د . عبدالرحمن الشلاش
في المجتمعات المفتوحة أو المنفتحة لا يحتاج الشباب في الغالب إلى وسائط للتواصل فيما بينهم.. فالواقع المعاش يتيح للجنسين اللقاء المباشر.. بيد أن الأمر يختلف تماماً في المجتمعات المحافظة والتي لا تتيح للشباب من الجنسين الالتقاء مما يدفعهم لإيجاد وسائل ووسائط لبناء علاقات عاطفية.. وتتم تلك العلاقات وتنمو وتترعرع في الظلام.. وبعيداً عن فضول الآخرين.. وعين الرقيب البشري ومتابعة الأسرة..
في الماضي القريب كانت الغراميات بين الشباب وملتقيات العشاق تجري مثلا في الأسواق.. وربما بالقرب من اشارات المرور.. وقد تتاح الفرصة لمن يبحثون عن الحب بنظرة خاطفة أو كلمة عابرة تماشياً مع كلمات الأغنية الرقيقة (كلمة ولو جبر خاطر وإلا سلام من بعيد، وإلا رسالة يا هاجر من عند ساع البريد).. وتستخدم وسائل تقليدية مثل الرسائل المكتوبة بخط اليد.. أو الاشارات.. والايماءات ونحوها.. أو اللمحات.. أو الوقوف عند الابواب بانتظار طلة تشفي الفؤاد.. أو الاستعانة بمرسول الحب..
اليوم وحتى في المجتمعات المحافظة أو غيرها لا تشكل وسائط الاتصال عائقاً يحول دون تواصل الباحثين عن اقامة جسور (حتى ولو كانت هشة) من العلاقات العاطفية والغرامية.. ولم تعد الحواجز مهما بلغت متانتها وسماكتها وارتفاعها حجر عثرة في طريق من كوتهم نار الشوق.. وأضناهم الغرام.. فدفعهم الهوى لوصل الحبيب.. وليس الوصل فحسب وإنما حتى البحث عن حبيب.. أو خليل أو صديق..
الباحثون عن الوصال يستخدمون حالياً التقنية لتحقيق الأهداف ونوال المراد بغض النظر عن سمو الهدف أو وضاعته.. فيرمون شباكهم ليظفروا بصيد ثمين ونفيس.. ولأن تلك الوسائل متنوعة ومتعددة فقد اتاحت للجادين والعابثين والمفسدين على حد سواء كل الفرص لتحقيق اغراضهم ومآربهم.. فالإنترنت يحظى ربما بنصيب لا يستهان به فهو من حلبات التعارف المتاحة أمام كل الأجناس والأعمار... عن طريق غرف (الشات) و(المسنجر).. وتبادل عبارات الشوق والغرام والصور والمحادثات المباشرة.. وكلا الطرفين يوهم نفسه بأنه في المسار الصحيح لبناء علاقة عاطفية قد تنتهي بالزواج.. وبعضهم قد لا يعلم بأن من يتواصل معه رجل أو امرأة.. لتزداد مساحات العبث الذي لا يؤدي إلا إلى أسوأ النتائج.. وتتحول تلك اللحظات في الغالب إلى أوقات للمتعة والتسلية والترفيه وإضاعة الوقت.. بدواعي الحب والبحث عن النهاية السعيدة..
وفي ذات السياق يوظف البعض تقنية البلوتوث كوسيلة سريعة وفعالة (من وجهة نظرهم) للإيقاع بالمزيد من الباحثين والباحثات عن دفء المشاعر.. ببث المقاطع الفاضحة.. وارسال الأرقام في الأسواق وعند اشارات المرور وفي المطاعم ومعظم الأماكن العامة.. ويتفنن البعض في اختيار الاسماء المناسبة والرنانة لاستقطاب من تقوده خطاه لدخول تلك الدائرة المجهولة.. وبناء علاقات الحب الوهمية..
ويأتي استخدام الجوال كوسيلة فعالة عبر المكالمات ورسائل الوسائط.. والرسائل القصيرة لتحقيق التواصل.. وقضاء الساعات الطويلة في تبادل عبارات الشوق والغرام.. والبوح للحبيب أو الصديق بمكنونات الفؤاد.. والتخطيط لمستقبلهم في صفحات من الأوهام.. وسرد لأمانٍ قد لا تتحقق ولا في الأحلام.
هل أجهزت وسائل التقنية على معاني الحب السامية.. ليستخدم هذا الحب الجميل كتأشيرة للمرور لتحقيق الأهداف الخفية؟ وأي حب صادق سيولد بين طرفين لا تجمعهما رابطة سوى تلك الوسائط؟ حب عبر التقنية لا يحمل لنا مع تتابع الأيام سوى المزيد من القصص المؤلمة والمحزنة.. ويدفع بالمزيد من الضحايا إلى طريق الضياع..