وكان الليل تجربةً، وكان الليل حلماً، وكان الليل بهاءً وجمالاً وجلالا، كانت تجربةً لا تنسى، وشعوراً لايضاهى، وخبرةً في الروح، واندياحاً للعقل، لقد كان المكان كلّه مكاناً له في النفس مؤولٌ وفي العقل متكأ.
كانت باريس، وكان الموعد، وكان مطعم "دانز لي نوير"، وكان للتجربة ألقها وللإنسان مكانه المستحق، وللحواس إنصافها الذي طال غيابه أو تغييبه القسري على مدى سنوات العمر الماضية.
ظلّت العرب تتغنى بالليل واللّيالي وسحر المساء ونرجسيته وروعته، فقد كان الليل كهف الشكوى ومساحة المناجاة، والرحب المتاح للخيال والأماني، والتيه الودود للأحلام والآمال، وأصبح لدى الباريسيين اليوم مطعماً واستثماراً ومبدأً!!.
ليس من حق أحدٍ أن يستغرب أو يتعجب - أو على الأقل أن لا يستغرق في غواية الاستغراب أو متاهة التعجب - فهكذا هي الحضارة وهكذا هو التقدّم - في جانبٍ منهما على الأقل - ، أن تجعل لكل شيء جميل في الروح أو الأخلاق معنى جميلاً موازياً في الاقتصاد أو السياسة أوخطط التنمية فذاك يعني أنّك قادرٌ على احتواء الجمال بفضاءاته الفسيحة، والألق بمساحاته اللامتناهية، وتلك نعمةٌ وأيما نعمةٍ.!
اكتشفت هناك في ذلك المطعم المنزوي النائي، البعيد عن الأعين لا القلوب، مكاناً لا ينسى، وروعةً لا تخفى، واكتشفت نفسي ومشاعري وأحاسيسي، كما اكتشفت حواسّي الأخرى غير البصر، تلك الحواسّ التي حيّدتها زمناً طويلاً، وأبعدتها مختاراً أو غير مختارٍ لا فرق، اكتشفتها كأجمل ما يكون الاكتشاف وتبيّنتها كأحلى ما يكون التبيّن.
هنا تعانق الحلم بالصحو، الخيال بالواقع، كانت تمور بخاطري ذكرياتٌ وتواريخٌ وقراءات لم أشعر للحظةٍ أنّها ستستيقظ هناك، حيث لا نور يهدي ولا قبسٌ يضيء، حيث تعطّل البصر وأصبح سلعةً كاسدةً في سوق العقل!.
إنك تكتشف هنا أنّ البصر ليس ضرورياً للعقل، وإن كان مفيداً للإدراك، أعني إدراك الأشياء كما هي في الواقع لا كما يصوّرها ويتحكم فيها العقل، وهذا وإن كان شهادةً تجعل البصر ملكاً غير متوّجٍ للحواس، إلا أنه يؤكد في الوقت ذاته أن البصر بالنسبة للحواس كالسكر بالنسبة للمطعومات،فهو طاغٍ ومستبدٌ وغاشم!.
لقد سيطر عليّ بحكم المكان والتجربة الجديدة موضوع "العمى والعميان" وأنا في ذلك المطعم، فجال بفكري أصنافٌ من العميان، تفاوتت أقدارها بقدر ما تفارقت توجّهاتها، فجالت بذهني أطياف لعلماء وفقهاء وفلاسفة ومفكرين وشعراء وأدباء كانوا كلّهم عمياناً، فجاء ابن عبّاس والترمذي وبشار بن برد وأبو العلاء المعرّي مع طه حسين ومحمد بن إبراهيم وابن باز والبردّوني وغيرهم كثيرٌ من الرموز الكبار، كلٌ في مجاله، والجامع بينهم هو العمى الذي كان محفّزاً للإبداع والتميّز لا عائقاً دونهما، وتذكرت قصص الجاحظ في رسالته "البرصان والعرجان والعميان والحولان"، كما تذكّرت الصفدي في كتابه "نكت الهيمان في نكت العميان"، وكلاهما ذكرا عن العميان عجباً وتحدّثا بما يبهج ويسرّ.
كنت أغرق في تأمل الصور التي كتبها الشعراء العميان، ويتملّكني التعجّب كيف يرسم ساكنوا العتمة مثل هذه الصور البارعة الجمال بحروفهم لا بريشهم، فتذكّرت قول بشّار بن بردٍ:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا
وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه
وبقيت أتأمل قول البردّوني:
رنت والدجى في خاطر الصمت هادئ
يطاوعه حلمٌ وحلمٌ يناؤى
وبين حنايا الليل دهرٌ مكفنٌ
قديمٌ ودهرٌ في حناياه ناشئ
رنت والسنا في مقلة الليل متعبٌ
يئن وفي دور المدينة طافئ
اكتشفت هناك، في ذلك المطعم المنزوي أنّ العالم كلّ العالم الذي عرفته، يخطئ كثيراً في تواريخه، ويكمن خطؤه - من هذه الجهة - في كونه يحسب نفسه بالأيام لا بالليالي، بالشروق لا بالغروب، بالضياء لا بالظلام، يأسره وهج الضياء واستبداد البصر عن رؤية روعة الظلام ومتعة الحواسّ الأخرى!
إنهم لا يخبرونك هناك بما ستأكل، بل يجعلون أكلك مفاجأةً تكتشفها أنت بحواسّك الأخرى غير المستبدة، تكتشف أكلك بحاسّة الذوق، وتحكم على جماله وروعته وتفرّده، ولا يكتفون بذلك بل يبعثون لك بين الفينة والأخرى نغماً لا تسمعه! بل تشمّه بأنفك ليحيون بروحك وعقلك حاسّة الشمّ التي طالما احتقرتها وقلّلت من شأنها.
إنك تكتشف جماليات الصوت كما لم تعرفها من قبل، لذا فلا أستغرب أن يكون كثير من مبدعي الملحنين عميانا، كما تكتشف جمال الشمّ لتعرف للعطور والروائح معنى لم يخطر ببالك قط، وتكتشف لحاسة اللمس جمالاً وخدمةً لم تعرفها من قبل ولم تجل لك بخاطر.
إنّك تغرق مع صدى الأغاني القادم من المجهول، تسبح مع نغماتها وتهيم مع ألحانها، وكأنك تسبح بأذنيك في الفضاء، وللأنغام تراتيلٌ لا يطرب لها إلا العميان.
ما اكتشفته في نفسي غير ذلك، هو أنني لا شعورياً بدأت بعد هنيهة من الوقت أتأمل نفسي لأجدني أحرّك رأسي كما يحرّكه فاقدوا البصر ولا أقول العميان، فقد اكتشفت اليوم أنهم أقدر على الإبصار منّا، وأجدر بالاحترام لأنهم أقدر على الاستفادة الكاملة من الحواسّ التي هي مصادر جمّةٌ للمعرفة يطغى منها البصر على المبصرين فتضيع باقي الحواسّ وتقلّ مصادر المعرفة!.
ليس هذا فحسب بل إنني اكتشف لحاسّة اللمس خدماتٍ لم أكن أحسّ بها، ذلك أنّ نادل المطعم يخبرك قبل الدخول أنّ عليك حين تريد أن تسكب الماء في كوبك أن تضع إصبعك في الكوب حتى تعرف المقدار الذي تريد أن تشربه، والأهم من ذلك حتى لا يندلق الماء خارج الكوب فتبلّل نفسك ومن حولك!.
كان العميان في عالم - بعض المبصرين - مجالاً للدعابة بأنواعها التي تصل حدّ السخرية أحياناً، ولكنني اكتشفت أنّ المبصرين يمثلون مجالاً أرحب لسخرية العميان لو كان العميان يمتلكون وقتاً للسخرية أكثر من وقتهم للتأمل والتفكير!!
لست هنا لأجحد البصر حقّه بقدر ما أحاول إنصاف فاقده، ولا أسعى بحالٍ لتكشّف عيب المبصرين بقدر ما أسعى لاكتشاف الجمال الذي يعيش فيه العميان.
فتشوا حولكم، هل ترون أعمى بالجوار!؟ إنّه دون شكٍ جديرٌ بالاهتمام، جديرٌ بالاهتمام بهدف الاستفادة قبل الرعاية، إن العميان لا يحتاجون راعياً إلا بقدر ما يحتاجون تلميذاً يعلّمونه كيف يتخلّص من وهج الضياء الصاخب، إلى ضياء التأمل الاسود!.
وأخيراً ما أجمل قول بشّار الأعمى ذلك الشاعر المبدع حين قال:
إذا ولد المولود أعمى وجدته
وجدّك أهدى من بصيرٍ وأحولا
عميتُ جنيناً والذكاء من العمى
فجئت عجيب الظنّ للعلم موئلا
وغاض ضياء العين للعلم رافداً
لقلبٍ إذا ما ضيّع الناس حصّلا!