القيم المتغيّرة.. والأخرى الراكدة!!
كل دول العالم تحتفل بمناسباتها الوطنية والقومية بعضها يسميها عيداً، وأخرى ذكرى وثالثة يوماً وطنياً، لكن الخلاف بين تلك الاحتفالات أن هناك دولاً خرجت من دمار الحروب، أو الاحتلال إلى خيارات متطورة جددت فيها حيوية سكانها، وأخرى بقيت تدور في حلقات عجزها..
فالغرب الأوروبي شهد حربين عالميتين وقبلهما مرارات الكنيسة، والإقطاع، ثم نشوء الرأسمالية التي جاءت باحتلال معظم دول الكرة الأرضية، لكنها أنشأت حضارة بقيت سائدة حتى اليوم، ولعل المثال الألماني، والدول التي دمرتها الحرب العالمية الثانية، وكيف أسقطت النظم الدكتاتورية الشمولية وأنشأت أخرى أكثر حرية وديموقراطية، كانت النماذج التي أعطت لشعوب آسيا تكرار الاتجاه وبصعود متسارعٍ فاق التوقعات في تنمية الأهداف السلمية والسباق الصناعي والتجاري..
كيف تمت عملية التحديث ورفع مستوى العيد الوطني من ذكريات مأساوية إلى احتفالات بإنجازات علمية وثقافية، توجت بجوائز نوبل وغيرها، وتحويل التنافس من اقتطاع جزء كبير من الدخل القومي في اتجاه التسلح، إلى إنتاج وسائل أكثر ربحية وسلاماً بما فيها سلع علوم التقنية والاكتشافات الهائلة؟..
هناك تحديات تفرض أن تتجاوز الأمم الناجحة أسباب إخفاقها، وهذا يعتمد على قدرة التخطيط في كل المجالات البشرية، والاقتصادية، وتنمية المعارف، واستغلال الطاقات، وفك الحصار عن حريات الشعوب لتتأقلم مع الأهداف الوطنية العليا، وهذا النموذج نجده في شعوب آسيوية أقرت مبدأ الانتصار على الوقت باستثمار دقائقه وساعاته، فطرحت كيف ستصل إلى المستوى المعرفي والمادي بعد عقدين وأكثر، فأنشأت مراكز ولجاناً تخطط وتتابع التنفيذ أسوة بتجارب الغرب، حتى إن الصين أو العملاق القادم لا تزال ترى نفسها في أدبيات نشرها، في حزام العالم الثالث، وهذا التواضع لا يأتي كفلسفة لتعاليم "كونفوشيوس" المسالمة وإنما لمبدأ أننا لا نزال في أول الطريق، بينما ما قطعته في عدة سنوات تحتاج للوصول إليه بعض الدول العربية والإسلامية، إلى أجيال وعقود طويلة، ولعل الفجوات التي بدأت تحدث في تصنيف الدول وحتى القارات عندما نقارن آسيا بأفريقيا، نجد أن الفارق كبير وهائل..
الوطن العربي اختار أن يكون ماضياً فقط، أي أن أفعال الحاضر والمستقبل سُحبت من قواعد عمله، وبات يراهن على صراع آخر مزق الخارطة الاجتماعية والسياسية، لأن الخلاف جزء من مدونات التاريخ، وحالة سلوكية خلقت تعقيداتها من بؤرة وجودها الاجتماعي حتى إنك لا تستطيع أن تجد لبلد ما طريقاً محدد الأهداف والوسائل بأنه في العام القادم مثلاً سيزيد نسبة الدخل القومي، وليس الريعي إلى كذا، وأن دخل الفرد سيرتفع، وتقفل عدة أمراض وتصل الضروريات إلى الريف والمدينة بنفس التساوي، بل وحتى في السياسات الخارجية نركض في مضمار غير مستوٍ أي أننا نتحالف وننقض أحلافنا مما خلق مأساة الوطن الشهيد في التعديات على نفسه وتصاعدت المأساة الى أن نصبح ميدان التجارب للحروب وتوابعها في التخلف العقلي والمادي..