إن لبنان الدولة منذ أعلنه الجنرال غورو في الحرب العالمية الأولى، وهو مواجه بمصالح البعيد والقريب
؟ كأن الذي قال القول المأثور: "دفع المغارم أولى من جلب المغانم"، حدد التوقعات التي ينبغي أن ترسم حدود السياسة التي تحكم العلاقات العربية العربية منذ مدة غير قصيرة، وخاصة منذ توتر العلاقات اللبنانية السورية بعد الدور الذي لعبته سوريا في التمديد للرئيس إميل لحود على حساب الرأي الذي كان منتشراً في أوساط مختلفة بأن التجربة السياسية اللبنانية صريحة التأكيد على أن كل تجديد لرئيس لبناني قد تسبب بردود فعل وأحداث وخلافات ضربت الوفاق اللبناني ومشخصاته في الصميم، وكادت تتسبب للبنان بسمعة أنه وطن سريع العطب سهل الاختراق من قوى الداخل والخارج.
وما الوطنية اللبنانية في مزاج خفض التوقعات، إلا حالة اصطناعية للصق الطوائف اللبنانية بعضها ببعض، أشبه بذلك الشريط اللاصق الذي يستخدمه القصابون في دكاكينهم لالتقاط الذباب ومنعه من الانتشار على لحوم الذبائح.
إن لبنان الدولة منذ أعلنه الجنرال غورو في الحرب العالمية الاولى، وهو مواجه بمصالح البعيد والقريب، الملتقية على تصويره إزاء نفسه أولاً وإزاء الآخرين على أنه بلد محدود الطموح، سهل التفتت، سريع العطب. وقد خوطب على أنه كذلك، من جهات صديقة وأخرى معادية، فالصديق يذكّر لبنان بضعفه لتكبير شأن المعونة التي يقدمها إليه، والعدو يكلمه باللغة نفسها لإرهابه وجعله يسلّم له بما يشاء، والاثنان، العدو والصديق، مهما اختلفا في ما بينهما، يبقيان بالنتيجة موحدين بالمصلحة في إضعاف ثقة الوطن بنفسه، وطموحه المشروع الى أن يكون وطناً حراً يختار طريقه بنفسه ويبني ذاته بالشكل الذي يريد.
وهكذا جعلوا لبنان دائماً بحاجة الى دهاة من الخارج أو أقوياء استثنائيين من أهل البلد، يحكمونه بأساليبهم، وإلا يتحول حاكمه، إذا كان من النوع العادي، فضيحة لنفسه وللبلد. وقد وجد الرجال ذوو القدرات والمؤهلات، كإميل إده أو بشارة الخوري أو كميل شمعون ورياض الصلح وعبد الحميد كرامي وأحمد الاسعد وعادل عسيران وسليم وفيليب تقلا وأخيراً لا آخراً، كمال جنبلاط ووليد جنبلاط والسيد حسن نصرالله، طبعاً كلهم من الدهاة. ولسنا نعرف حتى الآن آخر داهية يوصله دهاة اليوم أو الغد لرئاسة الجمهورية.
وهكذا، فمنذ مدة والسياسة عندنا يحكمها القانون النسبي القائل: دفع المغارم أولى من جلب المغانم. فلا ضرورة للتشدد مع أحد في نوعية الحاكم، ولا أحد أيضاً يستنسب الآن الكلام الفخم الراقي الذي كان يتحدث به في العادة تاريخيون كالرئيس جمال عبد الناصر أو شكري القوتلي أو بن بلا أو أبو عمار عن الوحدة وتحرير فلسطين وانتفاضات العالم الثالث وثوراته في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. فقد انطوت تلك القامات والايام التاريخية وخطابها السياسي الجذاب، لتحل محلها كلمات توصي بالاعتدال والعادي من الكلام، وحيث يلزم الامر بالاقل منه أيضاً.
كأن وقف التردي لا طلب العلا، أصبح في مزاج الناس، بل في عقولهم، هو وحده المطلوب، سواء في الاشخاص أو الاعمال. فلو سألنا الناس في لبنان مثلاً: ما تريدون في موضوع العلاقات السورية اللبنانية، لجاء جواب الاكثرية مجرد منعها من التردي، إذ لم تعد الجودة شرطاً مطلوباً في مزاج الناس.
هل هو شيء خاص ذو صلة بالعلاقات السورية اللبنانية، أو غير ذلك من الشركاء، حيث يميل المزاج اللبناني عند الرجل العادي الى القبول بالواقع كما هو، تفادياً للمجهول وما قد يحمل من مضاعفات.
ليس ذلك هو الواقع على الاغلب، فلو تعمقنا في استعراض الحالة العربية العامة الآن، لوجدنا أن مزاج المواطن اللبناني هو إيثار السلامة له ولغيره، بعيداً عن الطموحات الكبرى أو حتى المتوسطة.
فكما أن الخيار الاول عند أي ملاح حكيم في أية سفينة مبحرة، هو ألا يتحرك الموج من تحته، كذلك هو اللبناني اليوم، يؤثر بالمزاج وربما بالعقل أيضاً ألا يكون تغيير جذري أو شبه جذري داخل بلده أو في جواره.
هل نحن في زمن روّض فيه نهائياً الطموح الكبير الى الادوار عند اللبنانيين أو غير اللبنانيين في المرحلة الحالية من الحياة اللبنانية؟ أغلب الظن أن شيئاً من ذلك قد يكون حاصلاً أيضاً في أكثر من بلد عربي. فأين العراق الحالي المنشغل بنزاعاته الداخلية الممزقة عرقياً ومذهبياً من عراق الامس على علاته، الذي وصلت صواريخه الى إسرائيل تهددها في عقر دارها؟ واين فلسطين الواحدة الموحدة بقيادة أبي عمار ممثلاً وحيداً لفلسطين داخل فلسطين وفي الوطن العربي وفي القارات، بل في الامم المتحدة نفسها نداً لرؤساء الدول القيادية في العالم؟ وأين الجزائر مثيرة إعجاب العالم بثورتها التاريخية الدائمة الاشعاع والصيت البطولي؟ وأين وأين؟...
ثم... أين لبنان الحالي المقسم الممذهب، الحائر في كيف يختار رئيساً من لبنان المتوهج عربياً ودولياً حتى أمس ولو البعيد؟ وأين وأين ذهاباً الى أفريقيا التي كانت تتحرك بقرار من قاهرة عبد الناصر وجزائر بن بلا؟...
قد يكون لبنان، والله أعلم، هو أكثر البلدان العربية تفاجؤاً بأوضاعه، فبينا هو بالامس غير البعيد، الوطن الموحد الارادة، النموذج في علاقة طوائفه بعضها مع بعض، ودرته المشعة بيروت، العاصمة الثانية لكل عربي بعد عاصمته؟...
يبقى بعد كل ذلك الاهم في التراجع العام، هو ما يجري الآن في فلسطين، حيث تمانع إسرائيل، ومعها دول قادرة في العالم، بأن يكون للفلسطينيين كيان يشمل غزة وبعض القدس، فإذا الايام تطيح أو تكاد بأي مشروع فلسطيني ذي شيء من الجدية واللياقة على أرض فلسطين.
إنه لعنوان كبير لتغيير بائس تحاول القوى الدولية والنزاعات العربية الداخلية أن تعطيه للاطلالة العربية على العالم، وهو تسمية المرحلة التي يمر بها العرب في الوقت الحاضر بأنها مرحلة شعارها "دفع المغارم أولى من جلب المغانم"، أو ما يسمى بالانتصارات السلبية حيث يصبح العربي راضياً بما بقي بين يديه، لا متشبثاً بحقوقه، مطالباً بها، ذائداً عنها.
إن الوضع العربي العام، بل الانسان العربي في علاقته بالعالم معرض الآن لأن تقضم حقوقه أكثر فأكثر، إذا هو لم يصح قبل فوات الاوان على سياسة القضم التي يتعرض لها في ساحات خلاف، هي العراق ولبنان وفلسطين. فهل الدول الثلاث وما يجري فيها هو المرصد الحقيقي الذي بمتابعة مؤشراته الخطيرة، يستطيع القائد العربي أن يعرف ما يراد للمنطقة كلها من مصير!
من يتابع الكتابات الاسرائيلية، ولو من بعيد، يدرك طريقة استخدام هذه الساحات الثلاث، لبنان والعراق وفلسطين، في الدعوة الى الضغط على المنطقة وعلى كل دولة عربية على حدة، من أجل استمرار العدوان المتواصل على الحقوق العربية الفلسطينية الاسلامية والمسيحية، حيثما ارتفع لها صوت، وهكذا يبقى كل عربي، وحيثما كان، متهماً بالتطرف، حتى حين يكون هو أبعد الناس عن ذلك.
إن واشنطن السياسية تبدو منزلقة أكثر فأكثر الى عقلية تبسيطية في فهم المنطقة من خلال ثالوث العراق ولبنان وفلسطين، وكأنها تعتبر ما يجري فيها مجرد ظواهر عصبيات مأزومة، بينما هي في الحقيقة تجليات فرعية لشعور عربي عام، إسلامي ومسيحي، يكتشف بعمق وغضب عدم فهم الآخرين له، من مجرد تصرفهم مع العراق وغزة ولبنان. إذ بدلاً من اعتبارها عوارض شعور عام ضد ظلم سابق ومترقب، بل ضد قومية ذات علاقة خاصة بدين هو الاسلام، نجدها تنحرف، بتأثير الصهاينة وتراجع بعض القيادات العربية، الى طمس الأصل والجوهر، والاكتفاء بالبحث عن نوازع عصبية هنا وهناك، لتبرير الذات غير البريئة.
إن الموضوع هو ظلم وقع على العروبة والاسلام، كما على المسيحية العربية وفلسطين التاريخية، قام به أساساً، بعض من طغاة عالميين، ويهود من خارج المنطقة. فمن الطبيعي إذاً رفضه من كل هؤلاء المعتدى عليهم.
إن الولايات المتحدة تكررخطأً، بل خطيئة الانكليز في فلسطين، وبشكل أفدح وأشد تجاوزاً على الحقوق الفلسطينية الاسلامية والمسيحية والعربية. فهل هذه فضيحة كبرى للسياسة الاميركية، سياسة أكبر دولة عرفها تاريخ البشر؟ وهل المسلمون أعداء تاريخيون للولايات المتحدة، كما يوهمها ذلك الاستعمار المتخصص بالعداء للعرب الذي اسمه الصهيونية؟ وهل الاستعمار البريطاني مشكور اليوم في بريطانيا نفسها، حتى تبيح الولايات المتحدة حرباً على الفلسطينيين، مرفوضة بحرب على العراق والاسلام والمسيحيين العرب؟