د. عبد العزيز جار الله الجار الله
عندما يقرر مؤرخ أن يكتب تاريخاً أوتحليلاً عن منطقة فإنه لا يعتمد على الاقوال والحكايات والرواة فقط.. بل ينبش الحجر ويستنطق الصوان والمرمر وما تبقى من صخور (الكلس) والنارية في الحافات ونهايات الجبال .. والاستاذ الدكتور سليمان بن عبدالرحمن الذييب الذي استنطق حجر تيماء والعلا ومدائن صالح والقصيم وحائل وتبوك قرر وبكل شجاعة ان (ينطق) صخر الرياض و(حجر) اليمامة والعارض وتعرجات وادي حنيفة.. قرر سليمان الذييب أن يكتب تاريخ الرياض من احجاره ومن حافاته ومن صفراواته وكومات جباله.. قرر ان ينبش حافات طويق حجراً حجراً وصخرة صخرة ويكشف عن حافة الثمامة والعرمة يستقرئ الأشياء ويبحث في الوسوم والرسوم والمخربشات والشعارات في اعالي الجبال ومطامنها في الوهد والسهل والقمم وأشاهق (الضلوع).
الذييب كتب في كتابه الاخير (منطقة الرياض التاريخ السياسي والحضاري القديم) 1428ه/2007م عن بدايات الرياض منذ زمن العصور الحجرية القديمة ثم فصل في عصور الممالك العربية وهي العصور التي جاءت بعد مرحلة العصور الحجرية والسابقة لزمن الإسلام تحدث فيها عن قبائل وممالك طسم وجديس وكندة ومعد وتوقف قبيل الإسلام بزمن قليل عندما انهارت الممالك العربية وعرفت الفراغ السياسي حتى جاء فجر الإسلام.
تحدث عن السلطة السياسية والدينية والعسكرية والمساكن والمعبودات والمدافن والصناعات والزراعة والرعي في ذلك الزمن وافرد مساحة للكتابات العربية الجنوبية والثمودية والنبطية.
قد يكون الدكتور سليمان الذييب مسبوقاً في كتابة تاريخ الرياض القديم لكن ما يميزه او يعطي للكتابة اهميتها هو أن الباحث الذييب كتب من واقع الشواهد الاثرية من نصوص ونقوش من الشواهد الصخرية والشواهد الاثرية الاخرى مثل السهام والرسوم والفخار والخزف والتماثيل الحيوانية والبشرية وادوات الزينة والحلي والاعمدة المنصوبة والمباخر والمقارنات مع نتائج الحفريات في الفاو ووادي الدواسر والافلاج فجاءت الدراسة تحليلية ومقارنة متكئة على المادة العلمية الموثقة بالكتابات القديمة والمنقوشة على صخور الجبال ومازالت قائمة وشاخصة على الواقع في المتاحف وفي أبحاث منشورة جمعها الباحث وأعاد كتابة تاريخ الرياض.
هذا النوع من الابحاث الذي يستنطق الحجر ويستنبط الحدث من صخور الأرض هو البحث العلمي الدقيق بدلاً من التكهنات والتخرصات وبخاصة الذي يبحث في فترة ما قبل التاريخ او تاريخ الممالك العربية قبل الإسلام والذي مازال تاريخه كاملاً لم يكشف حتى تكتمل الحفريات الاثرية وتظهر نتائجها وتكون متاحة للباحثين.
يبقى أن نتقدم بالشكر الوافر للباحث أ. د. سليمان الذييب الذي أشبع المكتبة السعودية بالمؤلفات العديدة والمتنوعة عن الكتابات القديمة في المملكة العربية السعودية وبذلك يستحق التقدير العلمي من مؤسسات التعليم ومن الجهات العلمية والثقافية في بلادنا.