التنمية الوطنية .. والرعاية الاجتماعية!!
بين التنمية والرعاية الاجتماعية، عنوان واحد قياسه وتلمسه ليس أمراً شاقاً، كلما تطورت وتحسنت شروط الرعاية الاجتماعية ودخلت الدولة في مشروع تنمية اجتماعية تطال فئات من المجتمع تعاني من حالات العجز عن مواجهة شروط الحياة الكريمة وأمكن قياس أبعاد ونتائج هذا المشروع بشكل إيجابي، كلما أمكن أن يقال بثقة أن التنمية الوطنية بخير.
بعيداً عن الاستغراق في مفهوم التنمية التي تطال حق المجتمع في تنمية موارده وتحسين شروط حياته، عبر مسارات لا تخفى على كثيرين من الاقتصاد إلى الإنتاج بأنواعه إلى التعليم إلى الخدمات إلى حق المعرفة... إلا أن المقايسة السهلة في عقل مواطن لمفهوم التنمية لا تتجاوز ذلك المقياس السهل والبسيط وهي تحسين شروط حياته في نهاية الأمر. تمر المملكة خلال هذا العام وما سبقه من أعوام قليلة بوفرة مالية كبيرة نتيجة لارتفاع أسعار النفط. وتظهر مشروعات عملاقة يعلن عنها ببلايين الريالات تتوزع عبر مدن اقتصادية وخدمات وجامعات.. وغيرها من المشروعات.
هذه المشروعات الضخمة عناوين كبرى للتنمية، تتوسل فكرة دعم الاستثمار الخارجي في الداخل من أجل مصادر الدخل وتوفير فرص العمل أو من خلال تعليم نوعي يقوى على المنافسة في سوق العمل أو من خلال تحديث نظم سابقة أو دعم نظم لمواجهة تطورات وتحولات راكمت أعباء مما تطلب نظماً مرنة وخدمات قادرة على مواجهة حالة طلب متزايدة.
ذلك العنوان البارز في مشهد التنمية، لا يمكن قياس آثاره بين يوم وآخر ولا بعد بضع سنوات معدودة. وربما تطلب الأمر - إذا قدر لهذه المشروعات أن تحقق أهدافها - سنوات طويلة وانفاقاً متزايداً حتى يمكن أن تراكم تلك المشروعات نقاطاً إيجابية يمكن قياسها في مشروع التنمية الوطني.
منذ سنوات والمملكة تشكو من تفشي ظواهر سلبية في مسار التنمية الوطنية، يأتي على رأسها البطالة ومحاولة توطين الوظائف والمهن.. ومحاولة إعادة صياغة المهمة التعليمية لتواكب سوق العمل وتظل مثل هذه القضية محل تجاذبات كثيرة بين أطراف لها علاقة مباشرة بسياسة العمل في المملكة.
ورغم أن عناصر التنمية حق المعرفة، التي أيضاً ستكون معرفة ناقصة بدون شفافية تطال المعلومة تقصياً ونشراً وتداولاً. نتطلع إلى أرقام وإحصاءات ومعلومات دقيقة تعبِّر عن مسار التحول في هذه المسألة عاماً بعد عام، والتي نقرأها انطباعياً من خلال مشهد يومي، إلا أنه قلما تتوفر أرقام دقيقة يمكن أن يعول عليها وإذا وجدت فهي حبيسة في مكان ما لا أحد يعرف أين هي، وحتى لو عرف لم يجرؤ على مخاطبة مسؤول ليزوده بمعلومة يبحث عنها لأنه يعرف النتيجة سلفاً.
يحمد للصحافة السعودية أنها أصبحت فاعلاً اجتماعياً وباباً للخير ووسيلة للتعريف بحالات اجتماعية لا يمكن الصمت عمّا ينالها من بؤس أو فقر أو مرض. لكن ما تنشره تلك الصحافة هي عينات، وحالات خاصة جداً، وصلت لها بطريقة أو بأخرى. ولا توجد فيما أعلم دراسات اجتماعية مكثفة تستطيع أن تقرأ حالة العوز بدقة على خريطة الوطن أو ترصد التحولات تجاه قضايا اجتماعية كثيرة أصبحت تعلن عن نفسها عبر حوادث يومية هنا وهناك.
نتحدث كثيراً عن حاجتنا للكفاءات العلمية المتميزة في الاختصاصات المختلفة خاصة العلمية البحتة والتطبيقية، لكن أيضاً في نظري نحتاج إلى كفاءات علمية في الدراسات الاجتماعية، لأن الأمراض الاجتماعية التي بدأت تظهر في المجتمع تحتاج مثل تلك الكفاءات وتحتاج مثل تلك الدراسات بشدة وتحتاج أن تضعها ضمن مشروع تنمية وفي سياق له أهميته الدينية والوطنية والأخلاقية والإنسانية.
فعلى سبيل المثال لا نعرف إلى اليوم ما هو التطور في حالات الانتحار التي نقرأ بعضها أخباراً عابرة في الصحافة المحلية. قبل بضع سنوات قدر عدد تلك الحالات بقرابة 004حالة سنوياً. خلال أسبوع واحد فقط طالعنا أكثر من أربع حالات انتحار نُشرت اخباراً عابرة في الصحافة اليومية.
السؤال أين تلك الدراسات الاجتماعية لتبحث مثل هذه المسألة سواء في سياقاتها النفسية الصحية أو الاجتماعية.. ما هي دوافع الانتحار لدينا؟ وما هي المؤثرات المختلفة في تلك الحالات؟ كيف يمكن نحصن مجتمعاً مؤمناً من حالات أصبحت تقرأ في الصحف اليومية ولم تعد حالات غريبة ومعزولة كما كان الحال في الماضي.
بين التنمية الوطنية والميزة النسبية عناوين لدى الباحثين في مشروع التنمية، لكن الميزة النسبية ليست فقط في موارد خاصة كالنفط والصناعات المعتمدة عليه، وليست في الأرض وميزتها النسبية في الاستزراع، ليست فقط في مشروعات عملاقة ومكلفة ذات طابع اقتصادي على أهميتها، ولكنها أيضاً في البحث عن مواطن الخلل في توزيع مشروع التنمية ليطال ظواهر اجتماعية أصبحت تعبر عن نفسها هنا وهناك.
إن من الميزات النسبية أيضاً في مشروع التنمية الاجتماعية أن تطال المناطق الأكثر فقراً أو أكثر حاجة لتحقيق ذلك التوازن بين أطراف الوطن. وهذا يتطلب التقصي عن أسباب تلك الظواهر عبر دراسات علمية تتوسل الدقة لترسم لنا خريطة تكشف لنا أين تكمن بؤر القلق والتوتر والمفاصل الرخوة في التنمية والرعاية الاجتماعية.
التنمية الاجتماعية، عنوان كبير، ليس لها فقط باب الضمان الاجتماعي عبر معونات شهرية تقدم للمحتاجين، ولكنه أيضاً عنوان استقرار اجتماعي وقياس له دلالته على عافية المجتمع العقلية والنفسية والاجتماعية.
من أخطر ما تصاب به المجتمعات ويؤثر على سلامة نموها واستقرارها على المدى البعيد ويُمكن لعوامل الاضعاف من التسلل إلى بنية المجتمع عبر بوابة الإحباط واليأس، هو ذلك التفاوت الكبير بين قدرات المجتمع وانحسار الطبقة الوسطى وتآكلها وتراجع دورها.
التنمية لها عنوان مهم أيضاً وهو اتساع تلك الشريحة التي تسمى بالطبقة الوسطى، فهي تعبِّر عن قوى إنتاج واستهلاك ونمو في وسائل الحياة من خلال توازن اجتماعي تدرك أهميته كل المجتمعات التي تدرس تأثير تلك الطبقة على مستوى الأداء اليومي في قطاعاتها.
لقد عرفت الطبقة الوسطى في المملكة نمواً وازدهاراً منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي مع تلك الوفرة التي حققها مدخولات الدولة من عوائد النفط. وتوسعت تلك الطبقة تعلن عن نفسها عبر واجهات لا تخفى على قارئ في المشهد الوطني. القلق هو من انحسار تلك الطبقة وتراجعها إلى تخوم الطبقات التي تعيش على الكفاف اليومي والخشية أن تصل إلى أعتاب حالة يمكن أن تدخل فيها إلى مستوى طالب رعاية اجتماعية وهذا يشكل عبئاً على الدولة والمجتمع.
إن الفرصة اليوم متاحة لإستعادة تلك الطبقة وتوسيع نطاقها ضماناً للاستقرار والنمو الاجتماعي والاقتصادي. كما هي الفرصة أيضاً متاحة لبحث ملف الرعاية الاجتماعية عبر واجهات تتجاوز مدفوعات الضمان الاجتماعي، خاصة مع توفر الامكانات المادية المناسبة لدعم مشروع رعاية اجتماعية أوسع بالإضافة إلى البحث في موارد أخرى تضمن لمشروع تكافل اجتماعي وطني أن يظهر للوجود وينمو عبر واجهات ومؤسسات سواء كانت مدينية أو حكومية.