بحث



الاربعاء 11 ذي القعدة 1428 هـ - 21 نوفمبر 2007م - العدد 14394

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الغاط تحتضن جامعة سلمان بن عبدالعزيز للعلوم والتقنية

د. أحمد بن محمد العيسى
    عند عودتي إلى الرياض من مكة المكرمة في شهر رمضان الماضي وكنت أقود السيارة على طريق الطائف - الرياض الممل، سيطر عليَّ حلم من أحلام اليقظة طول مشوار الطريق، فأعدت رسم تفاصيل المدينة المقدسة في ذهني برؤية مختلفة فقد آلمني أن أرى تلك الفوضى المرورية والأزقة العشوائية وعدم التنظيم داخل المسجد الحرام في الوقت الذي تصرف فيه الدولة ملايين الريالات في خدمة الحرمين الشريفين. وبعد وصولي إلى الرياض كتبت ما رسمته في ذهني في مقالين نشرا خلال الشهر الكريم.

وقبل أيام كنت عائداً من الغاط تلك البلدة الوادعة في أحضان جبل طويق.. بعد أن حضرت بعض مناسبات زيارة سمو أمير الرياض سلمان بن عبدالعزيز للمدينة.. كنت لوحدي أقود سيارتي في منتصف الليل.. كانت الحركة على الطريق السريع نشيطة، ولكن السكون يلف الأفق.. امتداد الصحراء يغري بشطحات الفكر وهواجيس شياطين أحلام اليقظة.. ركبت في ذهني صورة لمدينة جامعية نموذجية تطل عليها من شاهق طويق فتجدها مثل خلية نحل تعج بآلاف الطلاب والطالبات الذين جاءوا من كل حدب وصوب من مناطق المملكة وليس فقط من مناطق سدير والوشم والقصيم والعارض.

فهل كنت شاطحاً في الأحلام؟! ربما، ولكن تريثوا فالحلم لواقع جديد في مكة المكرمة ولمدينة جامعية في الغاط قد يصبح رؤية عند من يملك القرار، ثم قد يتحول إلى واقع يوماً ما .. فها هو حلم مليكنا المحبوب عبدالله بن عبدالعزيز بتأسيس جامعة عالمية للعلوم والتقنية يتحقق على أرض الواقع بعد خمسة وعشرين عاماً وأين؟ في قرية وادعة وحالمة على شاطئ البحر الأحمر اسمها "ثول" لم نكن نسمع بها من قبل، وكنا جميعاً نحتفل معه - حفظه الله - بوضع حجر الأساس لتلك الجامعة "الحلم" قبل أسابيع قليلة.

وقد يقول قائل: هناك فرق بين الحلمين.. أقول هذا صحيح، هناك فرق كبير ولكن تحقيق الحلم الأول ربما يساعد في تحقيق الحلم الثاني سريعاً فإن وجود جامعة عالمية للدراسات العليا والبحث العلمي على الشاطئ الغربي يحتاج إلى تكملة بإنشاء جامعة متميزة للدراسات الجامعية في العلوم والتقنية تغذي الأولى بخريجين متمكنين من جانب، ومن جانب آخر تخدم قطاعات التنمية بتخصصات علمية دقيقة هي اليوم بأمس الحاجة إليها. وكما أن القرار باختيار تلك المدينة الصغيرة على شاطئ البحر الأحمر لإقامة جامعة عالمية بتكلفة أكثر من عشرة مليارات ريال كان قراراً استراتيجياً يخالف تنظيرات البيروقراطية الحكومية التي ترى أن الجامعات يجب أن تنشأ فقط في المناطق الكثيفة السكان. فلربما فتح القرار باباً واسعاً أمام مشاريع أخرى ممثلة تقام في مدن صغيرة واعدة فنجد أن مؤسسات العلم والبحث والتعليم والصناعة تنتشر في مواقع بعيدة عن صخب المدن الكبرى وتعقيداتها، مما يمنحها البيئة الهادئة المريحة للطلبة وأعضاء هيئة التدريس والمستفيدين من خدماتها بشكل عام. فهذا الاختيار قد نجح في بلاد متقدمة حين تأسست كثير من الجامعات العريقة والضخمة في مدن وقرى صغيرة فمنح تلك الجامعات الفرصة بأن تكون هي مركز المدينة التي تتمحور حولها الخدمات فتنمو في أطرافها تجمعات سكانية ناشئة فتنمو المدينة والجامعة معاً شبراً بشبر..

أعود إلى الحلم قبل أن يتلاشى فقد رأيت في أطراف الأفق.. ذلك الحشد الذي تجمع في البلدة القديمة في الغاط التي أعيد بناؤها وترميمها من قبل الهيئة العليا للسياحة فأصبحت نموذجاً لمشروع إحياء البلدات القديمة بعبقها التاريخي وسحرها وجمالها، تجمع ذلك الحشد في طرقات تلك البلدة في أمسية من أمسيات الربيع، كانت النسائم تهب من علو الشعيب "شعيب الغاط" المشهور ممتزجة ببرودة خفيفة تقشعر منها الأبدان، وكان الليل قد أرخى سدوله والإضاءة الخافتة تبعثها الفوانيس القديمة المعلقة على الأسوار العالية، فلا يرى الذي يرفع بصره إلى أعلى سوى شخوص واقفة في أعالي الجبال وكأن الأجداد الذين حفيت أقدامهم في تلك الشعاب خرجوا من قبورهم فوقفوا ينظرون من عل إلى تلك الأجناس الغريبة التي قدمت إلى بلدتهم العريقة من أجناس مختلفة.. مختلفون في الألوان واللغات جاءوا لهدف واحد هو العلم والتعليم والتربية في الجامعة الوليدة في يوم افتتاحها المجيد.

كان الاختيار للبلدة القديمة موقعاً للاحتفال في يومه الأول موفقا، فقد رأت إدارة الجامعة أن تبدأ الاحتفالية من عمق التاريخ وأصالة التراث ومن رحابة أهل الضيافة والكرم، ثم تنطلق المسيرة في اليوم التالي إلى الحرم الجامعي الجميل الذي يبعد عن البلدة القديمة بحوالي عشرة كيلومترات ويقع في موقع غير بعيد عن الطريق الرئيسي المؤدي إلى القصيم وفي سهل الحمادة الخصيب.

كان سلمان بن عبدالعزيز وسط الحشد بقامته المديدة وحضوره المهيب يرحب بالجميع فكأنه من أهل الدار.. هل هو من أهل الدار، لم يترك صغيراً ولا كبيراً إلا وابتسم في وجهه.. قال في الجمع، هذا يوم للتاريخ.. يوم للوطن.. كل الوطن، نحتفل بالجامعة الجديدة لتكون لبنة من لبنات الخير.. سيتذكر أبناؤنا وأحفادنا هذا اليوم بعد أعوام طويلة.. كما يتذكر الأمريكان اليوم جامعة هارفرد في الذكرى ال 400لمولد مؤسسها جون هارفرد.

قرئ القرآن من منبر مسجد العوشزة القديم وأنصت الجميع لتلك التلاوة الرخيمة التي تأسر القلوب. وبعد أن فرغ المقرئ صعد أحدهم إلى سطح قصر الإمارة القديم وقال شعراً بصوت جهوري بدون مكبرات الصوت بدأه بمطلع قصيدة أحد محبي الغاط الأمير عبدالرحمن الأحمد السديري (رحمه الله):

يالله عسى غر السحايب وسمها

دار لنا ما بين روس الشخانيب

الضيف حقه من محاسن إنعمها

لو كان مصدر رزقها ظنك واتعيب

ثم تلا قصيدته المفعمة بالتراحيب المذكرة بتاريخ المدينة ومآثرها الخالدة وبخاصة دورها ومساهمتها في بناء الدولة فأمراؤها أخوال المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود وأخوال بعض أبنائها من بعده ومنهم أمير الرياض. وأبناؤها تفرقوا في كل حدب وصوب يعملون في مؤسسات الدولة ولخدمة بناء الوطن.. بعد القصيدة خرج مئات الطلاب والطالبات من أطفال الغاط كالفراشات من تلك الأبنية الضيقة والبيوت القديمة مسرعين يحمل كل واحد منهم باقة من أعشاب وزهور الصحارى من الأقحوان والشيح والقرقاص والبابونج والخزامى ليقدموها إلى ضيوف اللقاء ثم اصطفوا في الميدان ينشدون نشيداً للوطن.. كان يوماً كبيراً بالنسبة لهم، كان كل واحد من أولئك الأطفال يعد نفسه بمقعد في تلك الجامعة الحلم.. الجامعة الأمل..

بعد العشاء غادرت الجموع التي جاءت من كل مكان قصي في العالم إلى مقر سكنهم الذي تم تجهيزه ضمن سكن أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، وفي الصباح انتظم الجميع في قاعة المحاضرات الكبرى للاحتفال بانطلاق الجامعة، تكلم المسؤولون عن الجامعة وقالوا إن الجامعة تضم تخصصات تخدم التنمية في مجالات شتى، فهناك تخصصات في الزراعة وعلوم الأرض والمياه والبيئة والتصحر والطاقة الشمسية والتعدين والصناعات الشعبية والصناعات الغذائية.. وغيرها.. والجامعة ستبقى مشرعة الأبواب لاستقبال كل المبادرات والاقتراحات للدخول في عوالم علمية جديدة لمختلف المستويات الجامعية.. والجامعة ستكون بإذن الله منفتحة للمبادرات النوعية في تنمية المجتمع وتشجيع الشباب على المبادرات الاقتصادية المدروسة واحتضان مشاريعهم الخاصة.

بعد الحفل الخطابي تجولت الوفود وفق برنامج محكم للتعرف على مرافق المدينة الجامعية التي أقيمت على مساحة خمسة ملايين متر مربع، والتي صممت وفق أحدث التصاميم العالمية ومسترشدة بمميزات البيئة المحلية لتخدم حوالي عشرة آلاف طالب وطالبة وأكثر من عشرين ألفا من الموظفين وأعضاء هيئة التدريس بأسرهم وأبنائهم ومدارسهم واحتياجاتهم. فكانت بحق مدينة الأحلام في وسط غابة من أشجار النخيل التي غرست بعناية لتمنح الجامعة الدلال الذي تستحقه.

لا أعرف حقيقة كم استغرق الحلم.. مسافة الطريق بالتأكيد.. ولكن لأني لم أشاهد مؤشر السرعة بدت لي الرحلة قصيرة فقد نقلني الحلم إلى عوالم جميلة بعيدة،.. ولكن أفقت عندما رأيت لوحة كليتي الواقعية "كلية اليمامة" التي تقف شامخة على مدخل الرياض على الطريق السريع.. وعندما نظرت إلى مباني الكلية التي كان موقعها قاعاً صفصفاً قبل سنوات قليلة، قلت في نفسي الحلم ليس صعب المنال فسلمان بن عبدالعزيز يستحق أكثر من ذلك، والمنطقة تستحق أكثر من ذلك.. وأهالي الغاط قادرون على بناء مثل هذه الجامعة الحلم.. فهم أهل رأي وعزيمة وجاه وسلطان وعندما يبدأون سيجدون المؤازرة والدعم من كل اتجاه فالجامعة للجميع.. لجميع أبناء وبنات هذا البلد المعطاء.

8 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


سلمت يمينك يادكتور
نتمنى ان نرى احلامك على ارض الواقع في مكه والغاط
فقد كان حلم مكه يدور في مخيلتي كثيرا وكنت اكرره مرارا
ياله من حلم جميل نتمنى رؤيته على ارض الواقع
وحلم الغاط ليس بالصعب على حكومه تدعم العلم ونشره
وكما حلمنا من قبل بان تكبر الغاط وتصير محافظه كسائر محافظات مملكتنا الحبيبه
فسيتحقق حلمنا باذن الله بوجود نخبه من اهالي الغاط امثالك المخلصين لوطنهم وبلدهم ممن دعموا وساعدوا النهوض لللغاط واهله


عبدالعزيز
ابلاغ
11:21 صباحاً 2007/11/21

 


كل التحية والتقدير لك يادكتور أحمد
وإن شاء الله الحلم يتحول لحقيقة نشهدها على أرض الواقع
وفقك الله


عبدالرحمن الراشد الغاط
ابلاغ
02:16 مساءً 2007/11/21

 

الله يرزقنا بحلامين


حنا في عرعر ما عندنا ناس يحلمون الله يكثرهم لا صارت الأمور كذا كل يحلم لديرته، أنا من عرعر واشتغل بنجران لي خمس سنين وكل ما شفت مشروع والا غيوم ماره قلت الله يرزق نجران وديار المسلمين وأحيانا أنسي ذكر عرعر لأن والدي يقول لي دايما ديرتك يا ولدي اللي ترزق به، وتر أخوك يمكن اللي ما ولدته أمك، الله يغمد روحك يابوي ما معه حتي إبتدائ وشوفوا كيف حبه للوطن والإنسان، الحمدالله يابوي إنك ما درست ولا إنته دكتور،
تقول يا دكتور:فهذا الاختيار قد نجح في بلاد متقدمة حين تأسست كثير من الجامعات العريقة والضخمة في مدن وقرى صغيرة فمنح تلك الجامعات الفرصة بأن تكون هي مركز المدينة التي تتمحور حولها الخدمات فتنمو في أطرافها تجمعات سكانية ناشئة فتنمو المدينة والجامعة معاً شبراً بشبر..
تعتقد يا دكتور أن هناك ناس في تلك المدن الصغيره حلموا وتمنوا أن تكون الجامعات في قراهم وتحققت أحلامهم وإلا نتيجه دراسه وتوزيع عادل لكل شيئ، والحمدلله إن والد الجميع الملك عبدالله اختار المدينه الجامعيه في ثول وأنه اختيار موفق لم يدخل فيه الهوي والمناطقيه، وان الله سيضعه في ميزان حسناته وأن يكون عمله هذا قدوة لكل أبناء البلد ليبتعدوا عن المناطقيه والإقليميه، وأن يحبوا كل تراب هذا الوطن.


طامي الرويشد
ابلاغ
06:56 مساءً 2007/11/21

 

جامعه الأمير سلمان للعلوم والتقنيه


جامعه الأمير سلمان للعلوم والتقنيه بالغاط تدعم مدينه سدير الصناعيه والمناطق الصناعيه الأخرى بالمهندسين والباحثين والقوه البشريه المسلحه بالعلم والمعرفه حيث من المتوقع البدء في مدينه سدير الصناعيه قريبا ولاتبعد المسافه عن الغاط سوى 80 كم واقترح ان تكون جامعه متخصصه في علوم الهندسه والحاسب الآلي والمعلوماتيه وما يرتبط بها من صناعه وان شاء الله نرى الحلم واقع. ونشكرك يا دكتور على فكرك المستنير.


م. عبد العزيز
ابلاغ
08:07 مساءً 2007/11/21

 

الغاط!!!


من حقك تحلم يا دكتور لكن جامعة وبالغاط. كبيرة ومش مهضومة... ياأخي الأمير سلمان يستاهل لكن في مكان غير الغاط... حقه جامعة بالرياض،، بعدين من فيه بالغاط.. قال صفوا صفين قالوا حنا أثنين !!
يا خي إذا حلمت حلم يقظه على الأقل قدر أصحاب المقامات، ما أقول إلا الله يخلف على بلد دكاترته أفكارهم ومقترحاتهم تغلب العاطفة على المصلحة العامة!


أبو فهد
ابلاغ
12:50 صباحاً 2007/11/22

 


رااائع يادكتور لكن لو أضفت إلى أحلامك الوردية أن يكون في الجامعه مسرح تقام على خشبته مسرحيات سخيفه وبجوار المسرح حلبة مصارعه وتكون أنت المعلق والمحلل لكل جوله.


خالد
ابلاغ
11:05 صباحاً 2007/11/22

 

نظرة مستقبلية من رجل محنك


بكل فخر واعتزاز فهذا الفكر الراقي والذي ينظر الى المستقبل من رجل فاضل
له من العلم الكثير ونظرة شامخة وعميقه لهذا الصرح الذي بإذن الله سيتحقق
فمحافظة الغاط بموقعها الاستراتيجي والنظرة لها بموروثيها الثقافي والسياحي
تحتاج لمثل هذه الافكار النيرة فسر يادكتور بإطروحاتك حفظك الله..


اسامه العيسى- الرياض
ابلاغ
08:49 صباحاً 2007/11/26

 

ماهذا يا دكتور اتغفل في احلامك عن بلدان احق من الغاط


يؤسفني ان اجد هذا الحلم قد حلق في مخيلتك اخي احمد.
فهناك بلدان اهم بكثير من بلدة الغاط، لا نجد منك الا انك غلبت العاطفه و اظهرت التودد و التعصب لأهل بلدتك الغاط...
اليس من المفترض ان تسعى و تطمح بدون اي تعصب او ميول لديك ؟
و للعلم فغالبيه افراد العائله لا يؤيدونك نهائياً
واما صاحب الرد رقم 3 فهو متعصب يريد كل شي لبلدته فقط
وهذه هي العصبيه القرويه المقززه و العفنه


ابن رميح الثوري الربابي التميمي - الغاط
ابلاغ
12:49 صباحاً 2007/12/02


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية