د. أحمد بن محمد العيسى
تناولت في المقال السابق بعض أبعاد دراسة الأستاذ إبراهيم السكران حول ظاهرة التحول عند كثير من شباب الصحوة الإسلامية وتبنيهم لمواقف وأفكار مناهضة لمشروع الصحوة الذي كان مسيطراً في الساحة الثقافية خلال العقدين الماضيين. وقبل المضي قدماً في عرض أفكاري حول الدراسي رأيت التذكير بأهميتها بكونها أول من اعترف بهذا التحول وحاول تحليل أسبابه وأبعاده الفكرية، فأكرر الشكر والتقدير للأستاذ إبراهيم وآمل أن يتسع صدره للنقاشات والانتقادات التي يطرحها المهتمون بهذه القضايا ومنهم كاتب هذه السطور.
بعد الإيجابيات التي أشرت إليها في المقال السابق، أشير إلى عدد من الملاحظات على الدراسة وبالذات إلى خلل أراه جوهرياً في منهجية التحليل لظاهرة التحول تلك، وهذا الخلل في تقديري أثر في رؤية الكاتب لعدد من القضايا المرتبطة بالظاهرة وعلى القناعات التي توصل إليها الأستاذ إبراهيم وحاول أن يدافع عنها.
أما الخلل الجوهري فهو ما يتعلق برؤية الكاتب للأسباب التي أدت إلى هذا التحول أو "الانقلاب" الذي حصل، والذي أتى - من وجهة نظر الأستاذ إبراهيم - على كل شيء تقريباً فقد "طالت هذه الانقلابات المفاهيمية: الموقف من التراث، والموقف من الغرب، والموقف من المؤسسات الدعوية، والموقف من خصوم الحل الإسلامي، والموقف من واقع مجتمعنا المعاصر، والموقف من الدولة العربية الحديثة..."
لقد أشار الأستاذ إبراهيم إلى أربع قضايا أساسية مرتبطة بظاهرة التحول أسماها "ظروف رئيسية شكلت أضلاع الوعاء الجوهري لتناميه، ألا وهي: مناخ سبتمبر، والضخ الفرانكفوني، وحفاوة وسائل الإعلام، ورد الفعل تجاه البغي الإلكتروني". فجاءت هذه العوامل في الدراسة على أنها عوامل مساعدة على تنامي التحول في فكر الشباب، ولكن الدراسة لم تحلل هذه الظروف بشكل موسع لمعرفة مستوى تأثيرها على عملية التحول، إنما انتقل الكاتب إلى موضوع آخر يراه هو الباعث الحقيقي لهذا التحول ألا وهو "المغالاة في قيمة المدنية والحضارة" فيرى الكاتب أنه في ظل تلك الظروف الأربعة حدثت "مغالاة في نظر الشباب نحو المدنية والحضارة التي أصبحت وكأنها المقصد النهائي لأي عمل يسعى من أجله الإنسان فحدث التحول والتراجع عن تبني خطاب الصحوة الإسلامية. ثم أسهب الكاتب طويلاً في نقد قيم الحضارة والمدنية الغربية التي يرى أنها تتعارض مع التصور الإسلامي للحياة حيث الأولوية لقيم "التزكية" و"نشيد المستقبل الأخروي" وليس لعمارة الأرض واستخلافها.
وفي تقديري أن "المغالاة في قيمة المدنية والحضارة" إن صحت أو قبلنا بها جدلاً، كانت نتيجة لعملية التحول لدى الشباب وليست السبب في ذلك التحول، لأن "المغالاة" أصلاً هي مسألة نسبية ومسألة جدلية وتحتاج عملية الاقناع والوصول إليها إلى وقت طويل ولا تبدو ظاهرة للعيان بشكل لافت حتى يمكن رصدها. وإذا اعتبرنا أن التحول جاء سريعاً وفي فترة زمنية قصيرة، فإذن لا بد أن تكون الأسباب أيضاً سريعة ومفاجئة إلى حد ما ومرتبطة بمرحلة زمنية وليست بمسألة مراجعة فكرية عميقة، لذا أقول أن الإجابة تتطلب الحديث عن البعد الزمني في الموضوع أكثر من الحديث عن البعد المعرفي أو القناعات المعرفية الجديدة لدى هؤلاء الشباب.. وأظن أن الكاتب لامس الإجابة ثم هرب منها عندما تحدث عن الأسباب الأربعة التي أسماها "ظروفاً رئيسية" لم يضعها في باب الأسباب الرئيسية للتحول، فأما ثلاثة أسباب من الظروف الأربعة - ففي تقديري - كان دورها ثانوياً، فلا يوجد هنا ما يسمى "بالضخ الفرانكفوني" لأن الدراسات النقدية العربية وبخاصة المدرسة المغاربية التي تأثرت بالمدارس الفلسفية الأوروبية بدأت قديماً قبل ازدهار الصحوة الإسلامية أصلاً واستمرت حتى الآن، وقد أشار الكاتب إلى أن مشروع محمد الجابري النقدي صدر في عام 1984م كانت تلك الفترة هي بدايات انتشار الحركات الإسلامية في العالم العربي، وكذلك الحال في مؤلفات محمد أركون وغيره. أما الحديث عن الظرفين الآخرين وهما احتفاء وسائل الإعلام، وردود الفعل تجاه البغي الإلكتروني فهما صحيحان إلى حد ما ولكن يبقى تأثيرهما محدوداً فمثل هذه العوامل لا يمكن أن تحدث تحولاً جذرياً لدى عدد كبير من الشباب المنتمي لتيار الصحوة، وهو التيار الأكثر قدرة على صنع الالتزام في صفوف أتباعه.
يبقى السبب الرئيس الذي أشار إليه الكاتب ولكن لم يمنحه الأهمية التي يستحقها ألا وهو "مناخ سبتمبر"، وأضيف إلى ذلك ملحقاتها التي لم يشر إليها الكاتب أيما إشارة سواء كانت قبل ذلك التاريخ أو بعده وهي العمليات الإرهابية التي حصلت في دول كثيرة في أفريقيا ودول عربية أخرى قبل 11سبتمبر ثم بعد الحدث الكبير في السعودية وبعض الدول العربية والأجنبية الأخرى ولا تزال تحدث حتى اليوم. إن هذا السبب الذي أسميه انحدار مشروع الصحوة إلى القتل والإرهاب والتفجير والتطرف المعنوي والمادي كان كافياً لأن ينفض كثير من العاملين والمتحمسين لمشروع نهضة عربية وإسلامية عن تأييد فكر الصحوة وشعاراتها لأن "الطعام" الذي أنتجه "مطبخ" الصحوة كان معظمه مراً وعلقماً وبؤساً وانحطاطاً.
لقد قرر الكاتب الكريم أنه: "بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعرض الاتجاه الإسلامي إلى حالة محاكمة عالمية شرسة حدت من انسيابه ودويه وتراجعت معها شعبيته الاجتماعية بشكل ملموس"، إلا أن الكاتب - مع الأسف الشديد - اعتبر ذلك الحدث التاريخي وكأنه حادث مروري عندما قال: "إن الخطاب الإسلامي المعاصر سيسترد عافيته وموقعه الاجتماعي الريادي بمجرد تجاوز هذه الأزمة والتخلص من الآثار الأمنية الحادة لحادثة سبتمبر، تماماً كما أننا نشاهد الهياج والصخب والإدانات العشوائية كأعراض طبيعية تصاحب الوهلة الأولى للحادث المروري ثم تعود الأمور إلى مجاريها وتكمل المسيرة طريقها بمجرد تجاوز آثار الدهشة الأولية".
وفي تقديري أن الفكر الإسلامي المعاصر لم يستوعب الحدث الذي حصل في صبيحة الحادي عشر من سبتمبر فقد رآه كحدث سياسي أمني منعزل عما قبله وما بعده من أعمال إرهابية. وبسبب هذا القصور يستمر هذا الفكر في الهروب إلى الأمام لينظر إلى عوامل خارجية ليعلق عليها أسباب تراجع مشروع الصحوة وانطفاء شعلتها، ولا يبحث في العوامل الداخلية التي أوصلت الصحوة إلى أن تختصر مشروعها السياسي في عمليات إرهابية هنا وهناك. ولهذا فإنه حتى كتابة هذه السطور وعلى الرغم من الكتابات الكثيرة عن أحداث سبتمبر وملحقاتها في الغرب وفي الصحف العربية، إلا أنني لم أطلع على قراءة نقدية عميقة لمفكرين إسلاميين حول أسباب الحدث وتداعياته ومعظم ما كتب حتى الآن لا يتعدى الاتهامات للغرب بالظلم الواقع على المسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان.
لقد رأينا هذا الخلل في منهج التحليل لدى الفكر الإسلامي لأحداث كثيرة مضت قبل 11سبتمبر مثل الاقتتال العنيف بين فصائل الجهاد الأفغاني بعد سقوط كابل وانسحاب السوفيات في بداية التسعينيات، ورأينا ذلك عند انجرار الحركة الإسلامية في الجزائر إلى العنف والإرهاب بعد إلغاء الانتخابات التشريعية، وكذلك في السودان ومصر، ورأيناه في خلافات الفصائل الفلسطينية المنتمية للتيار الإسلامي وغير ذلك من أحداث. وهذا الخلل في الفكر والتحليل يعود أصلاً إلى قضية كبرى سأتناول بعض جوانبها في مقال قادم وهي أن ظاهرة الصحوة هي ظاهرة سياسية بحتة ولم تكن في يوم من الأيام ظاهرة حضارية نهضوية، ولكنها لم تعترف بذلك فخرجت عن إطار العمل السياسي المعقول والمشروع، فكان الناشطون الدعائيون من وعاظ وكتاب وخطباء داخل حركات الصحوة يعملون نتيجة لتسارع الأحداث ولاغترارهم بالإقبال الجماهيري على تحييد وتصنيف ومن ثم إبعاد إنتاج المفكرين والكتاب الإسلاميين العقلانيين الذين كان لديهم عمق فكري وثقافي بالتأريخ الإنساني وبتطوره وكانوا على صلة بالثقافات العالمية بكل أبعادها العلمية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وهم كثر أمثال محمد عبده ورشيد رضا ومالك بن نبي ومحمد الغزالي ومحمد عمارة وعبدالحميد أبو سليمان وراشد الغنوشي ويوسف القرضاوي وغيرهم.
لقد كانت العمليات الإرهابية في صبيحة الحادي عشر من سبتمبر حدثاً تاريخياً بكل ما للكلمة من معنى غيرت مجرى السياسة الدولية بشكل جذري، وأعمق من ذلك تأثيرها في الوعي الاجتماعي وفي الدراسات الفكرية وفي العلوم الإنسانية وفي الدراسات الاستراتيجية وفي الثقافية الشعبية في الغرب. وإذا كان بعض المفكرين العرب قد اعتبروا هزيمة 1967م بداية النهاية للمشروع القومي العربي وضياع حلم القومية العربية، فإن أحداث 11سبتمبر 2001م كانت - في تقديري - بداية النهاية للمشروع الإسلامي الصحوي، ولئن كانت نهاية المشروع القومي العربي بطيئة وغير مؤلمة، فإن نهاية المشروع الإسلامي الصحوي كانت سريعة ومؤلمة وعنيفة أيضاً.
وفي المقال القادم نبحر مع بعض اشكالات الظاهرة: ظاهرة تحول الشباب عن فكر الصحوة ومشروعها.