الرئيسية > مقالات اليوم

من ضواحي باريس إلى وسط لندن : انفجار المكبوت يؤكد الحاجة لتصحيح الباعث


يوسف أباالخيل

عادت الضواحي الباريسية لتشتعل من جديد، بعد أن كانت قد توقفت إثر اندلاعها في نوفمبر من العام الماضي، بعد ثلاثة أسابيع من الكر والفر بين سكان تلك الضواحي وبين الشرطة الفرنسية، حطم خلالها المهاجرون / الثائرون أكثر من عشرة آلاف سيارة، إضافة إلى القتلى والجرحى من كلا الطرفين.

العنصر الرئيسي الجدير بالذكر على متن تلك الأحداث، أن مثيريها من ذوي الأصول الأفريقية، أو المغاربية العربية تحديدا، وهم ممن هاجروا إلى فرنسا، لا هربا من استبداد سياسي كانوا يعانون منه في بلادهم،إذ أن معظمهم ينتمون إلى بلاد يتوفر فيها هامش نسبي معقول من الحرية. بل رغبة في تحسين ظروفهم المعيشية الصعبة جراء شظف العيش الذي كانوا يعانون منه في بلادهم، وقد استوطن معظمهم ضواحي باريس، واندمجوا (ظاهريا) بالمجتمع الفرنسي وتوزعوا بين المهن والأعمال المختلفة.

لا بد، لاستجلاء أسباب تلك الأحداث ومثيلاتها المحسوبة أساسا على ما أدعوه بظاهرة "استعصاء اندماج المسلمين في الحضارة العالمية"، من تحليل تلك الظاهرة إلى عواملها الأولية لاكتشاف العامل الرئيسي فيها، والذي يقف وراء تأجيج تلك الأحداث كلما خبت نارها، من هنا، فلا مناص أمامنا على هامش النصيب الفرنسي من تلك الظاهرة من أن نطرح السؤال المنطقي التالي : طالما أن أولئك الثائرين لم يهاجروا إلى موطنهم الجديد هربا من استبداد سياسي كان غاشما على صدورهم، وطالما أن الغالبية منهم على الأقل يعيشون في فرنسا وسط ظروف اقتصادية واجتماعية أفضل (نسبيا) من تلك التي هجروا بلادهم بسببها، وطالما أيضا أن عودتهم الطوعية إلى بلدانهم الأصلية ليست، بالنسبة لهم، من قبيل المفكر فيه، إن لم تكن من المستحيل التفكير فيه، فما الذي يا ترى دعاهم إلى الثورة العدمية على مجتمع احتضنهم بدافع إنساني بحت، مجتمع كان له الفضل في إعادة ترتيب أولويات الوجود، بجعل الإنسان على قمة هرمه عندما دشن مبادئ حقوق الإنسان والمواطن قبل أكثر من مائتي سنة ؟.

قبل الإجابة على هذا السؤال، دعونا نُيمِّم وجوهنا قِبَل انجلترا، لاستعراض إفراز آخر من إفرازات تلك الظاهرة، فهناك تعيش مجموعة من الأ صوليين الذين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم حتى احتضنتهم بلاد كان لها قصب السبق في ترسيخ مفهوم التسامح الديني، والذي كان له الفضل في إخراج أوروبا من ظلامية وكهنوتية وتكفيرية العصور الوسطى، والتي نذر أولئك الأصوليون أنفسهم لإعادتها جذعة في قلب أوروبا .

قبل البحث عن جواب متماسك منطقيا تجاه أسباب تلك الظاهرة الاستعصائية "الإسلامية"، دعونا نطرح هنا أسئلة أخرى خاصة بالتجربة الإنجليزية فيما يخص استعصاء اندماج الأصوليين في ثقافتها. ولكن بما أن أصوليي لندن حركيون وطلاب حوزات سياسية يحتاجون معها إلى مساحة أوسع من الحرية، فالسؤال المنطقي اللائق بحالتهم سيكون كالتالي : هل كان أولئك الأصوليون من شاكلة أبي حمزة أوهاني السباعي أو أبي قتادة أو عمر بكري أوغيرهم من منتسبي حزب التحرير الذين كان لهم "شرف" تفجير محطة مترو الأنفاق اللندنية، كانوا يشكون من تقلص مساحة الحرية المعطاة لهم في بلادهم للتعبير عن آرائهم وتوجهاتهم وطموحاتهم السياسية؟

لنفترض أن شكوى أولئك الأصوليين بصدد الحرية صحيحة، إذاً فسيكون من المنطقي أنهم سيبحثون عن مكان يوفر لهم ما فقدوه منها، وأنهم عندما يظفرون بذلك المكان فسيحرصون على الإقامة الإيجابية فيه، بعد أن يكونوا لأهله من الشاكرين. لا سيما وأن البلد الذي احتضنهم انجلترا لم يوفر لهم الملاذ الآمن وحرية التعبير والعمل السياسي فحسب، بل وفر لهم بالإضافة إلى ذلك فرصة العمل اللائق والمعاش المجاني لمن لا يعمل منهم كما حصل مع صاحب المفرقعات الإرهابية أبي حمزة المصري، فكيف جاءت ردة فعل أولئك الأصوليين تجاه من احتضنهم بإنسانية ؟. دعونا نتفحص ردة فعلهم جيدا، أحدهم وصفها أي انجلترا بأنها ليست أكثر من حمام يدخله الإنسان لقضاء الحاجة !!!، أما الآخر فقد وصفها بمسجد الضرار المؤسس على شفا جرف هار!!!، بينما طافت مجموعة منهم ذات يوم ميدان الطرف الأغر ليعلن أفرادها، من خلال مظاهرة لهم هناك، بأنهم سيقيمون الخلافة الإسلامية في أوروبا انطلاقا من قصر بكنجهام، فيما كانت مجموعة أخرى تنطلق صوب قصر بكنجهام نفسه حاملة لافتات ضخمة كتبوا عليها نداءً لملكة انجلترا مضمونه كالتالي "أسلمي تسلمي يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإنما عليك إثم الأوربيين". ولم تفعل السلطات البريطانيين تجاه ذلك التطرف الأصولي شيئا، بل اعتبرت ما صدر منهم محسوبا على حرية التعبير الذي لا يؤاخذ عليه القانون. الأمر الذي أغراهم إلى أن يستغلوه بانتهازية كبيرة في الدعوة إلى توطين العنف في كافة المجتمعات الآمنة، بما فيها المجتمع الذي آواهم من شتات وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف وكساهم من عُريِّ، حتى آتت دعوتهم أُكُلها بقيام فتية آمنوا بحزب التحرير الإسلامي بتفجير محطة مترو الأنفاق في لندن مرتين، مرة في صبيحة السابع من أيلول عام 2005، ومرة أخرى في صبيحة الحادي والعشرين من نفس ذلك الشهر.

هنا نجد ما بين صورتي الظاهرة، اللتين حدثتا في ضواحي باريس ووسط لندن، خصوصا وعموما، فمن جهة الخصوص، نجد أن ثورة الأصوليين في لندن ثورة "عالمِة" تستبطن مشروعا إسلامويا دمويا يحارب، أول ما يحارب، الحرية نفسها. بينما نجد أن ثورة سكان ضواحي باريس ثورة "شعبية"، ربما تجد في الظروف الاقتصادية أحد عواملها كظاهرة متعددة العوامل، لكنه ليس العامل الرئيسي، ناهيك عن أن يكون العامل الوحيد. أما من جهة العموم، فإن كلا الحدثين ينطلقان من جذر واحد، قوامه استعصاء الاندماج الثقافي "الإسلامي" في المجتمعات المدعوة ب"الكافرة"، وهو الجذر الذي ينهل بدوره من تفسير لمفهوم الولاء والبراء لا يعطي مجالا للتآخي الإنساني مع المختلف دينيا مهما كانت ظروف التلاقي بين البشر، إلا أن يكون تلاقيا مؤقتا يحكمه بغض القلوب والتحسب للجهاد، والعيش تحت إيحاء وهم مؤامرة تشترك في تنفيذها كل أمم الأرض ضد الإسلام وأهله فقط.

ليس ذلك الحدثان فقط هما كل ما أفرزته ظاهرة استعصاء الاندماج الثقافي "الإسلامي"، بقدر ما هما الأقرب زمنيا فقط والمستمران حتى هذه اللحظة، وإلا فإن الجميع لا يزال يتذكر، عندما حظرت الحكومة الفرنسية إظهار كافة الرموز الدينية في المؤسسات التي تشرف عليها الدولة، والتي شملت الصلبان المسيحية والقلنسوات اليهودية والعمائم السيخية والحجاب الإسلامي، كيف أن كافة الطوائف الدينية استجابت لذلك الحظر فورا من منطلق اقتناعها بمشروطية الاندماج الثقافي في الحضارة الإنسانية، ما عدا الجالية المسلمة التي أقامت الدنيا ولم تقعدها في محاولتها استثناء الحجاب من قائمة المحظورات الفرنسية التي أتت كاستجابة طبيعية لخصوصية العلمانية الفرنسية التي تختلف من ناحية مدى التعاطي الرسمي مع الدين عن مثيلاتها الغربية، نسبة لكفاحها التاريخي الطويل ضد الأصولية الكاثوليكية الدموية هناك.

ثم ألم نتعود نحن من جانبنا التعايش مع الفتاوى التي تُحرِّم السفر إلى بلاد "الكفار" إلا لضرورة، مع حث المسافر المضطر للسفر على إستبطان البغض القلبي ضد من سيفد إليهم للدراسة أو العلاج أو التجارة وعدم التودد إليهم باللسان. إنها مشكلة مزمنة ظهرت واستفحلت نتيجة لتأويل آحادي لمفهوم الولاء والبراء، تأويل يحرم التلاقي مع المختلف دينيا مهما كانت إنسانيته أو الحاجة إليه، والحل يكمن في تفكيك عوامل هذا الانسداد التاريخي المزمن، بتغيير برامج التعليم أولا، والتي تركز في بنيتها الحالية على قطع أواصر الأخوة الإنسانية بين بني الإنسان لحساب الدين أولا، ثم لحساب الطائفة أو المذهب ثانيا، لتكون القطيعة، ليست دينية فقط، بل قطيعة مذهبية ضيقة، ثم احتراب داخلي مدمر، قبل أن تكون استعصاءً تاماً على الاندماج الحضاري.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 7

  • 1
    اعتقد المغاربه والافريقيين ومنتسبي التحرير وكل هؤلاء الثائرون لم يتلقوا تعليمهم في السعوديه التي تدرس الولاء والبراء والتي تطالب بتغيير التعليم فيها
    ولا ادري مادخل التعليم في بلادي بثائرين في فرنسا وانجلترا وبالتاكيد انهم من الجيل الثاني او الثالث اي ولدوا هناك وتعلمو هناك في بلاد الحريه التي احتضنتهم وكفلت لهم العيش الكريم كما تزعم
    والاندماج الحضاري لايعني ان تنسلخ من دينك لانه لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم
    والحجاب فريضه على المراة عليك ان تحيي من تثبت على دينها لاان تنتقد عدم ذوبانها وتساويها بيهودي يخلع قلنسوته
    الاسلام دين الرحمة للعالمين علينا ان نحمله نورا تستضيء به الدنيا عملا وخلقا
    لا ان نركنه جانبا لاننا في بلاد الغرب

    سحاب - زائر

    06:46 صباحاً 2007/12/04


  • 2
    ((من ضواحي باريس إلى وسط لندن : انفجار المكبوت يؤكد الحاجة لتصحيح الباعث)) العنوان اطول من المقال

    سعد الطويل - زائر

    06:54 صباحاً 2007/12/04


  • 3
    ((ثم ألم نتعود نحن من جانبنا التعايش مع الفتاوى التي تُحرِّم السفر إلى بلاد "الكفار" إلا لضرورة، مع حث المسافر المضطر للسفر على إستبطان البغض القلبي ضد من سيفد إليهم للدراسة أو العلاج أو التجارة وعدم التودد إليهم باللسان. إنها مشكلة مزمنة ظهرت واستفحلت نتيجة لتأويل آحادي لمفهوم الولاء والبراء،))
    انا قرأت هذه الفتوى للشيخ بن باز رحمه الله وجعله من سكان الفردوس الاعلى
    ولم يكن الشيخ بن باز احادي التأؤيل فمن عاشره وعرفه راى رجل بمواصفات المسلم الحق في طيبته وتسامحه..كان اذا افتى ورجعوا الفتوى انها من كلامه يلتزم بها من قبل من افتى لهم ولو كانوا من مسلمين بريطانيا رجل اعطاه الله البصيره التي هي من البصر..
    ولم اعرف اهمية هذه الفتوى الا الان اذهب الى الصور في مواقع الانترنت وتجد السعودي الذي دخل الكنيسه والسعودي الذي في المرقص واخر حاضن امراه امام الخلق والموجود في حانه هذا حال المبتعثين الذين ابتعثوا للخارج من عقول صغيره واناس بعمر الزهور اي امراض جنسيه سيحملونها واي ثقافه نقلوها عنا
    ولكن هؤلا يتحمل ذنوبهم لدينا كل من قصر في عمله في الجامعات ولم يعمل على حساب هذا اليوم من ازدياد في الاعداد فليس الحل في ابتعاث اناس غير مؤهلين ولا متزوجين ابدا"ودمت بود اخي الفاضل

    اريج - زائر

    02:07 مساءً 2007/12/04


  • 4
    يبدو لي انه لو انقلب باص ركاب في بنقلادش.. لكان السبب عند كاتب المقال هو البعد الديني.. وسيقول الكاتب.. ان الركاب لم يبرطوا حزام الأمان لوجود فتوى تقول بعدم طاعة الكفار ؟؟ ارجو الا يظن القارئ بأني امزح..
    المشكلة في اساسها عنصرية.. ويبدو ان الكاتب لا يعرف شيء عن التغلغل العنصري عند الفرنسيين بالذات...
    لقد كانت المظاهرات الكبرى للسود في امريكا بسبب عنصري.. والذي اوقد الفتيل هو ضرب الشرطيين لرجل اسود.. وتم بث الصور عبر الفضائيات..
    اتمنى من الكاتب ان يحترم عقول القراء.. وان يتوقف عن الكتابة لفترة حتى تهدأ اعصابه..

    ابوخالد - زائر

    02:38 مساءً 2007/12/04


  • 5
    لا ادري كيف يمكننا ان نتعايش مع الاخرين ونحن لانستطيع ان نتعايش مع بعضنا
    واعجب من كاتب المقال كيف اورد الفقرة الاخيرة في المقال لانها غير مرتبطة بالموضوع اطلاقا وارى ان الرأي الذي طرح من قبل سحاب اعمق نظرا بالنسبة لاول المقال قد يبدوا الكلام مترابطا رغم ان الكاتب يكتب انطباعات اكثر من استناده بالحقائق وحتما سيحصل على احترام اكبر عندما يخبرنا عن حقيقة الثوره في فرنسا من قام بها وكم نسبة الغاربة المهاجرين فيها وعمق الانتماء الديني لديهم لنعرف ان الطرح الاسلامي في الغرب هو المشكلة ام لا اما الاستناد لمعلومات غير دقيقة فحتما سيؤدي الى نتائج غير دقيقة
    اتمنى من الكاتب ان يتعلم كيف يجمع المعلومات بطريقة صحيحة وانيتعلم كيف يحلل حتى يصل الى استنتاجات مقنعة
    اما مسالة حشر كل امر يحصل بسبب خطا حتى وان كان من مسلم بانه بسبب المناهج والفتاوى والخطاب الديني فارى انه استخفاف بالقراء او عدم ادراك من الكاتب

    خالد القميزي - زائر

    04:14 مساءً 2007/12/04


  • 6
    تتمة) نذكر هنا حكم السفر إلى بلاد الكفر.
    فنقول : السفر إلى بلاد الكفار لا يجوز إلا بثلاثة شروط:
    الشرط الأول: أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات.
    الشرط الثاني: أن يكون عنده دين يمنعه من الشهوات.

    ..............................................

    الشرط الثالث: أن يكون محتاجاً إلى ذلك.
    فإن لم تتم هذه الشروط فإنه لا يجوز السفر إلى بلاد الكفار لما في ذلك من الفتنة أو خوف الفتنة وفيه إضاعة المال لأن الإنسان ينفق أموالاً كثيرة في هذه الأسفار.
    أما إذا دعت الحاجة إلى ذلك لعلاج أو تلقي علم لا يوجد في بلده وكان عنده علم ودين على ما وصفنا فهذا لا بأس به.
    وأما السفر للسياحة في بلاد الكفار فهذا ليس بحاجة وبإمكانه أن يذهب إلى بلاد إسلامية يحافظ أهلها على شعائر الإسلام، وبلادنا الآن والحمد لله أصبحت بلاداً سياحية في بعض المناطق فبإمكانه أن يذهب إليها ويقضي زمن إجازته فيها.
    وأما الإقامة في بلاد الكفار فإن خطرها عظيم على دين الإسلام، وأخلاقه، وسلوكه، وآدابه وقد شاهدنا وغيرنا انحراف كثير ممن أقاموا هناك فرجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا فساقاً، وبعضهم رجع مرتداً عن دينه وكافراً به وبسائر الأديان - والعياذ بالله - حتى صاروا إلى الجحود المطلق والاستهزاء بالدين وأهله السابقين منهم واللاحقين، ولهذا كان ينبغي بل يتعين التحفظ من ذلك ووضع الشروط التي تمنع من الهوي في تلك المهالك.
    فالإقامة في بلاد الكفر لا بد فيها من شرطين أساسين:
    الشرط الأول: أمن المقيم على دينه بحيث يكون عنده من العلم والإيمان،

    ابوعبدالالة - زائر

    06:21 مساءً 2007/12/04


  • 7
    اما تستحون تجاهرون ببغضكم لمئات الملايين من البشر،( ام لا تزالون تقومون بأعمالكم اللامسئوله ضنا منكم ان هذا الكلام لن يتعدى محيط مريديكم) ما سيكون وضعنا معكم لو بادلوكم نفس المشاعر (اللهم لا تؤخذنا بما فعل السفهاء منا.)

    احمد - زائر

    02:09 مساءً 2007/12/06



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة