• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 810 أيام

صوتان يجرهما الألم


ابراهيم بن محمد النملة

    (.. الإهداء/الى الأستاذ صالح الصقير

الذي أعطاني هذه الصورة وأعطيته دموعي!!!..)

(حين تأتي الصورة.. يصمت الحرف)

صوت الطفل:-

أفيقي يا أماه، ودليني على صدرك لأحتمي به من وجع الدموع..

أفيقي يا أماه، وخذي لقمتي التي أعطتيني اياها لأشبع جوعي..

أفيقي يا أماه فالحياة لن تتقدم خطوة واحدة من بعدك، أفيقي يا أماه فأنا أحبك كما كنت وما زلت، لا تتركيني هنا وحيداً، أعاشر الظلام بلا حنانك، وأجوب الطرقات أبحث عنك، اماه ها أنا أمسك بيدك لتفيقي كما كنت بالأمس فلماذا جسدك مسجى على التراب لا يستطيع الحراك، سأفعل ما بوسعي لك يا أماه فلا تتركيني أجرك إلى دارنا الموحشة من بعدك، كيف يا أماه استطاع الموت أن يدركك ولم يرحم دموعي التي ترجو أن تعودي..

من قتلك يا أماه أهو الجوع أم المرض، الجوع الذي يعتصر أمعائي وأطعمتيه لقمتك لتموتي من الجوع، أم المرض الذي سهرك طيلة الليالي الماضية تدفعينه عني، فمن يطعمني من بعدك يا أماه ومن يمسح على جبيني إن مرضت!!!..

تشققت الأرض من الجفاف الذي أدرك دموعي يا أماه، وها أنا أقف أسحب جسدك الطاهر والكل ينظر إلي من بعيد لا يعرف ماذا يفعل فكيف بي أنا الذي يجرك بحثا عن إفاقة.. يا الله ساعدني لتفيق أمي، يا الله لن أعيش بعدها أبداً، وإن كان هذا هو رحيلك الذي أخذ جدتي من قبل فخذيني يا أماه معك، فالبشر من حولي لا أحد منهم يدرك سقوطك ولا أحد يمسح دموعي، أرأيتي يا أماه كيف سأكون من بعدك؟!!!.

أماه حين أيقظك كل صباح أجد ابتسامتك تشرق بوجهك، لتذهبي بحثاً عن افطاري، فلماذا هذا اليوم يا أماه لا تفيقي؟!!.

أفيقي يا أماه ولن أتعبك في البحث عن افطاري، سألتزم بجوعي لأفوز بقلبك الطاهر، سأترك كل مشاغباتي جانباً، ولن أقول ما يغضبك، ولكن أفيقي يا أماه، فالأرض قاسية ستوجع ظهرك، أريني ابتسامتك المشرقة وضميني الى صدرك الحاني، أريدك يا أماه فلا تطيلي المكوث هنا بعيداً عن دارنا، لقد أفقت من نومي هذا الصباح ولم أجدك، شربت دموعي وخرجت ابحث عنك لأجدك هنا، تفترشين التراب صامتة كصمت الأشجار عن الثمار ألم معدتي من الجوع لم أشعر به، ومرض البارحة الذي داك جسدي قد نسيته يا أماه فلا تطيلي النوم هكذا، لم أجدك بجواري، فأين ذهبتي؟؟!!..

لا أريد أن أتناول شيئاً، ولا تتعبي نفسك بالبحث عما يسد رمق جوعي، لماذا أنت هكذا يا أماه لا تحركين ساكناً حتى يدي الممدوة لك لم يتجاوب معها جسدك الذي كان ملجأ لي، أماه أجيبيني من أطرحك أرضاً؟ هل هو التعب أم المرض أم ذلك الشيء الذي لا أفقه والذي أخذ من قبل جدتي التي قلتي لي إنها لن تعود، فهل أنت يا أماه لن تعودي؟!!.. سامحيني ان كنت قد أخطأت عليك، أعرف أن قلبك كبير يحتوي كل شيء فاغفري لي كل شيء ولكن عودي معي للدار، أفيقي فليس لي من بعدك أحداً، لا يهمني ما يسد رمق جوعي وأنت تعلمين كم مرة قد صحيت دون ان أجد شيئاً يسد رمقنا، سنعيش يا أماه بلا مآكل ولا شراب، سنعيش بحضن بعضنا، ولكن عودي يا أماه، وربنا هو أعلم بنا وهو من يوزع الأرزاق، ألم تقولي لي ذلك من قبل!!!.

سأجثوا بجانبك حتى تفيقي، وإن لم تفيقي يا أماه سيشاهد الكل إمرآة مسجاة على التراب وفي حضنها طفلها وعلى أرضهما دموع كثيرة.. رحماك يا الله.. رحماك يا الله..

صوت أحرفي:-

بربك لا تبكي أيها الطفل الصغير..

فدموعك نداء لدموعي، كلانا قد فقد أمه، أنت أيها الفتى الصغير فقدتها وهي أمامك، وأنا فقدت وهي في داري، فلا تبتأس فكلانا يشعر بالألم والفقد..

يا ترى أيها الفتى الصغير من فقد أمه أولاً.. أنا أم أنت؟!!.

ومهما تكن حالة الفقد فالألم لا يقيس مسافات الأيام، فاصبر ياصغيري فطرقات الألم ستوجعك كما أوجعتني كل حين، ضم دموعك مع دموعي لنبكي بعيداً عن حضن الأمهات المفقودات، ضم دموعنا لنبكي فراق القلب الحنون وصدقني أيها الفتى الصغير سيبكي معنا كل محزون حتى لو لم يفقد ذلك القلب الحنون، لا تبكي وتصرخ لذلك الجسد المسجى على التراب والذي فقد روحه، فلن يعود مرة أخرى، لقد سكبت أنا دموعي على وجه أمي ولم تفق ولم تعود، فصبراً أيها الفتى الصغير، فوجعك يشبه وجعي، والموت كشف ضعفنا. فلا أحد بعد موت أمي وأمك سيصنع لنا أرغفة خبز الصباح، ولن يدثرنا أحد ونحن نيام في برد الأجواء، ولن يبتسم أحد بصدق لشقاوتنا، ماتت أمي.. وماتت أمك.. وأصبحنا كطائرين قص جناحاهما، لا ندرك المشي طويلاً ولا نستطيع الطيران، لم يبق لنا شيء وسأرجع الآن في كلامي وأقول لك..

ابكي أيها الفتى الصغير.. وسأبكي أنا..

فالفقد أكبر من قدرة احتباس دموعنا!!!..

فغداً لن يأتي بوشاحه الأبيض ليدثرنا به، ولن ننتظر من كل القلوب أن تسقي ظمأ قلوبنا بكلمة حب أو كلمة شفقة.. فالنقد أكبر من كل احتواء.

لنبكي سوياً ونتعاهد أن الحزن قد كتب أسطورته على أجسادنا، وأعمى عيوننا، فأصبحنا نرى كل إمراة تعبر فيها من صفات أمهاتنا وحين نقترب يأتي الموت ليذكرنا أنه قد قبض روحيهما.


قييم هذا المقال
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 1
  • 1

    مؤلم جدا
    كيف تبلغ الهمجية بأناس كرمهم الله بالعقل؟
    و بعد؟
    الجوع و الفقر و الجهل.. و القتل
    و التشرد.. و الشتات
    كم من المصائب تحمل ايها المسكين
    ألا يكفي من انت فيه من عوز؟
    مرعب و ربي هذا الموقف
    حين يتخيل الإنسان نفسه بجزء من هذا الحال
    فقر
    و بكاء يتم
    تشرد
    و ضياع من جميع النواحي
    * يا كلشف الغمة
    الليل يستشري
    و الأرض لا تدري
    عن غاية الظلمة
    يا كاشف الغمة *
    شكرا بعمق على المساحة التي اهديتموها لتفيق مشاعرنا بذهول
    شكرا
    قلم مسدد
    و ملح اتى على الجرح
    فنزف القلم رائعته
    شكرا

    منى سعد (زائر)

    UP 0 DOWN

    08:51 صباحاً 2007/11/22




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

إعلانات



إعلانات خيرية