د. فايز بن عبد الله الشهري
هل سألت نفسك يوماً وأنت تركض في دوامة الحياة ومشاغلها عن أهمية اللحاق بموعد الساعة السعيدة التي تنتظرها في يومك المزدحم؟ وهل توجد مثل هذه الساعة فعلا في برنامجك اليومي؟ نعم هناك وقفات راحة ولحظات هناء يجدها المرء وهو يؤدي فرضه أو يساعد محتاجا، ولكن حتى هذه المواقف على روعتها كثيرا ما تمر سريعة في زحمة برامج اليوم المضنية. ربما يقول شاب انشغل عنه ذووه أن ساعته السعيدة هي التي يقضيها مع الأصحاب على شبكة الانترنت... وقد تتحقق تلك الساعة الحميمة عند آخر تحت سقف اجتماع الأسرة ساعة الغداء، وربما يرى آخرون أن أجمل ساعات اليوم هي وقت الجلوس بين يدي الوالدين وصفوة الأحبة.
تتابع مثل هذه الأسئلة وغيرها في وجه الحصار الذي فرضته علينا كثرة المواعيد والالتزامات العملية التي جعلتنا نقف مذعنين لنظام الحياة المعاصرة الصارم محاصرين بمذكرات المواعيد وأجراس التنبيه ورسائل التذكير أينما التفتنا. كثيرون ينسون أو يؤجلون السؤال عن مصير "الساعة السعيدة" في برنامجهم اليومي حتى يطرق هذا السؤال التائه بوابات الأفكار في هدأة الليل حيث السكون والشجون حينها يبدأ المرء منّا في استرجاع أحداث يومه فيجد أن ساعته السعيدة قد سُرقت منه في موعد طويل ممل، أو نسيها لسبب لا موجب له ففات يومه الذي لن يعود أبدا.
إذا هل يمكن أن تكون مستحدثات التقنية السبب أو لنقل أهم عوامل وقوعنا في أسر " العزلة" ومن ثم تسهيل مهمة القبض على أرواحنا و"احتلال" ساعات يومنا كلها تحت راية المشاغل "وعبودية" الالتزامات. كيف يمكن أن نستعيد بعض هدوئنا ونحرر ساعة من نهار أو ليل لتصبح هذه "الساعة السعيدة" التزاما يوميا واستحقاقا نفسيا نفرّ إليه للتعافي من ضجيج المكاتب، وجهامة الوجوه التي لا تبتسم.
في معادلة التقنية والسعادة كان المفترض - نظريا على الأقل- أن التقنية الحديثة ستوفر الوقت والجهد إذ سيجد الناس وقتا أوسع لتعزيز أوقات السعادة المختارة في العمل والمنزل. ولكن الذي حصل - كما يبدو- هو العكس فالانترنت حين حضرت كوسيلة اتصال ومعلومات حوّلها أناس إلى مجتمعات افتراضية تقتضي من أعضائها اقتطاع وقت مهم من برنامج يومي هو محدود أصلا، وان نجح المرء في الإفلات من أسر سحر الشبكة خطفته أضواء الفضائيات لتجهز على بقية وقت لم يعد فيه متسع لراحة نفس أو هناء روح أضناها الركض في "مارثون" الطموح أو الطمع الذي لا نهاية له.
وحيث إن هذا المقال لا يناقش فلسفة السعادة أو أسرارها وأسبابها فلا باس من محاولة للتأسيس لفكرة بسيطة تقول إن اليوم السعيد هو لبنة في بناء الحياة السعيدة وأن الشخصية المتصالحة مع كل شيء وحدها التي ستربح في النهاية جائزة السكينة في عالم كثرت فيه مصانع إنتاج القلق وتزايدت أعداد من تعهدوا توزيعه بالمجان في كل ناصية.
من جهة أخرى تدور على شبكة الانترنت تساؤلات ونقاشات عن قوة علاقة التقنية باختفاء ساعة السعادة اليومية في المنزل على وجه الخصوص، وتتكرر أسئلة وأطروحات أخرى مثلها تبحث في مدى تأثير برودة التقنية على دفء العلاقات الإنسانية خاصة في ظل وضوح احتلال وسائط التقنية الحديثة دورا كبيرا زاحمت فيه "مكانة" الصديق والمؤنس والعائلة، فالانترنت - كما هو وتقع الحال- باتت مجتمعا يقدم البدائل العاطفية والوجدانية للشباب بلا شروط، وغدت المكالمة والرسالة النصية عبر الهاتف الجوال بديلا كسولا أغنى صاحبها عن زيارة عائلية واجبة، أما ساعات النقاش الأسري فقد تناثرت أشلاؤها بين إغراءات عروض الفضائيات العالمية وجبروت العاب الفيديو وان بقي شيء من وقت فلترتيب الجدول بين هذه المناشط لا غير.
مسارات
قال ومضى: حتى تصبح (السعادة عادة) اتّخذ قرارك اليوم لأنك لن تندم (مستقبلا) إلا على (قرار) لم تتخذه (في الماضي) لإسعاد نفسك والآخرين.
fayez@alriyadh.com