعد.

...فماذا بعد ألن تحرك هذه الأرواح المزهقة في القلوب المسؤولة شيئاً؟!!

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 11

  • 1
    الله يحقق احلامك والحلم المستحيل

    دلووعةنجد - زائر

    06:15 صباحاً 2007/12/07


  • 2
    اقول تحلم الاخت اماني ولا تقعد والله ماحد درى عنها للاسف اذا مات الاحساس وانعدمت الانسانية هذي مصيبه من بعد حوادث معلمات تبوك لم يحرك احد ساكن للاسف للاسف للاسف

    ماجد السعد - زائر

    06:44 صباحاً 2007/12/07


  • 3
    لم تروق لي أحلام المعلمة أماني فها أنا معلمة ولكن مع وقف التنفيذ ولن أضع اللوم على الخدمة المدنية كلا وحاشا بل أنا التي لم أقدم أوراقي مع أنني حاصلة على ممتاز مع مرتبة الشرف الثانية ولكن تزوجت وسخرت جهدي وطاقتي لتربية أبنائي وتكوين أسرة مسلمة صالحة ولله الحمد والمنة ولقد قمت باصلاح ذات البين ونجحت في ذلك حين أخلصت عملي لوجه الله وأفكر أن تتسهل أموري وأكون (داعية ) لأفيد غيري مما تعلمته

    الجوهره سعد الهيكل - زائر

    01:54 مساءً 2007/12/07


  • 4
    كلنا يعرف ان تقدم الامم يقاس بتقدم التعليم والصحة
    نحن نعرف مستوى التعليم لدينا
    ونعرف مستوى الصحة لدينا
    فمن يرقى بالتعليم والصحة
    ومن يعطيهما اهتمام لكي نصل الى مكانه محترمة وصحة جيدة
    ارجوا من المسؤلين في القطاعين الاجابه
    فلا مدارس ولا مستشفيات والله يستر علينا
    قطاعان اهم شيء فيهم المناقصات وترسية العطائات

    عبدالرحمن الحصان - زائر

    02:09 مساءً 2007/12/07


  • 5
    دكتورة شروق الفواز حفظك الله والجميع،
    حقيقة مقالك اجتمعت فيه ثلاثة عناصر... إثنان من العناصر متضادان... والغريبه في مقالك أنهما يجب أن يكونا متلازمين... لآن أحدهم يجب أن يقوم عليه الأخر... ومع هذا لايحصل الألتقاء... لماذا؟؟ لأن حنا غير... ترى أنت كاتبة خارقة:)... حقيقة مقال مؤثر معبر عن أحزان عميقة... أصيب بها البعض... ونتمنى ونسأل الله سبحانه وتعالى أن لايصاب بها أخرين... ولكن الواقع يقول غير ذلك... نستشعر الحزن الذي لايحبه أحد... ولكن هذا هو الواقع المرير الذي نعيشه... ولا دخل لنا فيه... لأن من وكلهم ولى أمرنا أيده الله... لم ينفذوا ما هو مطلوب منهم... فهربنا إلى العنصر الثاني... وهو أحلام اليقظة...وهو غير مستحب أبداً، ولكن هناك مثل يقول ( ما أجبرني على المر إلا الذي أمر منه) و بينما نحن مستمرين في أحلام اليقظة... غلبنا النعاس وأستمرت الأحلام... وهي تماماً كما ذكرتيها في مقالك... إلى أن إستيقظنا... وفكرنا تفكير منطقي وواقعي... هذه ليست أحلام يقظة...هذا هو العنصر الثالث... هذا ما يجب أن يكون عليه الواقع... بدون أن نضطر أن نحلم أحلام... مازلنا نعتبرها من أحلام اليقظة... وهي ليست كذلك.
    وعجبت... من طلبك بوضع لوح رخامي كبير نقشت عليه بحروف من ذهب أسماء المعلمات اللاتي قدمن أرواحهن وشبابهن فداء لمهنة التعليم... عند مدخل وزارة التربية والتعليم...
    لأنه سيجعلني أفكر أسم من سيوضع في الأماكن الفارغة في اللوح...
    حقيقة لا أتفائل أبداً عندما يُذكر أسم وزارة التربية والتعليم...
    مع ان الأسلام نهى عن التشاؤم.

    ابو عبد الكريم1 - زائر

    02:19 مساءً 2007/12/07


  • 6
    * لقد قرأت مقالكِ الذى صيغ بحرفية ومهارة امتزجت بإحساسكِ المرهف وتفاعلكِ مع مسلسل الحوادث المفجعة التى تتعرض لها أخواتنا المعلمات... فارتجف قلبى ودمعت عيناى
    * لقد قرأت على البعد مقالات عديدة تناولت هذا الموضوع الهام لكنى على ثقة من أن إسلوبكِ القصصى الذى يلامس الواقع بحساسية وذكاء لو قرأه مسئول عن التعليم فلن يقوم من مقامه قبل إصدار قرارات بمراعاة الأمر وتوفير وسائل انتقال آمنة لهن
    >>>

    مجدى شلبى - زائر

    02:29 مساءً 2007/12/07


  • 7
    انا خايفة يا أخ مجدي ويا أخت شروق ان المسئولين في التربية والتعليم لم ولن يفهموا مقالك وسيحتاجوا الى شرح لكل عبارة فيه.اسلوبك كان راائعا لكن أتمنى أن يصل إلى المسئولين. فنأسف عندما نرى مسئولا بالتربية والتعليم لا يعرف حتى يكون جمل مفيدة ومرتبة واذا وجه له سؤال لا تخرج منه باجابة تصيب الهدف او حتى بجمل مفيدة.وأسفاه على واقعنا المرير
    سنون تمر ونحن مكانك راوح بل بالعكس تعاميم تقتل الفرحة والأمل في نفوسنا.

    سهام الحبيب - زائر

    08:02 مساءً 2007/12/07


  • 8
    السلام عليكم
    أخت الجوهرة احمدي الله أولا. ثانيا ماذا تفعل اليتيمات أو الفقيرات اللاتي أكملن دراستهن بجد و خاصة اللاتي تغربن على أمل أن يأتي يوم و تتحسن فيه الأوضاع , من يصرف عليهن و أنت تعلمين أن الأوضاع الإقتصادية من سيء إلى أسوأ ؟
    هل يشحذن ؟ هل يسرقن؟ أم يقبعن يقبعن في البيوت لانتظار حلم ربما لن يأتي.

    ميساء - زائر

    09:38 مساءً 2007/12/07


  • 9
    * بلغنى الآن أن مسئولاً كبيراً بالوزارة قد أدرك معنى المقال ولم يستفزه غير تعليقك وقد أعد بالفعل قراراً سيصدره صباح الغد السبت الساعة العاشرة والنصف خلاصته "جارى العمل على (قدم وساق)، إلى أن يتم تدبير (سيارات) " !

    مجدى شلبى - زائر

    10:51 مساءً 2007/12/07


  • 10
    أن الحكومه ماقصرت ولكن العدد البشري هائل لايكمن استيعابه

    الجوهره سعد الهيكل - زائر

    09:27 مساءً 2007/12/08


  • 11
    جربت الغربة ومرارتها وتفاعلت مع احلام اماني واتمنى انها تتحقق ومرت علينا ايام ماذوق طعم النوم فيها من الخوف والقلق كما اني جربت حادث.بس في هذه الايام افضل لان المعلمة تقدر تأخذ اجازة رعاية مولود واستثنائي بسهولة مما يهون من مرارة الغربة لفترات طويلة.

    لمسة دلع - زائر

    03:04 مساءً 2007/12/14



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة