هذه ملاحظات حول المسؤولية الاجتماعية للشركات تم إعدادها من واقع خبرات علمية وتجارب واقعية ومعايشة ميدانية للمجتمع ورجال الأعمال، إضافة إلى قراءات عديدة في أدبيات المسؤولية الاجتماعية للقطاع التجاري، وخاصة في المجتمعات الأوروبية والأمريكية (والكندية على وجه الخصوص) باعتبارها الأفضل على مستوى العالم من حيث السمعة والأداء المتوازن، ومساعدة المجتمع المحلي والشفافية وقلة الفساد المالي والإداري.
وكان من بواعث كتابة هذه الملاحظات ما شاهدته من قصر نظر عند بعض مسؤولي الشركات في السوق السعودي (وإن كانوا قلة ولله الحمد) فيما يتعلق بالعلاقة بين هذه الشركات والمجتمع، لدرجة أن هذه العلاقة تكون قائمة في كثير من الأحيان على الاستغلال المحض رغم الارتباط الاستراتيجي (الوجودي) بين مصالح هذه الشركات ورضا المجتمع عنها.
هذا فضلاً عن عدم وعي هذه الفئة بدورها المفترض كجزء من المجتمع الذي تعمل فيه وتكسب أرباحها من خلاله. فإن مما لا شك فيه أن كل مكوّن من مكونات أي مجتمع سواء كان فردًا أم مؤسسة، جهازًا حكوميًا، أم شركة خاصة، أم هيئة أهلية له دوره في المحافظة على البناء الاجتماعي، وإذا لم يقم أي من هذه المكونات بأداء دوره فإن ذلك - بلا شك - سيؤثر على بنية المجتمع بقدر تأثير هذه الجهة وأهمية الدور الذي تقوم به.
فالمسؤولية تجاه المجتمع تكبر وتصغر بقدر الإمكانات ومدى الحضور المفترض للجهة المعنية في شؤون المجتمع.
ونتيجة لهذا التنوع في المسؤولية واختلاف الجهات التي تناط بها في المجتمع، وتفاوتها بحسب الإمكانات التي تتوفر لكل منها بحيث لا يمكن دمجها وتناولها في مقام واحد، فضلاً عن أنها تتنازعها اختصاصات وفروع علمية متعددة من فلسفة واجتماع وقانون...الخ؛ فإنني أكتفي هنا بتناول سريع للمسؤولية الاجتماعية للشركات باعتبارها من أهم مراكز التأثير في المجتمع، بحيث تتحكم في جوانب كثيرة من مصير الإنسان، نظرًا لما تتمتع به من ثقل مادي ومعنوي، ونظرًا لأهميتها الحيوية للمجتمعات التي تعمل فيها غالبًا، وارتباطها الوثيق بالواقع المعيش لأكثر الناس، سواء كانوا عملاء لمنتجاتها أو جيرانًا لمصانعها أو محلاتها أو عاملين فيها أو شركاء في رأس مالها...الخ. ونظرًا إلى أنها - وكما يقول أحد كبار المديرين - جزء مهم من المجتمع، وبإمكانها التأثير عليه سلبًا أو إيجابًا من خلال ما تتخذه من قرارات وما تؤديه من أفعال. والأمر كذلك بالنسبة للشركات، فإنها أيضًا جزء من المجتمع تتأثر بما يتخذ في محيطه من قرارات رسمية أو شعبية، مما يجعل مستوى نجاحها يتحدد بناء على علاقتها بمجتمعها.
مفهوم المسؤولية الاجتماعية وطبيعتها
ولعلنا نبدأ بتحديد معالم هذه المسؤولية، فنقول - ببساطة - إنها عبارة عن التزام أدبي من قبل الشركة (أو بمعنى أصح من قبل إدارة الشركة) باتخاذ قرارات والقيام بأعمال في نطاق سلطتها وإمكاناتها تسهم في النهوض بمجتمعها المحيط بها، وتساعد على تطويره في علاقة تبادل منافع بين الطرفين، بحيث يكسب كل طرف من الطرف الآخر.
ويعرفها بعض الخبراء بأنها مشاركة الشركات في التنمية المستدامة للمجتمعات، أي التنمية التي تستجيب لحاجات الحاضر دون التضحية بالمستقبل، وهي قائمة على الارتباط بين الاقتصاد والبيئة وحاجة المجتمع.
وهذه المسؤولية ذات نطاق واسع، وتغطي حقولاً مختلفة اجتماعية وتنموية وقانونية، وترفيهية وبيئية...وغيرها.
كما أنها تشمل المسؤولية نحو كل من له علاقة بالشركة من موظفين وموردين وعملاء وصولاً إلى المجتمع المحلي والبيئة المحيطة والسلطات الرسمية والشركات الأخرى ومجموعات المجتمع المدني.
ولهذه المسؤولية جانبان: جانب سلبي (بمعنى أنه لا يتطلب عملاً) وهو أقل درجات هذه المسؤولية وكل الشركات تمتلك القدرة على الالتزام به..بل إن من واجبها أن تلتزم به، وهو الجانب المتمثل في الامتناع عن القيام بأعمال تضر بالمجتمع أو الشروع فيها.
وهناك جانب آخر أعلى مستوىً من هذا، وهو الجانب الذي يمثل الناحية الإيجابية في هذه المسؤولية، حيث إنه ارتقاء من مجرد الامتناع إلى المشاركة (بل الريادة) في الأعمال التي تعود بالنفع على المجتمع، أو تسهم في تطويره أو تحسين ظروف الحياة فيه.
وقيام الشركات بهذا الجانب من المسؤولية يعتبر في غاية الأهمية، وهو ذو مردود إيجابي على كل من الشركة والمجتمع. وبين أيدينا مثال حي يوضح كيف تستطيع الشركات - إذا تحملت مسؤوليتها تجاه المجتمع - أن تغير حياة الناس دون أن تخسر شيئًا...بل ستكسب ماديًا ومعنويًا لا محالة.
فكبار السن لدينا (بالمنطقة الشرقية خصوصًا) يتذكرون كيف لعبت أرامكو السعودية دورًا مهمًا في النهوض بالمجتمع المحلي بتلك المنطقة، من خلال شق الطرق وبناء المستشفيات والمدارس ونشر الوعي الثقافي وتطوير الموارد البشرية، حتى كان الانتساب إلى أرامكو جواز عبور إلى المجتمع، ودليلاً على المكانة الرفيعة للشخص الذي يحظى به. وكل تلك السمعة وتلك المكانة بين سكان المنطقة إنما بنتها أرامكو من خلال الدور الذي لعبته في حياتهم، والأهمية التي صارت تمثلها بالنسبة لهم.
ولا ندعي أن هناك اتفاقًا على دور الشركات في المجتمع، بل إن هناك من يرى أن المسؤولية الاجتماعية للشركات تنحصر في الامتناع عما يضر المجتمع الذي تمارس فيه أنشطتها، فتتجنب الإضرار بالبيئة والبنية التحتية، والأعمال ذات العلاقة بالغش والتدليس في تعاطيها مع عملائها...ولا شيء يلزمها بعد ذلك.
ويؤيد هذا الطرح بعض الاقتصاديين من أمثال ملتون فريدمان الحائز على جائزة نوبل عام (1976م)؛ حيث يؤكد أنه ما دام هدف أي شركة هو تعظيم أرباحها فإن مسؤوليتها منحصرة في عدم الإضرار بالمحيط الاجتماعي والبيئي والابتعاد عما يسبب لها الخسارة.
ويرى أن اضطلاع الشركات بدور اجتماعي إيجابي فوق ذلك إنما يكون من منطلق بناء سمعتها من أجل تحقيق أرباح أكثر، لا من منطلق المسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع.
فهذه المدرسة ترى أنه لا يجب على الشركة تحمل أي مسؤولية اجتماعية نظرًا للتكاليف المترتبة على القيام بهذه المسؤولية، كما لا يجب أن يكون تطوير المجتمع على حساب الشركات التي تبحث عن الربح لأصحابها.
وهناك مدرسة أخرى ترى أنه يجب على الشركات أن تكون ذات رسالة اجتماعية نظرًا لأنها مستفيدة من المجتمع، وبالتالي تقع على عاتقها مسؤولية تطويره.
ومن أبرز رموز هذه المدرسة أستاذ إدارة الأعمال الشهير إدوارد فريمان الذي يشدد - بعكس فريدمان - على المسؤولية المبدئية للشركات تجاه النهوض بالمجتمعات التي تعمل بها، وأن الربح سوف يتحقق تبعًا لذلك نتيجة لرضا المجتمع عن الشركة ودورها الاجتماعي.
وكما سبق فإن المسؤولية الاجتماعية للشركات تشمل جوانب كثيرة، فبالإضافة إلى الالتزام بالأنظمة والقوانين المتبعة، هناك ما يتعلق بالنواحي الصحية والبيئية، ومراعاة حقوق الإنسان - وخاصة حقوق العاملين خاصة - وتطوير المجتمع المحلي، والاهتمام بالأقليات، والمشاركة في الأعمال الخيرية والعمل التطوعي، والالتزام بالمنافسة العادلة والبعد عن الاحتكار، وإرضاء المستهلك، والشفافية في العمل، والبعد عن الفساد الإداري والمالي والأخلاقي...إلى غير ذلك من العوامل التي يرتبط بعضها ببعض، وتشكل في مجموعها الأساس للمسؤولية الاجتماعية للشركات.
وبقاء الشركات يعتمد بشكل كبير على طبيعة العلاقة بينها وبين مجتمعها المحيط بها، وما يترتب على هذه العلاقة من مسؤوليات على كل طرف، وهي - بالنسبة للشركات - مسؤوليات كبيرة داخلية وخارجية تنبع من الارتباط الوثيق بين الشركة وبين مجتمعها الداخلي (طاقمها البشري) وبينها وبين المجتمع والبيئة المحيطة بها بصفة عامة.
@ أستاذ التسويق بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن
عضو مؤسس للجمعية السعودية للتسويق