عالم يتحول.. من يدفع الثمن؟
تنضح نبرة الرئيس الروسي بوتين بجراح المهانة وتنبعث من أحاسيس مريرة بالغبن وبقدر من التحدي يحاول أن يجسد نفسه عبر مظاهر عسكرية وبعث الحياة في أفكار وتكتلات قديمة، ولكن بوتين المتذمر رغم مسحة الوعيد التي تثقل نبرته، لا يفتتح حرباً باردة أو ساخنة، بقدر ما يعبر عن مخاوف وتطلعات النخب الروسية الجديدة، التي ارتقت المسرح بعد مرحلة الميوعة في أعقاب سقوط الاتحاد السوفييتي، لتدير صراع المصالح على ساحة العالم وفي نطاق المجال الحيوي لروسيا الجديدة بصورة خاصة، في إطار تصوراتها الكونية ومطامحها الوطنية، ولكن دون ترميزات فائضة عن حاجات الصراع.
كانت روسيا قد هوت وارتطمت على كومة من الصخور القاسية، وظن الجميع بأن عنقها قد دقت وانتهى الأمر، مخلفاً بضعة سطور مثيرة في كتاب التاريخ، كان ذلك قبل أقل من عقدين، عندها بدت الهاوية دون قرار وكادت روسيا تتسول عداءها، ولكن العهد القريب يبدو لنا غائراً في الزمن، عندما يحملنا صوت بوتين المشحون بالمرارة والغضب إلى عالم (حافة الهاوية) ويثير ذكرياتنا: (هنا روسيا.. انتبهوا!)، غير أن ذلك وهم لا يستحق التوقف، رغم أن بوتين لم ينزلق على قشرة موز، ثمة أمور حاسمة وتطورات جذرية أخذت سمتها إذاً، ولم تكن هذه الأمور سوى تسرب دماء العافية في جسد الاقتصاد الروسي الذي كان قد تعرض للانتهاش والتقطيع، بوتين أعلن نجاح سلسلة العمليات الجراحية التي أجرتها إدارته بدأب يضاهي كثيب النمل يجمع زاد الشتاء الطويل، في زماننا لا شيء يعنون فصول التاريخ مثل الأرقام، إن اقتصاد روسيا يتجاوز مرحلة التحول الزلزالي ويستجمع قواه لينطلق بيسر نحو آفاق الاقتصاديات المتقدمة، مدعوماً بأسعار النفط، والأكثر بأساسيات معرفية ورصيد ضخم من الخبرة وملايين البحاثة والمهندسين والفنيين، هذا كل ما في الأمر وما في جعبة بوتين، وربما تكون روسيا قد دفعت إلى موقف التحدي قبل أن تأخذ اهبتها تماماً، ولكن الواضح على أية حال أنها تماسكت فعلاً واستعادت وعيها لتأخذ مقعداً حيث يجري نسج فصول التاريخ التي تعلوها الأرقام بوتيرة متسارعة.
ومع ذلك فإن الوطنية الروسية تتجسد في مظاهر الاحتجاج واسع النطاق حيال التدخلات الأمريكية والسياسات الأمريكية بصورة خاصة، روسيا لا تنفرد في تزايد مؤشرات صحوة الوطنية والاعتزاز القومي ففي الصين حيث تأخذ تحولات مذهلة مجراها تتأكد كل يوم مظاهر البحث عن الهوية وبلورة الخاصيات الوطنية والثقافية، حيث يجري العمل على صياغات جديرة بتأسيس فكر قومي قابل للتكيف مع منظومات العولمة وأنساقها الثقافية، ويبدو بوضوح أن اندراج كتل بشرية في السياقات العولمية وتزايد حصتها في ثروة العالم وقوته، لا يتشكل في ميادين الإنتاج المادي فحسب ولكنه أيضاً يدفع بأفكار ومشاعر وصفت بأنها بالية، مثل القومية والهوية الوطنية والخصوصيات الثقافية إلى الحياة.
وحيث جف حبر التاريخ وضرعه جاءت ملايين متدفقة ومصممة بأقراص الكمبيوتر لتدير أنوالها المهولة مضفية على لوحة العالم ألوانها وخطوطها وتاركة على صفحته تفاصيل كانت تبدو بناتاً لمخيال جامح حتى عهد قريب،في الصين ينضح الاقتصاد ويشتد عوده ويحرز استقلاله الناجز بثبات، عبر سعيه الحثيث إلى إعادة تشكيل الحياة الصينية وضبط إيقاعها في مجرى أضخم عملية إنتاجية ستشهدها الأرض، يجري التحضير لها عبر تدفق الاستثمارات المحلية والأجنبية نحو الصناعة والبنى الأساسية، والأهم نحو معاهد البحث العلمي والجامعات ومراكز إنتاج التقنية، إن العالم الذي كان هامداً وغامضاً يهدر ويفور، لا يغرق العالم بمصنوعاته فحسب ولكنه يتكشف عن استثنائية مدهشة تقتحم ترسيمات الحاضر العالمي، وفي موازاة ذلك فإن رياح التغيير تهب بقوة على قارة الأساطير والتوابل، حيث إن أكثر من بليون من الهنود يتلعون رؤوسهم ويبحثون عن الهواء النقي، وبينما ينتشر الصينيون في العالم ويخلدون إلى قيمه الرقمية الجديدة، فإن الهنود ينتجون نموذجهم الخاص الذي يتوسط ميراثهم الثقافي وحمولتهم الاجتماعية التي تحيط بها بنى تحتية رثة وموارد طبيعية شحيحة، ولكنهم مع ذلك يقطعون المسافات بثبات مهيب كأفيالهم العملاقة.
وتبرز البرازيل مكاناً آخر يشهد تحقق التقدم الاقتصادي وتوطيد أسس النمو، فنقف بذلك أمام مشهد يجمع نصف البشرية وهي تزحف لتجاوز واقع بائس سربل عالمها لقرون، واجتاح حضاراتها، إن هذا التجمع البشري قد يواجه العثرات وهو يشق طريقه إلى أهدافه البعيدة، إلا أنه ينكفئ ويتبدد. ليس لشيء إلا لأن هذه البلايين الثلاثة من البشر، ملتزمة التزاماً كاملاً بالمضي قدماً بمشاريعها والوصول إلى ساحة اقتسام خيرات العالم وموارده، مدركة تماماً بأن ضمانها المؤتمن هو جهدها المنظم، وحشد امكانياتها حول غاية جماعية تضبط نشاطاتها وتشكل الإيقاع العام لحياتها.
وعلى ذلك فإن الواقع العالمي ستشهد انجرافات كبرى، ولن تمر السنوات القادمة مروراً سريعاً على صفحة التاريخ، ولكنها ستخلف عالماً يحمل ملامح لم تألفها القرون الأربعة الأخيرة، وربما منذ انتهاء ما سمي بالعصور الوسطى وأفول العصر الذهبي للإسلام، وهي تندفع أمامها منذ الآن مجاميع من الأسئلة والتساؤلات التي لاتتوقف عند الكيفية التي يتم بها التحضير لاستقبال نصف البشرية الغائبة واحتساب حصتها في موارد الأرض المتضائلة فحسب، ولكن عما إذا كان ممكناً كبح جماح الاستهلاكية العارمة التي تستحوذ على عقل الإنسان المعاصر وروحه، لكي يتيح اقتساماً عادلاً لموارد الأرض وقدرتها على احتضان الحياة، ويحقق فعلاً ما يسمى ب (تنمية مستديمة)، وعما إذا كان هذا التحول سيفضي إلى بروز تفاهم عالمي يفسح المجال لبلورة قيم إنسانية ومرجعيات مشتركة، تشكل الخلفية الأخلاقية لسلام (مستديم) يتسع للمجتمعات والثقافات البشرية كلها، هل يصبح العالم هانئاً تظلله سماء زرقاء بعد أن يلجم جشعه المنفلت أم أن (سوق) الليبرالية الجديدة قد استلبه وانتهى الأمر؟، هذه الأسئلة لا تنتهي إلا لتبدأ حول أنماط الحياة المنتظرة التي تزحف في أثر هذه الأمم المتعجلة لموعدها مع الزمن المعاصر، حيث لن يكون عالمها مستهلكاً فحسب، ولن تبقى علاقتها بالغرب كما كانت ذات اتجاه واحد، إنها منتجة منذ الآن، لا للسلع والمبتكرات بل ولمنتجات الثقافة والسلوك والأفكار أيضا، إن الأفكار والمعتقدات وأنماط السلوك والطرازات لم تفتأ منذ فجر التاريخ تقتفي أثر القوة ولن تتوقف، فهل تصبح اللغة الصينية مثلاً لغة العالم ويزيح الساري الهندي سراويل الجينز الأمريكية؟، وليست هذه الأسئلة سوى تفريعات تنبت على جدار السؤال الرئيسي من سيملك عالم الغد؟ مالك وحيد تنغلق عليه فوائضه من كل نوع، ويبقى عالقاً داخل قيم ومنظومات مرجعياتها أنانية أصبحت متجاوزة لطاقات الأرض، وغارقة في فوقياتها، كما هو حادث اليوم؟، فتدخل الأرض فصلاً جديداً ربما يكون الأخطر من الصراعات المدمرة بتفاوتاتها على سلم السخونة، أم أن جذور الثقافة العقلانية والبرغماتية سوف تنتصر ل (واقعيتها) التي سادت التاريخ الحديث؟
بيد أن المتغير الفكري الذي أشعل حماسة الشعوب الآسيوية وأخذ يطلق امكانياتها ينبعث من نفس المرجعيات التي قادت العالم الغربي إلى موقعه، الصراع من أجل البقاء، والاستهلاكية المفرطة، والفردية المحصنة المتقوقعة في غمرة الصراع والتنافس ودوافع الاستحواذ، وهي قيم انتجت الثروة والتقدم العلمي ولكن على الجزء الأصغر من الأرض، مقتطعة لنفسها النصيب الأكبر من خيراتها، ومغتصبة لثروات الشعوب الطبيعية وكنوزها، لتنتج عالماً مشروخ الوجه والضمير، مصطلياً بنيران الصراع بين من يملكون ولا يملكون، هنا تندفع أسئلة كالشوك حيث يشكل العرب والمسلمون النسبة الأكبر من (الكمية) المهملة في جردة التاريخ، يداهمها العالم ويصخب حولها، فتصخب معه أيضاً، ولكن لتصريف مكبوتاتها من القهر والعجز بالارتداد على نفسها منتحرة، ويهتز جسد آسيا الهائل كمن مسه صاعق من أقصى الشرق حتى يلامس جسدها فتخدر هامدة، إلا من تلك الاستجابات العنفية المدمرة التي تعكس مأزقها التاريخي وانحشارها بين مخالب العجز.
قسمة العالم الحالية لن تصمد طويلاً، فإما أن يسمح للجداول المتفجرة حديثاً أن تصب في مجرى التاريخ، لتصنع نهراً عظيماً يمضي صاعداً بكل البشر، أو تعصف الحروب والفوضى بالأرض ويحل الظلام.
في الحالتين يبدو الأفق العربي والإسلامي غائماً دون غيث ولا جداول، وأرض بلا تضاريس، تنبسط مستسلمة لحروب الآخرين وفعلهم.