تنشط الأوساط السياسية في الأردن حاليا لخوض الانتخابات النيابية المقبلة التي يعتزم إجراؤها في العشرين من (تشرين الثاني) نوفمبر المقبل . ويكثف مرشحو البرلمان الأردني تحركاتهم تجاه ناخبيهم. واللافت بروز ظاهرة "شراء الأصوات" أو "المال السياسي".
وفي التفاصيل . يلجأ بعض المرشحين إلى دفع المال مقابل الحصول على أصوات الناخبين مستغلا عوزهم المالي . وهذه ظاهرة بدت لافتة في ظل تفشي الفقر على الرغم من وجودها في الانتخابات السابقة بشكل محدود كان ينظر اليها المجتمع على نحو معيب.
السلطات الأردنية حذرت بتصريحات رسمية على لساني رئيس وزرائها الدكتور معروف البخيت ووزير داخليتها عيد الفايز المرشحين من استخدام أساليب غير شرعية للتأثير على الناخبين وخصوصا شراء الأصوات . وتوعد وزير الداخلية "بمعاقبة من يجرؤون على التلاعب بإرادة الناخبين" قائلا في تصريح سابق إن : "الملك عبد الله أراد الانتخابات حرة ونزيهة وشفافة".
ويأتي رد فعل الحكومة قويا تجاه شراء الأصوات بعد تجربة مريرة عانتها تمثلت بكيل الاتهامات لها بتزوير انتخابات المجالس البلدية التي أجريت في (حزيران) يونيو الماضي . وانسحب الإسلاميون منها متهمين الحكومة بالتزوير الصريح والمكشوف
ويعتقد مراقبون ان العملية صارت جزءا من ثقافة مباحة امام غياب المضمون السياسي للعملية الانتخابية، حتى وان وجد - البرنامج السياسي - لا يكترث الناخب الذي ارهقه الفقر حدا صار معه المال هاجسه.
في غمرة ذلك، تواظب وزارة الداخلية على توعد كل من ترد شكوى بحقه انه كان ضليعا بعملية الشراء او البيع او حتى التوسط بعقوبة مغلظة. لكن بانتظار ان ترد الشكوى من مواطنين اهابت بهم الوزارة عدم السكوت عن هذه الظاهرة.. فهل يكفي ذلك لتطويق هذه الجريمة المتصاعدة؟.
وتتعدد اشكال التأثير التي يمارسها المرشح على الناخب بغرض ضمان تصويت الاخير له اما من خلال عطايا ومنح وهدايا مالية وعينية لمسها الجميع مؤخرا وخصوصا اثناء فترة العيد.
نائب مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الاردنية الدكتور فارس بريزات يرى ان بعض المرشحين جعلوا من شراء الاصوات ثقافة مقبولة عندهم، ويقول بريزات - الذي اجرى مركزه مؤخرا استطلاعا تضمن سؤالاً مباشراً حول سبب هذه الظاهرة - أن مسألة زيادة الدوائر الانتخابية ساهمت الى حد ما في تفوق العامل المالي على العامل السياسي.
بل انه يشير الى استغلال بعض المرشحين لعامل الفقر من اجل استمالة بعض الناخبين لهم.
ويستطرد ان مجلس النواب لم يثبت القدرة والكفاءة على سن تشريعات ومحاسبة الحكومات بطريقة تقنع الرأي العام بان انتخابات مجلس النواب هي انتخابات سياسية بالدرجة الاولى.
ويعتقد بريزات ان هناك رأسمال غير مسيس بمعنى هناك مرشحون لديهم اموال وليس لديهم موقف سياسي مع الديمقراطية يتعاملون مع العملية الانتخابية وكأنها عملية تجارية. ويتساءل بريزات،قائلا: لماذا لغاية الان لم تقدم حالة واحدة الى المحكمة بالاشارة الى مدى الجدية في ملاحقة مرتكبي هذه الجريمة.
رغم ذلك تشهد الكثير من المجالس الانتخابية نقاشات موسعة وجدية حول الاسباب التي تدفع البعض "لتسليع" صوته خصوصا وان الظاهرة لا تقتصر على دائرة بعينها بل اصبحت عامة لا تربأ دائرة بنفسها عن التورط فيها.
رئيس مركز الاردن الجديد هاني الحوراني يعلق على ذلك بقوله انه كلما كان المضمون السياسي في الحملة الانتخابية منخفضا وغاب البرنامج السياسي عن الانتخابات فانه يحضر في ذهن المواطن المشكلات المعيشية والنزعة التي تقول ما بيفرق.. كله مثل بعضه ولا يوجد فرق بين المرشحين. ويقول ان ضعف الاحزاب وقلة الرموز السياسية التي تشارك في الانتخابات تساهم ايضا في هذه المسألة يضيف الحوراني.
بل ان الحوراني يشير الى غياب الرقابة والتساهل تجاه من يخرق قانون الانتخاب سواء بنقل الاصوات او بشراء الاصوات ما يشجع المواطن على التخلي عن حقه الطبيعي في الاختيار الحر. ويحدد قانون الانتخاب الشروط التي يجب ان يلتزم بها المرشح في الدعاية الانتخابية التي تبدأ من تاريخ الموافقة على طلب الترشيح، لعل ابرزها منعه من تقديم هدايا انتخابية او تبرعات مادية بغرض الانتخاب.
وينص القانون في المادة عشرين على ما يلي: (يحظر على أي مرشح أن يقدم من خلال قيامه بالدعاية الانتخابية هدايا أو تبرعات (...) سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو بواسطة الغير كما يحظر على أي شخص أن يطلب مثل تلك الهدايا أو التبرعات أو المساعدات أو الوعد بها من أي مرشح).
في هذا الصدد، يؤكد نائب سابق انه قرر عدم الاستمرار في ترشيحه واثر الانسحاب بسبب هذه الظاهرة الذي يستخدم في دائرته الانتخابية. ويشير الى ان الساحة الانتخابية مقبلة على انسحابات مماثلة.
في هذا السياق، يؤكد مراقبون ان شراء الاصوات يضر بالتمثيل النيابي فهي تزوير لارداة الناخبين وهو تزوير من قبل المرشح الذي يمارسها منافيا مبادئ الديمقراطية والغاية من الانتخابات، فضلا عن تجريمها في قانون الانتخاب المطلوب.
ويشدد المراقبون على ضرورة ان يكون التنافس بين المرشحين شريفا حرا ونزيها وان يعمل الكل وفق القانون من اجل اقناع الناخبين بالتصويت له من خلال الوسائل التي حددها القانون.
ويشير المراقبون الى دور الاحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الاعلام في تثقيف الناس حول مخاطر ظاهرة شراء الاصوات على العملية الانتخابية.