
بعيداً عن امكانات التكنولوجيا العسكرية المتطورة والمعقدة، وفي قطاع غزة المحاصر نجحت المقاومة الفلسطينية في تسخير كل ما لديها من تقنيات وامكانات بسيطة لتطوير الصواريخ الفلسطينية وتوجيهها لاستهداف مواقع حساسة في المدن والبلدات الاسرائيلية المحاذية للقطاع.
فقد خلقت صواريخ المقاومة الفلسطينية حالة من الجدل الشديد في الأوساط الإسرائيلية السياسية والشعبية، حيث نجحت المقاومة في أن تجعل من صواريخها أكثر فعالية في استهداف المدن والبلدات الإسرائيلية. وبقيت هذه الصواريخ التي اشتهرت باستهدافها لبلدة "سديروت" المحتلة المحاذية لقطاع غزة تملك نقاط قوتها وتفوقها من ضعفها وبدائيتها، إذ يصعب رصدها بالأجهزة التقنية العالية التي يمتلكها جيش الاحتلال، مما أجبر الإسرائيليين على الاعتراف بالعجز عن منع إطلاقها. وأمام الصواريخ الفلسطينية محدودة المدى يقف الجيش الذي لا يقهر عاجزاً عن ايجاد حل لهذه المسألة سوى التلويح بالعقاب الجماعي للسكان الفلسطينيين تارة، والتهديد بالاجتياحات والقصف وتنفيذ الاغتيالات في المناطق الفلسطينية تارة أخرى. وفي هذا السياق ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية أن برنامج "غوغل إيرث" المطور والذي يتضمن أرشيفاً لصور ملتقطة بالأقمار الصناعية يكشف مواقع عسكرية وأمنية إسرائيلية مهمة. وحذرت الصحيفة من أن البرنامج جعل من هذه المواقع أهدافاً سهلة، منوهة الى آن غوغل طورت صور الأقمار الصناعية الخاصة بإسرائيل وضاعفت تقريباً من درجة وضوحها ودقتها خلال الأيام الأخيرة. وأضافت: "ان الصور تتكون من بيكسل واحد لكل مترين مربعين بالمقارنة إلى الصور السابقة التي تتكون من بيكسل واحد لكل 10- 20متراً مربعاً على الأرض". وفي هذا الصدد قال أبو مجاهد الناطق الإعلامي لألوية الناصر صلاح الدين الذراع العسكري للجان المقاومة الشعبية: "ان عناصر الألوية يعتمدون برنامج (غوغل ايرث) الذي يكشف البلدات الإسرائيلية ويجعل منها مرمى سهلا للمقاومة الفلسطينية، لكن هذا الاعتماد ليس كاملاً، منوها الى ان هناك وسائل وطرق أخرى تتبعها المقاومة الفلسطينية في استهداف البلدات الصهيونية وتصيب الهدف بدقة ايضا". واشار ابو مجاهد الى ان النسخة الحديثة من برنامج "غوغل إيرث 2007" تساعد المقاومة الفلسطينية في كشف الهدف وقياس المدى وهو أمر من شأنه أن يسهل عملية قياس مدى الصواريخ وانسجامها مع المدى المطلوب". وفيما اذا كان حجب المدن والأهداف الإسرائيلية من برنامج "غوغل إيرث" سيؤثر على فعالية اطلاق الصواريخ الفلسطينية، أكد ابو مجاهد على أن عملية الحجب لن تؤثر سلباً وإن كانت تفيد المقاومين في عملية اطلاق الصواريخ، إلا أن هناك وسائل أخرى من شأنها أن تضمن استمرارية اطلاق الصواريخ الفلسطينية. وهو ما أكده "أبو أحمد" الناطق باسم "سرايا القدس" الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي بالقول: "المقاومة الفلسطينية بشكل عام لا تدخر جهداً إلا وتقوم به لتطوير وسائل عملياتها ضد الاحتلال، ونحن في سرايا القدس بالتحديد يعتمد عناصرنا على خرائط خاصة بالمواقع الاسرائيلية المحيطة بقطاع غزة، ويعتمدون على اجهزة البوصلة في تحديد الأهداف بشكل واضح، وكان ذلك جلياً خلال الفترة الأخيرة من خلال استهداف مواقع محددة محيطة بالقطاع، حيث أوقعت المقاومة في صفوف الاحتلال القتلى والجرحى خلال عمليات قصف المواقع الاسرائيلية. من جهته قال خالد الجعبري "أبو الوليد" من قادة كتائب شهداء الاقصى في غزة: "ان برنامج (غوغل ايرث) هو مكمل ثانوي لعملية اطلاق الصواريخ، مؤكداً على ان كتائب شهداء الأقصى تمتلك العديد من الوسائل الخاصة ولديها امكانات ضئلية ولكن ذات جدوى وفعالية عالية في تحديد الأهداف والمواقع الإسرائيلية الحساسة المحاذية لقطاع غزة". وأضاف "أبو الوليد" بأن اعتماد الكتائب على برنامج "غوغل ايرث" يكون عبر أخذ صور ومقاطع للمباني والأهداف الاسرائيلية تمكنها من تحديد هذه الأهداف بدقة، منوهاً الى ان هناك مشكلة تواجهها الكتائب وهي عدم وجود رأس كاشف في الصاروخ، وكذلك فإن الصاروخ "أقصى 103" مصنع من امكانيات بدائية فهو صاروخ خامد غير فعال وبالتالي ليس هناك تقنية الكترونية لتوجيهه نحو الهدف، لذا يتم تحديد رقعة معينة تكون على سبيل المثال 300متر مربع يستطيع الصاروخ ان يسقط بعد عملية التحديد في هذه المساحة فقط. وحول التقنية التي تتبعها المقاومة الفلسطينية في استخدام برنامج "غوغل إيرث" خلال عملية اطلاق الصواريخ ضد الأهداف والمواقع الاسرائيلية قال أبو الوليد: "يساعدنا (غوغل ايرث) في رسم الخرائط الرقمية والطبوغرافية، وفي تحديد معالم جديدة من عمليات بناء قد تمت حديثاً وبالتالي يساعدنا في تحديد مواقع عسكرية حساسة". وفيما يتعلق بالشكوى الإسرائيلية ضد شركة غوغل وإمكانية أن تجد هذه الشكوى صدى ويتم حجب المدن الإسرائيلية من برنامج "غوغل إيرث"، أكد أبو الوليد على أن عمل المقاومة سيتواصل في كل حال، مشيراً الى ان عملية تصنيع الصواريخ في قطاع غزة تتم وفق آلية تصنيع بسيطة جداً تعتمد على مواد محلية الصنع حيث تمنع سلطات الاحتلال منذ سنوات ادخال كافة المواد الكيميائية التي من الممكن أن تكون عنصرا في تصنيع المتفجرات والصواريخ الى قطاع غزة. وكشف عن أن كتائب الأقصى بصدد تطوير صواريخها من خلال إحداث تعديلات في مادة تصنيع "الحشوة الدافعة" للصاروخ، حيث هناك مراهنة اسرائيلية على اختفاء مادة "نيترات البوتاسيوم" من قطاع غزة، بعد منعها منذ عدة سنوات، وبالتالي لن يكون هناك مادة تصلح لأن تكون "حشوة دافعة"، ونوه الى ان المقاومة استطاعت بالامكانيات المحدودة وفي المختبرات البسيطة أن تنجح في صناعة "الحشوة الدافعة" من مادة الملح التي تكون لها نفس الفعالية بل وأكثر، وبالتالي الوصول الى مرحلة الاكتفاء الذاتي في عملية تصنيع الصواريخ وهو ما يضمن الاستمرار في اطلاقها لسنوات". وأشار "أبو الوليد إلى أن إسرائيل وبكل ما تملكه من اسلحة عسكرية برية وبحرية وجوية متطورة، ومرتبطة بأحدث وسائل التكنولوجيا لم تتمكن من صناعة مضاد لهذه الصواريخ التي صنعها المقاومون بأيديهم في قطاع غزة المحاصر منذ سنوات. واعتبر أن الشكوى الإسرائيلية من أن المقاومة الفلسطينية تستخدم برنامج "غوغل إيرث" في تحديد الأهداف الإسرائيلية الحساسة المحاذية لقطاع غزة، مؤشر على إفلاس "الشاباك" الاسرائيلي والحكومة الاسرائيلية التي تقف موقفاً حرجاً أمام سكان "سديروت" وبالتالي سيكون هناك أي ذريعة عبر شكوى هنا وهناك، لكن دون جدوى فالتطور الذي وصل اليه العالم لن يمكن إسرائيل من حجب مدنها وبلداتها عن الأقمار الصناعية التي باتت بالآلاف". بحسب صحيفة "يديعوت احرنوت"، من بين المواقع البالغة الحساسية الممكن رؤيتها تفصيلاً في برنامج "غوغل ايرث" مقر وزارة الحرب الاسرائيلية في تل أبيب وقواعد أساسية تابعة لسلاح الجو الاسرائيلي والمفاعل النووي الإسرائي المثير للجدل في مدينة ديمونة بالصحراء الجنوبية. ويبقى السؤال مفتوحاً، هل تنجح الشكوى الإسرائيلية المتكررة بأن "غوغل إيرث" يكشف بلداتها ومدنها ويجعل منها صيداً سهلاً لصواريخ المقاومة الفلسطينية البسيطة والبدائية في حجبها عن البرنامج؟ في حين أن مثل هذه الصور متوافرة، وربما على نحو أكثر دقة، من شركات عدة في مختلف دول العالم، وهل سيؤثر ذلك على عملية اطلاق الصواريخ الفلسطينية التي تعتبر بإعدادها وتصنيعها، نقلة نوعية استراتيجية في أداء وتكتيكات المقاومة، فرضت نفسها على الساحتين العسكرية والميدانية، رغم بساطة التكتيك؟..