إن من يتابع أخبار معرض الفينيقيين القائم حالياً في معهد العالم العربي في باريس، وأخبار معرض توت عنخ أمون في لندن، يذهل لمدى تهافت الناس في الغرب على هذين المعرضين
؟ إلى وقت قريب لم يكن العروبيون يحبّون الحديث عن الفراعنة والفينيقيين بسبب توظيفهم في الصراعات السياسية الدائرة بين دعاة الوحدة العربية وأنصار النزعات الانعزالية أو الانفصالية الذين كثيراً ما أسسوا كياناتهم الفطرية على هذه الحضارة القديمة أو تلك. ففي مصر كثيراً ما تسترت النزعة الانعزالية بالحقبة الفرعونية ودعت إلى احيائها واعتبرت العرب طارئين على مصر. ولو أراد أحدنا أن يعود إلى تاريخ الفكر المصري الحديث، لوجد أن هذه النزعة كثيراً ما عبّرت عن نفسها في أدب كتّاب كبار كطه حسين وحسين فوزي وتوفيق الحكيم ولويس عوض الذين كثيراً ما اعتبروا العرب غزاة لمصر، ودعوا إلى إحياء الحقبة الفرعونية وتأسيس مصر الحديثة عليها. وقبل ثلاث سنوات من اليوم، نشأ حزب سياسي مصري حمل بضراوة على العرب الذين سلبوا مصر وجدانها، ودعوا حتى إلى احياء اللغة الفرعونية القديمة.
أما في لبنان، وفي بعض الأقطار العربية الأخرى، فإن الوضع لم يكن أفضل. فبعد سنوات قليلة من إنشاء الكيان اللبناني الحالي أي في منتصف العشرينات من القرن الماضي، انشأت نخبة من الأدباء والشعراء اللبنانيين الفرنكوفونيين مجلة بالفرنسية اسمتها "المجلة الفينيقية". ومن اسمها نعرف جوهرها أو غايتها. فقد دعا هؤلاء الأدباء والشعراء إلى لبنان فينيقي منكفئ عن محيطه العربي ومتوجه إلى البحر الأبيض المتوسط وإلى أوروبا والغرب. ان عمر لبنان بنظر هؤلاء هو ستة آلاف سنة حضارة ورقياً وتمدناً. ولذلك فهو أقدم من العرب عمراً وأكثر عراقة في المدنية. وبعد ذلك استمر الجدل الفكري على أشدّه بين دعاة العروبة ودعاة الانعزالية والفرنكوفونية، ولدرجة القول ان تاريخ الفكر الحديث في لبنان هو تاريخ الصراع بين دعاة العروبة ودعاة الفينيقية.
من أجل ذلك كانت كلمة فينيقي أو فينيقية كلمة بغيضة عند العروبيين اللبنانيين بالرغم من اعتراف هؤلاء بأن الصفحة الفينيقية صفحة غرّاء في تاريخ البشرية نظراً للخدمات التي أداها الفينيقيون للعالم القديم ومنها نشر الأبجدية، أو المساهمة في هذا النشر.
وأذكر أن الرئيس اللبناني الراحل شارل حلو روى لي مرة حكاية طريفة حول الفينيقيين حصلت معه عندما كان رئيساً للمجلس الوطني لإنماء السياحة. فقد حضرت إلى لبنان في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، بعثة أوروبية كانت تنوي انتاج فيلم عن الفينيقيين. قالت هذه البعثة لشارل حلو انها مرّت على عدد من أقطار الشمال الافريقي كتونس وليبيا (وهما بلدان يعتزان بالحقبة الفينيقية) وطلبت منها مساعدة مالية لإنتاج الفيلم، وانها تريد من لبنان، وهو مهد الفينيقيين، أن يساهم في هذا الإنتاج. قال شارل حلو انه من أجل ذلك اتصل بزملائه أعضاء المجلس الوطني لإنماء السياحة هاتفياً، نظراً للعجلة، مستطلعاً رأيهم بالأمر. كان من هؤلاء تقي الدين الصلح أحد دعاة العروبة في لبنان، كما هو أحد رجال الاعتدال والعقلانية.
رفض تقي الدين الصلح أن يساهم لبنان في إنتاج فيلم عن الفينيقيين. استغرب شارل حلو جواب الصلح وسأله عن السبب، فقال له الصلح: "الكتائب شامسينهم"، أي أن حزب الكتائب اللبنانية، وهو حزب انعزالي، يسيء إلى هؤلاء الفينيقيين ويفسد سمعتهم.. قال لي شارل حلو انه إلى اليوم مازال يضحك من جواب الصلح..
تدل هذه الحكاية على مدى الإساءة التي ألحقها "أنصار" الفينيقية بالفينيقيين. كما تدل على أن توظيفهم السياسي لها بلغ أوجه في مرحلة من المراحل، وان كل ذلك جعل الكثيرين، من عروبيين وغير عروبيين، ينفرون منها استناداً إلى هذا التوظيف السياسي لها.
على أن آخرين احتفظوا بأعصابهم وهم يعالجون أمر تلك الحقبات الغابرة من تاريخنا، ويجدون فيها الخير الوفير وبخاصة إذا ما قارنوا بين تلك الحقبات وبين الحقبة الحالية. ففي أحد مهرجانات الجنادرية تناهى إلى سمع المغفور له الشيخ محمد الغزالي عبارة "الفراعنة" التي كان يرددها أشخاص كانوا يجلسون قربه. التفت إليهم الشيخ الغزالي قائلاً لهم في إيجاز بليغ: "وما لهم الفراعنة"؟ أي أنه استغرب أي نقد يمكن ان يوجه إلى تلك الحقبة المجيدة من تاريخ مصر التي ان حذفناها من تاريخ مصر لما كانت مصر هي مصر التي يعرفها العالم اليوم.
والواقع ان تاريخ الحضارة في أي بلد من البلدان هو تاريخ التراكم الحضاري. فمن الصعب او من المستحيل حذف أية مرحلة من هذا التاريخ وإهمالها كما لو أنها لم تكن. فقد كانت، وقد كانت مرحلة عظيمة ثم انقضت لتقوم بعدها مرحلة أخرى. وتاريخ كل هذه المراحل هو تاريخ الأمة الذي هو جزء من تاريخ العالم.
إن من يتابع أخبار معرض الفينيقيين القائم حالياً في معهد العالم العربي في باريس، وأخبار معرض توت عنخ أمون في لندن، يذهل لمدى تهافت الناس في الغرب على هذين المعرضين، ولمدى اهتمام المثقفين والدوريات الثقافية والسياسية بهما. وعلينا ألا نضيق بهذا الاهتمام ونصوره على أنه إساءة بالغة إلى عروبتنا وإسلامنا. فالواقع أننا كعرب ومسلمين نستفيد من مثل هذه المعارض التي تُظهر للغربيين أننا أحفاد حضارات خالدة باذخة، وأننا ننشد لبلادنا مصيراً آخر غير مصير العنف والتطرف والانغلاق على الذات وعدم قبول الآخر أو الاعتراف به. وما هذه المعارض عن الفينيقيين في باريس والفراعنة في لندن سوى صورتنا بالأمس البعيد، والصورة التي نحلم بأن تكون لنا في المستقبل. ناهيك عن تلك الصورة النبيلة للحضارة العربية الإسلامية التي ظلت تشع على العالم كله لأكثر من ألف سنة. لذلك فإن صورة الفراعنة والفينيقيين ليست بالصورة التي يتعين علينا أن ننظر إليها بحذر، فما هي سوى إحدى الصور الجميلة التي أبدعتها بلادنا، وإنساننا العربي، والتي نفخر بها كما نفخر بأية صورة جميلة أخرى في تاريخنا الحضاري.
1
إن النظرة الغربية للفينيفين هي أن الفينيقين ليسوا عرباً وليسوا من أسلافهم
مع أن التحليل اللغوي يثبت عكس ذلك.. إنما يسوء الغرب أن تعزى حضارة عريقة أصيلة للعرب.. هم دوما يتكلمون عن شعب أتى من المجهول واستوطن تللك الأرض وأغناها ثم رحل عنها..هذا أكثر إرضاءً لغرورهم
09:28 صباحاً 2007/11/19
2
وأنت.. هل تتمنى العودة للجذور و الحكم بشريعة فرعون وهامان وبختنصر ويوليوس قيصر..! هل انت رجعي!!
11:13 صباحاً 2007/11/19
3
كنا وكان لن تؤكل خبز ولن تبني مصنع و لا تفتح مدرسة أو معمل فبيت الشعر الحكمة يقول ليس الفتى من قال كان أبي و لكن الفتى من قال هاأنذا
10:20 مساءً 2007/11/19
4
شيء جميل يااستاذ فاضل ان تختم العقد بالمسك...واقصد الحضاره العربية الاسلامية.يذكرني اسمك بالاستاذ الفاضل أ.د فاضل السمرائي استاذ اللغة العربية...وتطابق في التفكير الهادي...
لك تحياتي
01:16 صباحاً 2007/11/20
5
من جملة ما كتب عن البشر مثل فرعون, هل يستطيع الانسان ان يزيل انفه من وجهه ? هذا ما قدر في هذا الكون. لقد ذكر فرعون في القرآن اكثر من ثلاثين مرة لا لشيء الا لغاية لصالح البشرية جمعاء, فكما هو مبين في آخر الكتب السماوية وهو القرآن فاذا تدبرناه نجد ان فرعون عرف بعدة اسباب اذكر منها من الاية 36 من سورة غافر (ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الارض فمن ينصرنا من بأس الله ان جاءنا قال فرعون ما أريكم الا ما ارى وما أهديكم الا سبيل الرشاد) ومن سورة ص الاية 12 (كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الاوتاد) ففي الاية الاولى فربما ترمز الى ان فرعون يرشد الى الخلود والاية الثانية ترمز الى النبي نوح الذي عاش خمس مائة الا خمسين سنة فهذا من الدلالة انه يمكن للانسان ان يعيش فهو خليفة الله في الارض, فالغريب في الحضارة الفرعونية هو المومياء التي يجب ان تدمر لان وجودها تشويه لما خلق الله فلقد حان الوقت ان نتخلى على ما فعله الفراعنة, تمكنت البشرية من دراسة هذه المومياء ولقد تم تصويرها فهذا يكفي. فالسياحة المصرية لا ارى انها سوف تتوقف فهناك اجمل من الجثث الفاسدة المنظر فالله يحيى العضام وهي رميم ربما مخلوقات خلقها الله تستغل الموقف ونستمر في الخطا الذي ممكن ان يكون شبحا مذموما ومخيفا للبشر, فالتخلص منها بالحرق هو اجدى في نظري لان المومياء مخلوق مثلنا وشكرا
03:47 مساءً 2007/11/22
سجل معنا بالضغط هنا