الرئيسية > مقالات اليوم

المقترح الخليجي للتخصيب

هل تأخرنا في مواجهة الملف النووي الإيراني؟


عادل بن زيد الطريفي

ثار هذا السؤال بسرعة فور ظهور المقترح الخليجي الخاص بحل أزمة الملف النووي الإيراني. المقترح الذي تحدث عنه وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل جاء مفاجئا للكثيرين، فمنذ عثور مفتشي الوكالة الدولية على آثار لليورانيوم المخصب داخل إيران في نوفمبر 2003، ودول الخليج تمتنع عن الدخول بشكل مباشر على خط المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وإيران، وعلى الرغم من أن الموقف الخليجي الموحد كان واضحاً منذ البداية في رفضه لأي مشروع تسلح نووي في المنطقة، ودعوته إيران للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة، إلا أن الموقف الخليجي كذلك ظل يعبر عن رفضه للحلول العسكرية للأزمة، وتشديده على حق طهران في التكنولوجيا النووية السلمية. هذا الموقف ظل ثابتاً رغم عدداً من التهديدات التي يطلقها بين الحين والآخر قيادات الصف الأول والثاني داخل المؤسسة العسكرية والثورية الإيرانية ضد دول الخليج، والتي كان يراد منها استفزاز هذا الدول ودفعها نحو مواجهة الملف النووي الإيراني بشكل مباشر، لأن حصر المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وطهران قد جعل الأخيرة مكبلة في علاقة شد وجذب من طرف واحد، ولم يعد بوسع الإيرانيين أن يلعبوا لعبتهم المفضلة بلعب طرف ضد الآخر تماماً كما يصنع تاجر البازار حين يعرض أكثر من مشتر سعراً لبضاعته. تصوروا أن إيران احتاجت لأكثر من سنة ونصف من المفاوضات لتحصل على سلة حوافز أوروبية مجزية -إن صح التعبير- بينما كان بإمكانها أن تحصل على ذات العرض -أو أكثر- لو أنها واجهت عدداً أكثر من المزايدين.

ولعلي هنا أعود للسؤال، هل تأخرنا كخليجيين في مواجهة هذه الأزمة؟ وهل ربحت إيران كما يوهمنا البعض؟ .. برأيي أن الإجابة على هذه الأسئلة مازالت مبكرة، وأن كل سؤال في الحقيقة يمكن الإجابة عليه ب "نعم ولا" في هذه المرحلة. لست من هواة التعقيد، ولست أيضاً من أولئك الذين يوهمونك بأن طرائق التحليل السياسي متناقضة، وأن التوقعات تخالف بعضها البعض. بل العكس، أظن أن كثيرا ممن يتحدثون اليوم عن الأزمة وطريقة التعاطي الخليجي معها إما متأثرون بشكل عاطفي ووطني معها، أو متعجلون لنتائجها.

الأزمة النووية الإيرانية لم تنته بعد، فاللعبة كما يقال ما تزال مستمرة، وأكثر التوقعات التي يتم طرحها سواء كانت تتعلق بقرب انتهاء إيران من إنتاج القنبلة، أو اقتراب هجوم أمريكي -أو إسرائيلي- على محطات إيران النووية هي تقديرات تقريبية ومعتبرة إذا أخذناها بمعطياتها الأساسية، فكل توقع من تلك التوقعات هو عبارة عن نظرية حسابية قائمة على ما يتم استعماله من المتغيرات (Data)، ويعتمد نجاح أو فشل هذه النماذج الحسابية على دقة المعلومات الاستخباراتية التي بحوزة المراكز البحثية والدفاعية المختلفة. فمثلاً المعلومات التي تتحدث عن تحقيق إيران للقنبلة النووية في خلال 18شهراً من الآن، ليست قائمة على قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم بالكمية التي تصلح للقنبلة، بل على انتهاء إيران من تشييد وتشغيل كافة مكونات صناعة السلاح النووي، واستخدامها ليورانيوم مخصب مشترى من السوق السوداء. أما التقديرات التي تتحدث عن عدم قدرة إيران على الانتهاء من مشروعها النووي قبل خمسة أعوام من الآن، فهي مبنية على قيام إيران بكافة تجارب التخصيب الكلاسيكية لحين وصولها للنسب المطلوبة.

أود الإشارة هنا إلى أن طريقة كتاب الصحافة الخليجية والعربية في قراءة الأزمة ليست صحيحة، فالكثير منهم يستعجلون في الخلوص للنتائج وافتراض الحوادث المستقبلية، وهم لا يتذكرون أن ما يدلي به المحللون والباحثون هي مجموعة من السيناريوهات، وأن حدوث أي سيناريو مرتبطة بشروط عملية وظرفية، وأن هناك نسبة خطأ يتم احتسابها، ثم إن عدم تحقق أي سيناريو أو توقع لا يعني فشل المحللين بل في أحيان كثيرة عدم توفر المعطيات الضرورية والواقعية لإجراء تلك الحسابات.

أعود الآن للمقترح الخليجي، وسأحاول شرحه وقراءته في ضوء ما ذكرت سابقاً. الأمير سعود الفيصل تحدث -الأسبوع الماضي- أن الخليجيين قد تقدموا لإيران بمقترح مفاده أن يتم التخصيب في دولة محايدة لأجل تزويد كافة المحطات النووية القائمة وتلك المزمع إنشاؤها في المنطقة بما تحتاجه من وقود نووي.

هل هذا المقترح يأتي متأخراً؟ وما هي فائدته الآن؟

باعتقادي أن المقترح مهم، ويشكل خطوة ذكية، وأن توقيته لم يتأخر كثيراً، فما يزال يحمل أهمية في السياق الزمني للأزمة. ولو كان لي ملاحظة لقلت ان المقترح كان ليكون أكثر فعالية لو أنه عرض قبيل ديسمبر 2006، حين قدمت الوكالة الدولية تقريريها لمجلس الأمن قبل إقرار العقوبات الأولى على إيران. فحينها كان بالإمكان إحراج إيران أكثر، ووضع ضغوط دولية غير مسبوقة عليها في تلك اللحظة، ولكن علي الاعتراف بأن صانع القرار الخليجي -وأعني هنا السعودي بالتحديد- كانت لديه مشكلة أخرى تتمثل في التصعيد الذي فرضته إيران داخل الساحة اللبنانية مع ازدياد ضغط الأنشوطة على كل من النظامين الإيراني والسوري، الأولى حول مشروعها النووي، والثانية حول المحكمة الدولية. لذا كان لزاماً على الخليجيين أن "يسايسوا" إيران دبلوماسياً لتخفيف الأزمة في لبنان، بدل أن تفجر الأزمات كلها في وقت واحد ويفقدوا معها التركيز، ويضيعوا الرؤية التي يسيرون عليها.

بيد أن المقترح ما يزال فاعلاً من وجهة نظري، وأن عدم تدخل الخليجيين -على الأقل لأكثر الوقت- كان من مصلحتهم، فالأوربيون تولوا الضغط على إيران فيما بقي الخليجيون بعيدين عن حرارة وضغط المفاوضات، مع العلم أنهم كانوا يحضون بشفافية عالية واطلاع على مجريات الأزمة، وحين كانت إيران تتعرض لضغوط أكثر من قبل الأمريكيين كان بوسع الخليجيين لعب دور المدافع عن فريق السلام داخل إيران. الأمر الآخر الذي يجعل توقيت هذا المقترح ملائماً لا يتعلق بطهران في الحقيقة، بل بروسيا. فالأخيرة -ومعها الصين- ظلتا تعارضان فرض عقوبات أكثر على إيران، وتكشف المفاوضات الجانبية على هامش اجتماعات مجلس الأمن (ديسمبر 2006للعقوبات الأولى)، و (مارس 2007للعقوبات الثانية) بأن هاتين الدولتين رغم مصلحتهما الشديدة في منع إيران من الحصول على السلاح النووي كانتا تستمتعان بالمزايدة على الأمريكيين والأوروبيين لطلب أثمان باهظة نظير تخليهما عن إيران.

إذاً كيف يؤثر هذا المقترح على روسيا؟ .. بالنظر إلى الردود التي حظي بها المقترح، يمكننا القول ان إيران استمرت على موقفها المتشدد الرافض لوقف التخصيب داخل إيران، ولكن رد الفعل الروسي كان غاضباً، فالمقترح الخليجي أربك حسابات الروس. ولكن كيف؟ حين انفجرت الأزمة النووية الإيرانية في بداية عام 2003، ظل الروس في موقف المفاوض بالنيابة عن إيران، واستطاعوا استخلاص أموال مستحقة وتسهيلات ضخمة من الجانب الإيراني، وأوهموا الإيرانيين أنهم يقفون إلى جانبهم في الأزمة، في حين أنهم كانوا يرسلون رسائل خاصة للأمريكيين والأوروبيين من أنهم سيعملون على منع إيران من الحصول على السلاح النووي، ولهذا فإن تعطيل المشروع النووي في جزء منه كان سياسة روسية لإخضاع إيران للعب على الطريقة الروسية، ولهذا فإن التوتر الذي حدث مع الروس في أغسطس 2006قد قاد إلى التوافق الدولي على مشروع العقوبات الأولى. بقي أن أقول ان روسيا اقترحت التخصيب على أراضيها منتصف 2005، والمقترح لقي استحساناً أمريكياً ودولياً، ولكن رفضاً إيرانياً أيضاً. حالياً، سبب المقترح الخليجي المماثل امتعاضاً روسياً، فروسيا ستخسر إذا ما حصل توافق على مقترح كهذا لاسيما وأن الدول التي تم تداولها كبدائل -مثل سويسرا- قد أخرجت روسيا من الحساب، وهذا يعني خسارة مادية وسياسية لروسيا. ليس هذا فحسب، فالروس يخشون أن مثل هذا الاقتراح قد يفيد الصين التي تسعى الآن إلى أن تكون الدولة الرائدة في بناء المفاعلات في المنطقة، ومقترح كهذا يلائمها كثيراً. إذا سيدفع هذا الاقتراح الروس ربما في البداية للتشدد إزاء فرض عقوبات إضافية على إيران كما هو مزمع هذا الشهر، ولكن الخيار الأكيد هو أن روسيا ستلجأ بالتأكيد للتفاوض حول إعادة مقترحها السابق الذي يقضي بالتخصيب في روسيا، وهو أمر سيخدم ولاشك المصلحة الخليجية في النهاية.

تقرير الوكالة الدولية المنتظر الأسبوع القادم سيكون له أهمية كبيرة، والمقترح الخليجي سيكون أداة ضغط كبيرة على إيران، لاسيما وأن الإعدادات الأمريكية والأوروبية لمشروع العقوبات يجري الإعداد لها بعد أيام قليلة ( 19نوفمبر). رفض طهران للمقترح الخليجي قبيل هذه التواريخ الهامة يعطي الخليجين الآن فرصة أفضل في لعب دور أكبر على خط المفاوضات، فإيران قد رفضت المسعى الخليجي، وعليه فإن الخليجيين بوسعهم أن يشتركوا بشكل أكثر بروزاً في تحديد ما يجب القيام به تجاه إيران مستقبلاً.

altoraifi@alriyadh.com

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 4

  • 1
    الخلاصة انا كخليجي مع ايماني بالله بانه بيده كل شيء وثم الاخذ بالاسباب لهذه القضية اشعر بان وضعنا عير مطمئن ابدا، لذا على الدول الخليجية وجوب حماية شعوبها وفعل المستحيل بأن نكون دول نووية قادرة على مواجهة التحديات التي تلوح في الافق خاصة فيما يتعلق بمستقبل الشرق الاوسط الغامض. اذا امام رؤساء دول الخليج وشعوبها بان تختار ان نكون (دولة قوية قادرة على الاعتماد نفسها) او لانكون (وخلونا بقنوات الهشك بشك والطرب ومزايين الابل)

    احمد منصور - زائر

    09:06 صباحاً 2007/11/07


  • 2
    كثيرا
    الفرس لا يفهمون الا منطق القوه
    يجب ان نسارع باقتناء قوة الردع النووي

    ناصر العتيبي_الظهران - زائر

    11:33 صباحاً 2007/11/07


  • 3
    والله عتدما قرأت هذا المقال افتكرت انه لكاتب اسرائيلي ولم انتبه الا عندما قرأت الاسم الى متى الضحك على الذقون فمشروع ايران بكلام البرادعي هو مشروع سلمي وأنما نقطة الخلاف هي بعض الامور التي تحتاج الى توضيح.
    ولكن نرى كثير من الكتاب العرب يرددون نفس الكلام الذي تريده امريكا واسرائيل ولا يعلمون انهم ينفذون مخططات شيطانية تضرهم بدون قصد فتخصيب اليورانيوم حق أقرته الوكالة الدولية لطاقة النووية ولكن امريكا وخلفها اسرائيل والدول الغربية تريد منع هذه التكنلوجيا التي تعتبر تكنلوجيا المستقبل عن الدول الاسلامية حتى تبقى محتكره لديهم فقط

    علي العلي - زائر

    12:55 مساءً 2007/11/07


  • 4
    لا أدري لماذا كل هذا الخوف من أن تمتلك إيران المسلمة قنبلة نووية واحدة في المستقبل البعيد، بينما لا خوف من المئات من القنابل النووية التي تمتلكها إسرائيل القابعة في وسط العالم العربي.!
    والتي تم توجيهها إلى كل مدينة عربية كما يعلم الجميع.! وتنتظر مجرد الضغط على زر واحد.!
    .
    متى أصبحت العصابات الصهيونيه الغازية التي إحتلت مقدسانا منذ نصف قرن إخوانا لنا، وأصبح الإيرانيون الذين يشاركوننا بالإيمان بالله واليوم الآخر أعداءا لنا ؟.!
    .
    كيف أصبحنا في خندق واحد مع اليهود في الخوف من هجوم مسلمين ؟.
    .
    كيف غيرنا ترتيب الأعداء، فالله سبحانه وتعالى يقول: " لتجدن أشد الناس عدواة للذين آمنوا اليهود و الذين أشركوا "، وجعل اليهود على رأس القائمة، فبسلطة من غيرنا ترتيب قائمة الأعداء ؟.
    .

    .
    أم أن الغزلان تتقاتل ببسالة بقرونها... ولكن تهرب من وجه الضبع.!؟.

    مريم إبراهيم - زائر

    11:01 مساءً 2007/11/07



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة