هذه بعض إيجابيات الدراسة وهناك لمحات أخرى نقدية وتحليلية جميلة وجديدة تقرأها هنا وهناك في ثنايا الدراسة.
كتب الأستاذ إبراهيم السكران دراسة نقدية (سماها تواضعاً بالمقالة) بعنوان "مآلات الخطاب المدني" ونشرت قبل أشهر في ملحق الرسالة الصادر عن صحيفة المدينة وفي بعض المواقع الإلكترونية منها مجلة العصر، وحظيت بردود فعل متفاوتة منها ما نشر في الصحف المحلية ومنها ما نشر في المواقع الإلكترونية. وجاءت ردود الفعل ما بين منتقد لمنطلقات الدراسة ونتائجها، وما بين مرحب بها باعتبارها مشروعاً نقدياً جاداً ومضاداً للأطروحات الفكرية التي انتشرت من قبل شباب مثقف كانوا ملتزمين بخطاب "الصحوة الإسلامية" الذي كان مسيطراً على الساحة الثقافية في المملكة لأكثر من عقدين من الزمان، وانقلبوا عليه خلال السنوات القليلة الماضية.
والحقيقة أن الأستاذ السكران بذل جهداً كبيراً ومشكوراً في إعداد هذه الدراسة التي جاءت في أكثر من 120صفحة وهي تدل على عقلية فذة لديها قدرات خلاقة في التحليل والاستشهاد، كما أن أسلوب الحوار جاء جاداً وإن كان قاسياً بعض الشيء قاطعاً في أحكامه ورؤاه، ولو تحررت تلك الدراسة من بعض الأحكام القطعية مثل الحكم على كتابات منتقدي الصحوة من شباب كانوا ينتمون إليها يوماً ما بأنها نوع من "الارتباك الفكري" أو أنها تحولت إلى "علمانية صريحة"، لمثَّلت بداية لتوجه جديد يمكن أن يحتذى في كتابات المنتمين للاتجاه الإسلامي الصحوي في المملكة والذين يغلب على كتاباتهم التشنج والاتهامات وتقصد سوء النية والبحث عن الأخطاء وتضخيمها والسخرية بالآخرين واتهامهم بارتباطات مشبوهة مع دوائر معادية في الخارج وغير ذلك مما يموج في الساحة الفكرية لتيار الصحوة الإسلامية.
ومع ذلك اعتبر أن دراسة الأستاذ السكران تمثل اعترافاً جاداً من داخل بنية التيار الإسلامي بأن الخطاب الصحوي يشهد تراجعاً لدى الشباب بعد أن تحول عدد كبير من الشباب المثقف الذي كان منتمياً يوماً ما لخطاب الصحوة إلى مناطق فكرية أخرى، فأصبحت بعض كتابات أولئك الشباب النقدية لظاهرة الصحوة الإسلامية أكثر حدة وأكثر تأثيراً من كتابات خصوم الصحوة ومنتقديها التقليديين الذين التزموا موقفاً معادياً لأطروحاتها منذ البداية. يقول الأستاذ إبراهيم: "كثير من تلك الطاقات الشبابية المفعمة التي بدأت مشوارها بلغة دعوية دافئة أصبحت اليوم - ويا لشديد الأسف - تتبنى مواقف علمانية صريحة، وتمارس التحييد العملي لدور النص في الحياة العامة، وانهمكت في مناهضة الفتاوى الدينية والتشغيب عليها، وانجرت إلى لعب دور كتاب البلاط فأراقت كرامتها ودبجت المديح، وأصبحت تتبرم باللغة الإيمانية وتستسذجها وتتحاشى البعد الغيبي في تفسير الأحداث، بل وصل بعضهم إلى التصريح باعتراضات تعكس قلقاً عميقاً حول أسئلة وجودية كبرى، واستبدلت هذه الشريحة بمرجعية "الدليل" مرجعية" "الرخصة" أينما وجدت بغض النظر هل تحقق المراد الإلهي أم لا؟ وتحولت من كونها مهمومة بتنمية الخطاب الإسلامي إلى الوشاية السياسية ضده، والتعليق خلف كل حدث أمني بلغة تحريضية ضد كل ما هو "إسلامي"، وغدت مولعة بالربط الجائر بين أحداث العنف والمؤسسات الدعوية، وبالغت في الاستخفاف بكل منجز تراثي، وتحتفي بالأدبيات الفرانكفونية في إعادة التفسير السياسي للتراث وأنه حصيلة صراعات المصالح وتوازنات القوى وليس مدفوعاً بأية دوافع أخلاقية أو دينية، بل ووصل بعضهم إلى اعتياد اللمز في مرويات السنَّة النبوية وخصوصا مصادرها ذات الوزن التاريخي واعتبارها مصدر التشوش الاجتماعي المعاصر".
الحكم قاس بالتأكيد، وإذا جمعت تلك الأبعاد في سياق واحد - كما فعل الأستاذ السكران - فقد نصف هذا التحليل ببعض الغلو، وبعض المبالغة، ذلك أنه في - تقديري - لا يوجد شخص واحد قد جمع بين تلك الأبعاد في كتاباته ومقالاته، إضافة إلى اعتبار أن كثيراً من النقد الموجه لأدبيات تيار الصحوة لا يتجه نحو الأسس التي أشار إليها الكاتب بل هو موجه في غالبه نحو البنية المعرفية في أدبيات الصحوة ومواقفها من القضايا المعاصرة السياسية والاجتماعية والفكرية، وهذا الجانب سنأتي له بإذن الله في المقالات القادمة.
تمثل الدراسة اعترافاً أولياً من التيار الديني الصحوي بأن التغيرات التي حصلت في فكر أولئك الشباب والتراجع الذي حدث لتيار الصحوة كان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر كما قال الأستاذ إبراهيم: "فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعرض الاتجاه الإسلامي إلى حالة محاكمة عالمية شرسة حدت من إنسيابه ودويه وتراجعت معها شعبيته الاجتماعية بشكل ملموس". وعلى الرغم من أن الأستاذ إبراهيم لم يعط هذا الجانب حقه في النقاش والتحليل (وسنأتي لهذا لاحقاً أيضاً) إلا أن إشارته تلك تؤكد أن هناك حدثاً استثنائياً له تاريخ زمني محدد ساهم بشكل رئيسي في إحداث ذلك التحول في فكر الشباب، وهذا الاعتراف - وإن جاء ضعيفاً في الدراسة - إلا أنه مهم في تقديري لأن عدداً من منظري الصحوة الإسلامية حاولوا تجاهل هذا الحدث وتجاهل تأثيراته العميقة في البنية الداخلية لمنظومة الأفكار والمواقف التي تتبناها شخصيات مهمة كانت تؤيد تيار الصحوة أو تتعاطف معه.
من إيجابيات الدراسة أيضاً إشارة الكاتب إلى "ردود الفعل جاه البغي الإلكتروني" كعامل من عوامل تحول الشباب المثقف من تبني خطاب الصحوة الإسلامية إلى مواقع فكرية أسماها علمانية أو ليبرالية. وعلى الرغم من أن الكاتب أيضاً لم يستطرد في شرح تأثير هذا العامل، إلا أنه أراد أن يقول إن ما يمارسه بعض المتحمسين للخطاب الديني من بغي وظلم وتعدٍ وسباب وشتائم على المثقفين والكتّاب في المنتديات الإلكترونية كان يأتي دائماً بنتائج عكسية فيزيد الشباب المثقف نفوراً من الخطاب الديني المتزمت ويجعلهم في المقابل أكثر حدة في نقد ظاهرة الصحوة الإسلامية ومروجي أفكارها.
هذه بعض إيجابيات الدراسة وهناك لمحات أخرى نقدية وتحليلية جميلة وجديدة تقرأها هنا وهناك في ثنايا الدراسة، ولكن على الرغم من تقديري لهذه المحاولة الفكرية الجادة والجريئة، إلا أنني أختلف مع الكاتب في منطلقات أساسية في قراءة ظاهرة التحول لدى الشباب من تبني خطاب الصحوة إلى مناوئ لها، وفي تحليل أسباب هذه الظاهرة وفي بعض القناعات الفكرية التي يتبناها الأستاذ إبراهيم في هذه الدراسة. فبعد قراءة الدراسة كاملة ثم الرجوع إلى بعض أجزائها توصلت إلى قناعة أن ظاهرة التحول تلك وتراجع شعبية الخطاب الديني الصحوي أصبحت واضحة ليس فقط في الإطار المحلي السعودي ولكن على مستوى العالمين العربي والإسلامي وفي مساحة العمل الإسلامي في الغرب، ولكن الأستاذ إبراهيم كان يقرأ الظاهرة في إطارها المحلي ولبعض الحالات التي ربما يعرفها فوضعها تحت المجهر، فجاءت نتائج التحليل قريبة من بعض نماذج التحول ولكن ليس لكل الظاهرة، فمثلاً لا يمكن القول إن جميع الشباب الذين تمردوا على قيم الصحوة وخطابها أصبح منضوياً تحت التفسير الفرانكفوني/ المغاربي لأزمة النهضة العربية الإسلامية، وإن كان هناك من تأثر بتلك الكتابات النقدية فهو تأثر محمود لأن الفكر لا يمكن أن يكون عميقاً ورصيناً ما لم يتواصل صاحبه مع كافة التيارات الفكرية يقرأ ويفهم ويناقش ويتأمل ويتعمق، وهناك مدارس فكرية كثيرة عربية وأجنبية تناولت الظاهرة الإسلامية بالنقد والتحليل غير تلك التي يتبناها الجابري وأركون وغيرهما، بل من الخطأ أصلاً وضع المدرسة الفرانكفونية/ المغربية - كما أسماها الكاتب - في سلة واحدة وكأنها تتبنى منهجاً نقدياً واحداً، فلا يمكن بحال من الأحوال جمع محمد عابد الجابري بمحمد أركون في إطار مدرسة نقدية واحدة.
أول ملاحظاتي على الدراسة أنها تناولت فقط ظاهرة تحول بعض الشباب المثقف عن تأييد الصحوة الإسلامية ولم تتناول ظاهرة التحول عامة إذ إن التخلي عن شعارات الصحوة ومواقفها السياسية والفكرية لم يقتصر فقط على الشباب بل إن ظاهرة التحول تجدها على جميع المستويات فكثير من قيادات الصحوة ومفكريها تراجعوا - وهو تراجع محمود - من أفكارهم ومواقفهم المتشددة التي كانت سائدة في الفترة الذهبية للصحوة الإسلامية، إلى موقف أكثر تسامحاً اليوم، وأكثر عقلانية وأكثر استقلالية على الرغم من أن البعض فضل السكوت والعزلة على أن يجاهر بآرائه الجديدة خشية من تلك الألسن السليطة ومنتديات البغي الإلكتروني التي تنهش من لحوم العلماء وطلبة العلم - التي لم تعد مسمومة اليوم - إذا أبدت رأياً مخالفاً لقناعات منظري الصحوة ونشطائها.
في المقال القادم سأعود إلى دراسة الأستاذ إبراهيم السكران وأتحدث عن الخلل الكبير الذي أراه في منهجية الدراسة.
1
الدكتور المبدع احمد العيسى.. لما تابعت معركة "وسطي بلاوسطية" ظننتك تضع نفسك في الاتجاه الليبرالي.. ولكن هذا المقال كشف أنك "اسلامي مستقل" فأنت تنتقد أخطاء السلفيين وأخطاء الليبراليين سويا.. فموقفك هاهنا غير منحاز لطرف معين.. أمر آخر أعجبني في المقالة هو أنك ابتعدت عن شخصنة النقد فلم تتهجم على شخص كاتب المآلات بل ناقشته موضوعيا بخلاف مانجده في رد القديمي الممتلئ بالشخصنة والشتائم والسخرية.. انتظر بلهفة الجزء الثاني.
ناصر الغفيص - زائر
09:14 صباحاً 2007/10/30
2
الكاتب المحترم
من يدرس التحولات الفكرية الحادة لدى بعض أهل الصحوة الإسلامية وخصوصا من تحول من طرف إلى طرف مضاد يجد أن هؤلاء الأشخاص عانوا من مواقف صعبة وضغوط قهر أدت بهم للتحول ولم يكن تحول فكري حر نشأ في بيئة تتمتع بسقف حرية عالي !!! نرجو الله الثبات حتى الممات
ابو حماد - زائر
02:13 مساءً 2007/10/30
3
مع احترامي للكاتب إلا أن ما ذكره (..فأصبحت بعض كتابات أولئك الشباب النقدية لظاهرة الصحوة الإسلامية أكثر حدة وأكثر تأثيراً من كتابات خصوم الصحوة ومنتقديها التقليديين الذين التزموا موقفاً معادياً لأطروحاتها منذ البداية..) غير صحيح فهلا برهن لصحتها، صحيح هناك بعض التحولات لكنها لم تصل إلى هذه الدرجة المبالغ فيها
مازن - زائر
04:18 مساءً 2007/10/30
4
هذا المتوقع ممن نسميهم بشباب الصحوه ارتدوا على التيار الدينى لان هذا من أخطاء المجتمع الذي يعتبر كل ذا ثوب قصير متدين. خطأ ! لأي فكر نتبناه نحن نلتزم بالمظهر فقط لكن الفكر لا يتم مناقشته لو كان هؤلاء الشباب اقتنعوا بهذا الفكر لم يرتدوا عليه ( على الأقل ليس بهذه الكثره ) إذا لم يوجد فكر بالأصل بل مظهر فقط
منى - زائر
11:09 مساءً 2007/10/30
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة