اصبحت الثقافة في مفاهيمها المتطورة في ظل التحولات الكبرى التي تعيشها البشرية مع بداية القرن الجديد ملاذاً للشعوب التي تسعى إلى احتلال الموقع اللائق بها على الساحة العالمية بابراز خصوصياتها الثقافية.
وقد حرصت تونس منذ تحول السابع من نوفمبر 1987م بقيادة الرئيس زين العابدين بن علي على جعل الثقافة سنداً للتغيير لتحقيق التنمية المتوازنة الكفيلة بالتوفيق بين الرفاه الاقتصادي والاجتماعي وتجذير مقومات الشخصية الوطنية.
من هذا المنطلق ارتقت الثقافة في تونس التغيير إلى مرحلة الشمولية لتصبح صناعة بما لها من مواصفات واسواق وجاء قرار الرئيس بن علي بالترفيع التدريجي في ميزانية الثقافة لتبلغ 1بالمئة من ميزانية الدولة في افق 2004م مكرساً لهذا التوجه، ففي ظل المناخ الملائم تعيش الثقافة مداً شاملاً ومتنوعاً في كافة مجالاتها ويحظى المبدعون بالاهتمام والتشجيع الدائم وفي هذا الاطار اذن الرئيس بن علي بتنظيم استشارة وطنية حول "تونس الغد في فكر مثقفيها" تواصلت من نوفمبر 2001م إلى مارس 2002م بمشاركة آلاف المثقفين التونسيين من جامعيين ومبدعين واعلاميين ومتابعين للشأن الثقافي ونخب من جاليتنا خارج ارض الوطن قصد الاستنارة بآراء المثقفين في صياغة الاختيارات التي من شأنها ان تؤمن للثقافة التونسية مزيداً من النجاح والتألق.
وقد تم اعتماد مختلف الاقتراحات والأفكار والتوصيات التي افضت اليها هذه الاستشارة في صياغة برنامج متكامل للرقي الثقافي ادرج ضمن المخطط العاشر لتنمية الممتد من 2002م إلى 2006م فانسجاماً مع هذه التوصيات تقرر في مجال الكتاب وضع خطة وطنية للترجمة وتطوير صيغ التوصية بالنشر والشروع في اشغال بناء دار الكتب الوطنية بكل مكوناتها لتكون جاهزة سنة 2004م اضافة إلى اعلان سنة 2003م سنة وطنية للكتاب.
كما خص قطاع المسرح باهتمام ملحوظ حيث تضاعفت الاعتمادات المرصودة لدعم الإنتاج المسرحي وترويجه وتم في هذا السياق تدعيم ما لا يقل عن 93انتاجاً بين احتراف وهواية واقتناء 850عرضاً مسرحياً بكلفة تجاوزت مليوناً و 700ألف دينار في حين ارتفع عدد حاملي بطاقة احتراف مهن الفنون الدرامية من 250إلى 268حالياً وتتواصل الجهود لتهيئة فضاءات العروض والتمارين المسرحية في عديد المدن.
وسجل قطاع السينما انتعاشه حقيقية تمثلت في ارتفاع عدد الافلام التونسية المنتجة خلال السنوات الاخيرة إلى 5افلام طويلة وأكثر من 10اشرطة قصيرة في السنة.
كما انتفع قطاع الموسيقى بعديد الاجراءات التي ساهمت في دفع حركة الابداع والإنتاج والترويج في هذا الميدان من بينها وضع البرامج الوطني للتشجيع على الاصدارات الموسيقية واعطاء الاولوية للفرق التونسية في المهرجانات وسائر التظاهرات ومراجعة صيغ تنظيم مهرجان الأغنية وتنظيم المعاهد الجهوية للموسيقى لتصبح فضاءات لتكوين المواهب وصقلها.
وشمل مجهود الدولة بالعناية والصياغة قطاع التراث الاثري والتاريخي بالارتكاز على مجلة حماية التراث الاثري والتاريخي والفنون التقليدية الصادرة سنة 1994م قصد احيائه وتوظيفه في خدمة التنمية الشاملة وخاصة في مستوى اثراء المنتوج السياحي وتنويعه من خلال اعتماد استراتيجية متكاملة للنهوض بالسياحة الثقافية تشترك في تجسيمها عديد الوزارات المعنية.
ويعتبر توفير الفضاءات لإنتاج الاعمال الثقافية واحتضانها وتقديمها للمتلقي جانباً من جوانب السياسة الثقافية ويتنزل في هذا الاطار قرار بعث "مدينة الثقافة" بالعاصمة وهو مشروع ضخم سيكون جاهزاً للتوظيف بداية من سنة 2004م ويحتوي قسطه الاول على 5مجموعات تتمثل في فضاء للاستقبال وثلاث قاعات مختصة للعروض الركحية إلى جانب رواق وطني للمعارض ومكتبة سمعية بصرية واخرى سينمائية ومتحف للحضارات فقد اختارت تونس عن وعي ووفق هذه المقاربة الاستشرافية للعمل الثقافي الانخراط الايجابي في مسار الحداثة في الداخل وكذلك على الصعيد الخارجي من خلال تحقيق الاشعاع الثقافي بفضل ما اصبح يعرف بالدبلوماسية الثقافية النشطة يؤكدها الحضور الثقافي التونسي في العديد من المهرجانات والملتقيات الدولية والاقليمية ايماناً منها بان الرهان الاكبر للثقافة هو الانخراط في الفضاء الاتصالي المعولم.
ويبرز الحضور الثقافي التونسي الاهمية التي اصبحت تحتلها الثقافة في المشروع المجتمعي الحديث الذي ارسى دعائمه الرئيس زين العابدين بن علي وهو حضور لا يقل أهمية عن حضور تونس الاقتصادي ومبادراتها الإنسانية الاخرى باعتبار الثقافة رافداً من روافد الاسهام في الحضارة الإنسانية والحوار بين الثقافات والحضارات وهو ما يتم تكريسه في اطار انشطة كرسي بن علي لحوار الحضارات والاديان وغيرها من المبادرات الرائدة.
@ سفير الجمهورية التونسية بالرياض