من الممكن طرح سؤال جدوى إنجاب الأطفال في بعض الثقافات الأخرى دون حرج، فمثلا يجري نقاش طبيعي حول هذا الموضوع مع شخص أمريكي أو أوروبي أو شرقي سواء لتأييد فكرة الإنجاب أو معارضتها. لكن النقاش حول هذا الموضوع مع رجل عربي سيكون نقاشًا في الغالب له اتجاه واحد لا يتعرض فيه للفكرة الأساسية حول جدوى الإنجاب باعتبارها من المسلّمات الاجتماعية وإنما يدور النقاش حول مابعد الإنجاب من قضايا كمزايا الإنجاب ووقته الملائم والفرق في المنفعة بين الأولاد والبنات..إلخ.
لهذا فإن فتح هذا الموضوع -بحد ذاته- يُعدّ مغامرة محفوفة بالمخاطر بسبب ردة الفعل العنيفة أو الصداميّة التي تُواجه التفكير في هذا الموضوع. فعند سؤال عدد من الناس في مدينة الرياض (عددهم 117) روعي فيهم التنوّع في العينة (من حيث العمر والحالة الاجتماعية والجنس والمستوى الثقافي)، وُجد أنّ نسبة (89%) منهم يرفضون الفكرة رفضًا مطلقًا، و(7%) يؤيدونها على أن تكون مجرد فكرة للنقاش وليست للتطبيق. ولهذا فعندما طُلب منهم وصف الشخص الذي لايؤيد إنجاب الأطفال، جاءت مجموعة من الأوصاف السلبية التي ألصقت به، ومن أبرزها القول بأنه: غربي، أو صهيوني، أو مختل عقليًا، أو علماني، أو لا يفهم شيئًا.
وقد جاءت إجابات المستهدفين حول جدوى إنجاب الأطفال على النحو التالي: يخدمك حينما تكبر في السن (76%)؛ ينفق عليك إذا احتجت (75%)؛ يسدّد ديونك (71%)؛ يرعاك صحيًا عندما تتعب (71%)؛ يحمل اسمك بعد وفاتك (71%)؛ يضمن بقاء سلالتك (70%)؛ يشاركك في العمل (70%)؛ يعمل بديلا عنك (70%)؛ يجلب لك العز والهيبة/يرفع رأسك (68%)؛ تتحدّى به الأعداء (47%)؛ يعلّمك مالم تعلم (31%)؛ ينبّهك إلى أخطائك (17%)؛ يكون قدوة لك (12%).
ويلاحظ من خلال الاستجابات السابقة أن الآباء الحقيقيين أو الآباء المفترضين (ممن لم ينجبوا) لديهم تصورات ذهنية محددة للدور الذي يجب أن يلعبه الأبناء في الحياة، وهذا الدور هو الذي يُحدّد جدوى إنجابهم. ويمكن تقسيم فوائد الأبناء السابقة إلى ثلاث مجموعات: الأولى تتعلق بالاستفادة من الابن أو البنت حسيًا بتقديم الخدمة أو المساعدة في العمل أو بالاستفادة من كسب الابن والبنت المالي على اعتبار أن الأبناء يمثلون مشروع استثمار بعيد المدى؛ وهذه الفائدة تعود بالنفع على كل من الأب والأم. والمجوعة الثانية من الجدوى تتعلق بفائدة معنوية تعود على الأب (وتخرج منها الأم) وهي حمل الاسم واستمرار السلالة وربما تشارك الأم في موضوع جلب الهيبة ورفع الرأس للأهل. أما المجموعة الثالثة، فتتعلق بالجانب المعرفي الذي يمكن أن يضيفه الابن أو البنت إلى والديهم، وهي أقل المجموعات الثلاث أهمية لدى الآباء والأمهات. وكأنّ الوالدين لايريدون مافي عقول أبنائهم من معرفة بقدر مايريدون مافي جيوبهم من مال أو مافي أجسادهم من طاقة.
وعند وضع هذه الأمور في سياقها الطبيعي، نجد أن السبب الذي جعل الوالدين يقدّمون هذه الرؤية الذهنية لعلاقتهم بالأبناء هو سبب واقعي يعود إلى فترة تاريخية سابقة لظوف عصرنا الحالي. فقبل سنوات تزيد على الخمسين عامًا تقريبًا، كان الأب الذي لديه مجموعة من الأبناء قويًا لأنهم يساعدونه في الحقل إن كان مزارعًا، وفي المرعى إن كان راعيًا، وفي المتجر إن كان تاجرًا، وهكذا في بقية الأعمال كان الأبناء يقومون بالوظائف والمهام الكثيرة. وفي المقابل فإن الأب الذي ليس لديه أبناء يعدّ ضعيفًا لأنه عرضة للفقر وربما للسلب والإغارة من الأقوياء (قبل توحيد المملكة وشيوع الأمن فيها). ومن هنا فإن إنجاب الأطفال كان بمثابة الضرورة التي تحتمها ظروف الواقع المعيش، إضافة إلى تعرّض أولئك الأطفال للمرض وربما الموت مما يقتضي عدم التفكير في العدد المطلوب منهم. ولهذا فقد بقيت هذه الصورة النمطية لإنجاب الأطفال مهيمنة على تفكير الناس؛ ويرث الأبناء هذه الصورة من آبائهم وكأنها جزء لا يتجزأ من المسلّمات الاجتماعية ذات القيمة العالية التي لا يسع أحد التخلّي عنها.
ومع تغير الزمن وتبدّل الظروف الاجتماعية والاقتصادية وجلب العمال للقيام بالوظائف، استغنى عدد كبير من الآباء عن إسناد العمل في الحقل أو في المرعى أو المتجر إلى أبنائهم، وقام بها العمال. وحتى وظائف الخدمة المنزلية أسندت إلى عمالة من خارج العائلة؛ ولم يتبقّ للأبناء من دور يقومون به سوى الجانب النفسي في دعم آبائهم والتعاطف معهم وربما الجانب المالي.
ذكر لي أحد الآباء من الجيل السابق أنه حينما تقاعد وجد لديه وقتًا فائضًا فاشترى مزرعة قريبة من الرياض، وكان يطلب من أبنائه الثلاثة أن يصطحبوه إلى تلك المزرعة لكي يقضوا معه أغلب اليوم. وبعد مرور وقت قصير، لاحظ كثرة اعتذارهم عن الحضور بسبب انشغالهم بزوجاتهم وأطفالهم ووظائفهم؛ فحنق منهم واعتبر ذلك نكرانًا للجميل، ووصل به الأمر إلى اعتبار عدم حضورهم إليه بمثابة العقوق، إلا أنه في النهاية استسلم للأمر الواقع وجلب سائقًا يقود به السيارة ويصبّ له القهوة، وترك لأبنائه حرية الحضور متى شاؤوا. فوجد في هذا القرار راحة نفسية له لأنه تخلّص من الشعور السلبي ضد أبنائه، وفي الوقت نفسه بدأ يُقدّر ظروف أبنائه المشغولين بحياتهم أكثر من انشغالهم بحياته. وقد اكتشف ذلك الأب أن سبب حنقه على أبنائه يعود إلى قياسه الخاطئ لظروفه التي يعيشها الآن بظروف والده قبل خمسين أو ستين سنة مضت حينما كانت ظروفه تختلف عن ظروف أبنائه اليوم؛ فقد كان متفرغًا لوالده ولم يكن مرتبطًا بوظيفة تقتضي الدوام كل يوم من الصباح وحتى العصر ولم يكن للأطفال في زمنه احتياجات كثيرة كأطفال اليوم، ولم تكن متطلبات الحياة (وأقلها الانتقال من مكان إلى آخر) تنهك الناس وتأخذ جلّ أوقاتهم.
وبناء على هذه المتغيرات الاجتماعية التي أثرت في حياة الناس وغيّرت من شكل الأسرة والعلاقات فيها، فأدخلت فيها عناصر أجنبية (كالخادمة مثلا) وصارت جزءًا من الأسرة تشاركهم المسكن والمأكل وربما الرأي، يحق لنا السؤال حول التغيرات الفكرية الأخرى التي طالت نظام الأسرة السعودية ونظام العلاقات الاجتماعية بين الناس. ومن هذه الأسئلة ما يتّصل بفلسفة إنجاب الأطفال وتنظيم عددهم وطبيعة العلاقة معهم (منفعية، تعاونية، عاطفية..إلخ). وهل ثمة سبب وراء بقاء تصوّرات ذهنية معينة في عقول عدد من الناس كما هي عند جيل الآباء والأجداد قبل فترة طويلة من الزمن مع ملاحظة العناصر المتغيرة والعناصر الثابتة بين الجيلين؟