إنه من الرائع أن يحقق الإنسان نجاحا يبلغ الكمال إن ذلك لا يحدث كثيراً في هذه الحياة ولكنني أعتبر نفسي من المحظوظين في هذا البلد العظيم حين تمكن من تحقيق استئصال كامل لشلل الأطفال و من ينظر في التقارير الرسمية والعلمية يسر لرؤية الرقم صفر تحت عدد الحالات المسجلة لهذا المرض في المملكة. قصة هذا النجاح تطول وليس هذا المقال لسردها إنما أتمنى أن نرى هذا النجاح يتحقق في مجالات أخرى وإليكم القصة التالية التي قد تقودنا إلى ذلك تحول المجتمع الحديث من الإصابة بالأمراض غير المعدية في غضون عشرات السنين نتيجة لمتغيرات بيئية واجتماعية واقتصادية كثيرة بالإضافة إلى المستجدات الطبية على رأسها المضادات الحيوية التي سلطها الأطباء كسلاح فعال لمحاربة الجراثيم ولم يكن لموجة الأمراض المعدية أن تنحسر بفعل المضادات الحيوية وحدها بل أن التغير الاجتماعي والبيئي أديا إلى نمط معيشة أكثر صحة وأبعد عن الإصابة بالجراثيم، كما أن النجاحات التي حققها المجتمع باستئصال بعض الأمراض الجرثومية بواسطة اللقاحات أضافت بعداً آخر للسمات الصحية الحديثة والتي ينعم بها المجتمع المتمدن.
تصنف منظمة الصحة العالمية العالم إلى ستة أقاليم صحية تقع المملكة في الإقليم المسمى بشرق المتوسط وهو من الأقاليم الصحية الأقل تطوراً صحياً بسبب انتشار كثير من الأمراض المعدية فيه حيث لم يتم السيطرة على كثير منها ويعتبر هذا الإقليم من المناطق الصحية التي يختلط بها نمطا المراضة الحديث والقديم أي النمط الوبائي الذي تنتشر فيه الأمراض المعدية والنمط الحديث الوبائي الذي تنتشر فيه الأمراض غيرا لمعدية والتي نسميها أمراض العصر، والمملكة لا تخرج عن هذا النمط المختلط إلا في سيطرتها الأفضل على الأمراض المعدية الوبائية وتحقيقها نجاحات تصل إلى درجة الكمال بينت في مطلع هذا المقال. ولقد ظهرت في العقود الأخيرة العديد من الأمراض الوبائية ذات الأصل الجرثومي نتيجة للتغيرات الاجتماعية التي جعلت من العالم قرية صغيرة كان على رأس هذه الأمراض وباء الإيدز الذي اخترق جميع الحواجز والحدود وطفق يعصف بصحة الشباب.
وأضاف إلى العبء المرضي الإصابات التي نتجت عن تسارع وسائل النقل حيث إن الإصابات من الحوادث تمثل في كثير من الدول القاتل الأول للشباب.
لقد تحولت الرعاية الصحية الحديثة من الاهتمام بالمرض إلى المحافظة على الصحة وذلك طموحا من المهتمين بالصحة لبلوغ أهداف صحية فائقة وأدى ذلك التحول إلى ظهور مفاهيم صحية حديثة تمثل المرحلة الحالية مرحلة تحول جذري(paradigm shift) في النظر إلى المرض والتي نتعرض لها فيما يلي من المقال وسنتطرق لتطبيقاتها في مقالات أخرى بإذن الله.
أولاً:الاهتمام بالصحة وليس المرض
إن المعاناة التي يشعر بها المريض والتكلفة المتزايدة لعلاجه والاضطراب الذي يصيب النسق الاجتماعي للمريض سواء لدوره في أسرته أو عمله أو غير ذلك من الأنساق الاجتماعية تدفعنا بما لا يدع مجالاً إلى النقاش أن نهتم بالصحة قبل المرض.
لقد تبنت جميع الاتفاقيات الحديثة مبدأ الصحة كعنصر رئيسي يجب الحفاظ عليه وأن يكون الاهتمام بالمرض نابعاً من الاستمرار في رعاية الإنسان في جميع أحواله ولكن ينبغي أن يكون الهاجس الرئيسي هو الحفاظ على صحته. ولذلك نجد الأمم تتباهى اليوم بمعدلات الرقي الصحي مثل انخفاض معدل وفيات الأطفال الرضع، زيادة العمر المتوقع عند الولادة، وغير ذلك من المعدلات الصحية أكثر مما تتباهى بتشييد المراكز المتقدمة للخدمة الصحية. وهذا لا يعني إهمال الجانب الثاني بل يجب أن يعززه. ولقد حققت المملكة تقدما ملحوظا في هذا المجال ويبين الجدول رقم واحد تطور بعض هذه المعدلات في المملكة العربية السعودية لقد تمكنت في غضون 13عاماً من كسب سبع سنوات إضافية متوقعة لعمر الإنسان وذلك بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بما توليه هذه الحكومة الرشيدة من الاهتمام فقد ازداد العمر المتوقع عند الولادة عام 2004إلى 75.5في حين كان ذلك 68سنة في عام 1987وهذا يعني ازدياداً يقدر بنصف عام لكل سنة مرت.
كما أن معدل وفيات الأطفال انخفض بمعدل 0.5لكل ألف طفل في العام خلال عقد واحد من الزمن بين عامي 1994م وعام 2004م. فصار عام 2004بمعدل 17لكل ألف طفل مقارنة بمعدل 22لكل طفل عام 1994إن هذه التطورات الصحية مكتسبات رئيسية لا يمكن الاستهانة بها وهي تصب في التفوق الصحي الذي ننشده.
ثانيا:الاهتمام بالمعلوماتية قبل وبعد تقديم الخدمات الصحية:
إن الطفرة العلمية الحديثة منشؤها التطور العلمي الرقمي حيث أمكن تحويل جميع المعطيات إلى أرقام وحولت هذه الأرقام إلى المستودعات الإلكترونية الضخمة الأمر الذي أدى إلى ظهور حقبة جديدة في الصحة تلتزم التخطيط الذي يمكن أن يقيس جميع المخرجات بطريقة رقمية بكفاءة عالية.
ان التحول الى الرقمية هذا يجعل من المملكة تقدم خدمات فائقة تتميز بالسهولة والسرعة والجودة في نفس الوقت كما أنها جعلت من التخطيط الصحي عملية ممكنة بآليات سهلة ويمكن تكرارها بنفس التفوق في معظم الأوضاع كما انه بدأ يغطي الفجوة الخدماتية التي كان يعاني منها القاصي فصار من السهل خدمة القاصي قبل الداني.
ثالثا: الاهتمام بالتغطية السكانية وليس الاقتصار على خدمة المجتمع:
إن الحفاظ على الصحة يستلزم المحافظة عليها لدى جميع السكان وهذا المفهوم تجاوز الحدود القديمة والتي كانت أكثر ما يمكن أن تقدمه من الخدمة تستهدف المجتمعات المختلفة فمثلاً كانت جل أماني أطباء المجتمع استهداف المعرضين لمرض ما مثل الملا ريا أو السكري ومحاربة الأسباب والناقل وعوامل الخطورة المتعلقة بالمرض في حين صار هم المخططين الصحيين إحداث تغيرات سكانية، بيئية، اجتماعية، سلوكية تؤدي إلى اختفاء المرض أو السيطرة عليه، ولقد تحقق ذلك في أمثلة واضحة مثل استئصال الجدري في النصف الثاني من القرن الفائت وها نحن نستأصل شلل الأطفال في بداية هذا القرن. وقد توفرت لنا معطيات حديثة تقودنا في القريب المنظور إلى تعميم الاهتمام الصحي بحيث يشمل جميع المحتاجين له و في أي مكان من ذلك التطورات التي فرضها الطب الاتصالي والتطبيقات الحديثة للفحص والعلاج عن بعد.
رابعا: السلوك الفردي والجماعي وليس الدواء
لن يبقى مرض على وجه الأرض لو تمكن الإنسان من ضبط سلوكه في إطار قديم.فجميع الأمراض هي نتائج لسلوك غير مقبول على الأقل من الناحية الصحية فعلى سبيل المثال الذي يمارس الرذيلة لابد أن يتعرض للإصابة بمرض الإيدز والذي يسرف في تناول الطعام ولا يمارس الرياضة لابد أن يصاب بالسمنة ومن ثم داء السكري وكذلك الذي لايختار الزواج الصحي يعرض أبناء ه للأمراض الوراثية والذي يسرع بمركبته لابد أن يتعرض للحوادث ومن ثم الإصابات وهكذا فإن جميع الأمراض هي في الأساس سلوكيات انحرفت عن جادة الصحة. ولذا فإن التركيز الحديث للحفاظ على الصحة هو إيجاد الحلول السلوكية الصحية وبناء هذه السلوكيات في الإطار الاجتماعي المناسب.
إن الخدمة الصحية تمر بمرحلة تحول جذري (paradigm shift) نتيجة لهذا التوجه الحديث فلم يعد دور الممارس الصحي وصف العلاج فقط بل صار عليه أن يهتم بالسكان من المهد إلى اللحد هادفاً إلى الحفاظ على الصحة بأقل قدر من التدخلات وفي أفضل مراحل لقد سرت روح هذا التحول إلى المنظرين الصحيين وهو بلا شك في طريقه ليسري في دماء جميع المخططين والمنفذين.
@ استشاري طب الأسرة بوزارة الصحة