الرئيسية > خزامى الصحارى

أحاديث في الأدب الشعبي 2- 2

ضياع شعر ابن عساف ودعوة لأبناء الساحل الغربي لتدوين تاريخ الأجيال السابقة



عبدالرحيم الأحمدي

تتجلى خبرة ابن عساف البحرية بموانئ الخليج وأهله في الأبيات التالية:

لا واوجودي على سنبوك من "كيفان" اصرِّيه

الصبح يصرى لياما صارت الحاية عفالي

يأخذ نهاره وليله مطلع العقرب يباريه

والصبح في السندباد اليا بعد وقت الزوال

بعد أن حدد مكان الإبحار من الكويت وأحوال الرياح والنجوم لتحديد المسار ومدة الإبحار يوم وليلة، ومدة التوقف في أرض السند نصف يوم، ثم يحذر من أخطار البحر وينوه عن حسن الضيافة عند أبناء الخليج، ومتانة العلاقة بهم، حيث يتضح أنه لم يكن على متن هذا السنبوك الذي يتمنى أنه يحمل بحارته تحياته إلى صديقه ابن موسى الفاضلى فيقول:

واحرص من الدور والهيلة وشعبان تباريه

خلك على اظهارهن تشوف دمسق في الجبال

ملفاك في حفل بن موسى ينشّط في ملافيه

استاف ما جوب عند الفاضلي سبع الرجال

من حين يسألك عني قول له علمه وطاريه

سهران ما يهتني بالنوم في سود الليالي

البعد ما هو هواه ولا لقي حيّاً يسليه

صابر كما ما صبر في الغرب ابو زيد الهلالي

وفي وصف المراكب يقول من قصيدة طويلة شغلت معاصريه من عشاق البحر نقتطف منها ما يلي:

ياراكب اللي جديد العود والشلمان هودار

ومعلمه رايقاً عقله وميزانه قرارا

العود هندي يجينا في المراكب من مليبار

لايق على صنعة النجار في الأخماس دارا

ما ياكل القطن والقلفاظ كله جر منشار

من يوم مده لياما صار مندوباً وشارا

زين الوطا في البحر مرفوع خمسه شغل بيطار

يشدى كما المركب الحربي لياما شب نارا

ومكلفه صاحبه بالاشرعة وحبال قنبار

والزاد والما شرى له من دكاكين التجارا

ورجال بحريته ضارين بالمشحا والاسفار

البعد ما كادهم بالليل لو ظلوا سهارى

إلى قوله:

وربان صاحي فطين وعارف الباحة بمحكار

بين النعش والفراقد طاف ليله والنهارا

توصيف جميل وصناعة دقيقة، وجودة في المواد، واتقان في القيادة المدعمة بالفطنة والصبر والخبرة والسهر ومعرفة المسارات البحرية والنجوم السيارة نعشها وفراقدها.

@@@

ومن أروع أبياته في الغزل قوله:

يامن لقلب لياما قام ون ولا قعد ون

ظلت عيوني تهل الدمع لاما اذهبت روحي

من بعد فرقاك ياوَرءشاً نما في عالي الفن

يحرم عليّه منام الليل لا وقت السروحِ

ودموع عينى كما الطوفان يوم ان البحر سن

مدرك عليك السدود ولا بغيت الناس توحي

إن كان نادوا سميك في الخلايق قلت ذا من

اللي شغل خاطري ذكره وزادت به جروحي

حلفت ما انساك كود الناس تنسى شربها البن

واهل التجارة يفوتون المكاسب والربوحِ

ياليت ربي عطاني سبع اسامي واملك الجن

واحط دونك حرس واحماك من كل الشنوحِ

أما الأبيات التي اعتبرها الشيخ عبد الله بن خميس من الشوارد واكتفى بنسبتها إلى شاعر حجازي فإنها لابن عساف وهي:

قال المولّع بدع زين اللحن في مولد العام

ظلاّ يغنّى بها للعشر من شهر الصيامِ

سلام سلام ياجرة قدم ثلاّب سلام

سلام لو كان جره ما تردين السلامِ

وسلام يامحملاً أقبل بدندارة وخدام

تنداه غير السرايا عن سروق وعن حرامي

ويامن لقلب على الطيّب يحن ويرزم ارزام

ارزام خلجٍ طلوع سهيل يوم القيظ حامي

وواعينى اللي تلد خلافها والدرب قدام

وتلد يم اليمن وتكثر اللدات شامِ

إلى قوله:

أبكى نهارين وادله يوم وابكي عشرة ايام

وابكى على خاتمي زين الحواجز واللثامِ

يازين ياليت لامانا ولا ماكم مية عام

ناخذ مية عام ياثلاب لاماكم ولامي

إن شعر ابن عساف تعرض لعبث الرواة فضاع أكثره وساء نقل الآخر منه، ولكن هذه ملامح من شعره ومؤشرات على ثقافته البحرية، ورصد لما للبحر من علاقة في تعميق العلاقة بين الأمم واسهام في تنمية الثقافة وتوسيع مدارتها. وأن التواصل بين أبناء دول مجلس التعاون ليس وليد اليوم وإنما هو ضارب في العمق الزمني، وأن صلة الجزيرة العربية ليس قصراً على ما يلي أطرافها بمن يليها، وإنما هو تواصل مع امتداد الماء شريان الحياة، ولذا نجد كثيراً من المواويل المصرية وقد امتزجت مع مواويل الخليج بل الجزيرة العربية بعامة، وقد نعود للحديث عنها، أما شعر ابن عساف هذا فإنه وجوده على وزن واحد فهو من الأوزان الشائعة في غرب الجزيرة العربية وتغنى في الحان المجرور واليماني والمسحوب من الألحان الشجية التي تناسب المواقف الوجدانية المؤثرة.

بقي أن ألفت النظر إلى أن اهتمام المجتمعات العربية المطلة على الخليج العربي بتاريخ أبنائها البحري يضع أبناء الساحل الغربي للمملكة في حرج من تدوين تاريخ حياة الأجيال السابقة منهم مع البحر ليتحقق التكامل مع هذه الجهود وجهود المصريين في تدوين الآداب الشعبية للسكان الذين يطلون على البحر الأحمر. فهل نحن مدركون لهذه الحاجة؟ أرجو ذلك..

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة